الجنوب خاصرة ليبيا الرخوة

حجم الخط
0

سبها ـ «القدس العربي»: منذ سقوط النظام السابق في 2011 بات الجنوب الليبي منطقة مستباحة من الميليشيات وعصابات التهريب وشبكات الإتجار بالسلاح وكل الخارجين عن القانون. وفي مناخ الصراعات القبلية على النفوذ تحول الجنوب إلى ساحة مواجهات بين قبائل التبو والقبائل العربية للسيطرة على الطرق الصحراوية، التي تُنقل عبرها السلع والسجائر والمخدرات والأسلحة والمواد الغذائية، وأيضا المهاجرين الذين أصبحوا يُباعون ويُشترون.
وتوصلت القبائل المتنافسة إلى اتفاق سلام في نيسان/ابريل الماضي يقضي بمراقبة خمسة آلاف كيلومتر من الطرقات والمسالك العابرة للحدود الجنوبية، إلا أن برلمان التبو رفض الاتفاق، بدعوى أن المُوقعين باسم التبو هم من سكان القطرون، وليسوا من المدن الثلاث التي دارت فيها معارك بين الأطراف المتنازعة وهي مُرزُق وسبها وأوباري.
ويستقطب الجنوب، بالنظر لحجم ثرواته الطبيعية المتنوعة، اهتمام الدول الكبرى المُتداخلة في الملف الليبي، ولاسيما فرنسا التي احتلت فزان وعاصمته سبها منذ اندحار إيطاليا أثناء الحرب العالمية الثانية (9431)، وحصلت من الأمم المتحدة على وصاية رسمية عليه، إلى إعلان الاستقلال في 1956. وهكذا شكلت الحرب العالمية الثانية فرصة سانحة لباريس من أجل استقطاب حركة المواصلات والتجارة مع البلدان الصحراوية، انطلاقا من مسالك القوافل في المغرب الأقصى ومنطقة طرابلس، لسحبها نحو الموانئ الجزائرية.
وأظهرت أبحاث المؤرخين أن فرنسا كانت تحلم بطريق امبراطورية تمتد من تونس إلى تشاد، بما يجعل من فزان حلقة وصل بين افريقيا الصحراوية والبحر المتوسط، تكون بمثابة رأس جسر يربطها بمستعمراتها في غرب افريقيا ووسطها. وكانت هذه الاستراتيجية تقتضي أيضا إحداث منطقة عازلة تُمكن من تأمين الحدود في كل من الجزائر وتونس وتشاد حتى النيجر. أكثر من ذلك، كانت باريس تُؤمل أن تشكل تلك المنطقة العازلة حزاما واقيا من «التسريبات» والاختراقات الآتية من البلدان العربية، التي تساند الثورة الجزائرية (1954-1962). لذا كانت المناطق الإدارية الجديدة التي أنشئت لذلك الغرض تابعة للقيادات العسكرية في الجزائر وتونس. وأوضح عالم الاجتماع مولدي الأحمر في بحث عن الجنوب الليبي أن «التصورات الأولى التي بناها الفرنسيون بشأن فزان كانت في علاقة وثيقة بمصالحهم السياسية ورؤيتهم الاستراتيجية للمصير الذي ستشهده امبراطوريتهم الاستعمارية في تلك الحقبة».
من هنا فإن استعادة السيطرة على الجنوب وتأمين الحدود مع الجيران الجنوبيين، وخاصة النيجر وتشاد والسودان، شرطً لازمٌ لنجاح أي حل سياسي للأزمة الليبية، من أجل تمكين الدولة من ملاحقة الخارجين عن القانون وضبط السلاح المُنفلت من أي رقابة، وإعادة تركيز المؤسسات الأمنية والعسكرية والمدنية التي تفككت أثناء سنوات الحرب الأهلية.

الجنوب خاصرة ليبيا الرخوة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية