جنوب السودان: الجنود الصغار يتطلعون لاستبدال البنادق بالكتب فور إطلاق سراحهم

حجم الخط
0

 

لندن – جنوب السودان -«القدس العربي»: عندما جاء الجنود إلى مدرسته لإجباره، هو وأطفال آخرين، على الانضمام لساحة القتال في جنوب السودان، سأل دي (15 عاما): ”لماذا على الأطفال أن يقاتلوا”؟ ”للدفاع عن قبيلتهم”، أجابه الجندي.
ولكن دي، الذي أجبر في ذلك اليوم على الانضمام إلى صفوف الميليشيات ليحارب بأسلحة تبدو أكبر منه حجماً، لم يفهم معنى ما قاله الجندي حتى بعد الخبرة التي اكتسبها في القتال.
اليوم أصبح دي حراً. فضمن اتفاقية شاملة لإطلاق سراح 3 آلاف من الأطفال المجندين لديها، أطلقت ميليشيا في جنوب السودان سراح المجموعة الأولى من الأطفال المجندين الشهر الماضي، في احتفال بمشاركة اللجنة الوطنية لنزع السلاح سلم فيه الأطفال أسلحتهم وزيهم العسكري آملين أن يستبدلوا بنادقهم بالكتب ويلتحقوا بالمدارس بعد أن حرمت الحرب نصف مليون طفل من التعليم. عدد كبير من الأطفال أصبح الآن حراً، وعلى الرغم من وحشية ما شاهده كلٌ منهم سيكون لهم فرصة للبدء من جديد. يقول أحدهم لمراسل «بي بي سي» دون ذكر اسمه: ”لقد حاربت. حاربت لأني كنت خائفاً على حياتي. ماتت شقيقتاي في الحرب. الآن، كل ما أريده هو العودة إلى المدرسة». مضيفاً انه، خلال التجنيد، نقل مع عشرات الأطفال، إلى معسكر تدريب كانوا يتعرضون فيه للضرب وأحــيــاناً يحــرمون من الطعام لمدة يومين.
وفي المجموعة الأولى المفرج عنها، تم تسريح 280 طفلا في منطقة قومروك، بولاية جونقلي تتراوح أعمارهم بين 11 إلى 17 عاما، حارب بعضهم لفترة 4 سنوات مع جيش جنوب السودان الديمقراطي- جناح كوبرا، الميليشيا التي وقعت اتفاقية سلام مع الحكومة، فيما لم يلتحق عدد منهم بالمدرسة. وبحسب منظمة رعاية الطفولة التابعة للأمم المتحدة «يونيسيف» التي تفاوضت مع الميليشيا، سيتم تزويد المجندين الأطفال، بعد تسريحهم، بالرعاية الصحية والحماية والغذاء والملبس، وقريبا سيتم دمجهم في التعليم، فيما ستحاول المنظمة إعادة توحيدهم مع عائلاتهم. وقال الجنرال ديفيد ياوياو، في تصريح خاص لـ»راديو مرايا»
«همنا هو أن يتم توفير الاحتياجات الأساسية في مجالات التعليم والذهاب إلى المدارس وفرص التدريب، وإذا لم يتم التعامل مع الوضع بطريقة جيدة فسيؤدي ذلك إلى ظهور مشكلات أخرى، وذلك بسبب العقلية العسكرية، هذا إذا كنا غير حريصين».

مصير بقية الأطفال

ورغم أن حكومة جوبا تعمل حاليا على تسريح الأطفال من الجيش والجهود التي بذلتها منظمة يونيسيف بالإفراج عن الأطفال، لا يزال مصير الآف المجندين معلقاً في الهواء فيما يبقى قرار تسريحهم رهينة المفاوضات والنزاع القائم، خاصة أن عددا من المسؤولين كانوا قد وعدوا في الماضي بالتوقف عن تجنيد الأطفال ولم يغير ذلك شيئاً على الأرض. زعيم المتمردين والنائب السابق لرئيس دولة جنوب السودان رياك مشار قطع وعداً في أيار/مايو الماضي في العاصمة الاثيوبية أديس أبابا، بعدم تجنيد الأطفال للقتال في صفوف الأطراف المتحاربة في جنوب السودان. لكن الأدلة تشير إلى عكس ذلك. ففي العام الماضي وحده، تم تجنيد ما لا يقل عن 12 ألف طفل في صفوف القوات والجماعات المسلحة خلافاً للاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحرم استخدام الأطفال في القتال. ومنذ انخراط ميليشيات في جنوب السودان بحرب أهلية في عام 2013، بعد أن اتهم الرئيس سالفا كير نائبه بمحاولة تدبير انقلاب، أجبر آلاف الأطفال على حمل السلاح والقتال في صفوف الميليشيات ورؤية أشياء لا يجوز لطفل أن يشهدها، حسب ما قال ممثل يونيسيف في جنوب السودان جوناثان فيتش. وقالت فطومة إبراهيم، رئيسة يونيسيف لحماية الطفل في جنوب السودان أن حوالي 70 في المئة من أصل 10 آلاف طفل يقاتلون مع الجيش الأبيض الذي يقوده مشار. وقادة مشار، قالوا إنهن بحاجة للحصول على توجيهات من قادة أعلى على الأرض لوقف تجنيد الأطفال ويبحثون إمكانية التواصل مباشرة مع قادة المتمردين، مما سيصعب المهمة أكثر.
جيش جنوب السودان والمسؤولون الحكوميون في بانتيو اعترفوا لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» بأن قواتهم تضم أطفالاً دون سن 18 عاماً، ولكنهم زعموا أنه منذ بدء الصراع، بدأ الأطفال في القدوم إليهم بحثاً عن الحماية والعمل.
ويجري استخدام الأطفال الجنود من قبل كل من الحكومة والمعارضة في النزاع الدائر في جنوب السودان، وفقاً لوكالات الإغاثة ومنظمات حقوق الإنسان، علماً أنه في عام 2012 التزمت الحكومة وفقاً لخطة العمل بوضع حد لتجنيد الأطفال واستخدامهم في القوات المسلحة الحكومية، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال. ووفقاً لمكتب الممثل الخاص لشؤون الأطفال والنزاعات المسلحة، أسفرت خطة العمل عن الإفراج عن أكثر من 1،000 طفل، وإصدار أوامر قيادية بحظر تجنيد الأطفال، فضلاً عن إنشاء وحدة تابعة للجيش الشعبي لتحرير السودان مخصصة لحماية الأطفال. وقالت مسؤولة في منظمة غير حكومية لم ترغب في الكشف عن هويتها لشبكة الأنباء الإنسانية «إيرين» «يقوم قادة المجتمع المحلي أحياناً بالتجنيد نيابة عن الجماعات المسلحة. يقولون لآباء الأطفال أن أبناءهم سيذهبون لمحاربة العدو، والذي يعني محاربة قبائل أخرى. وعادة ما يوافق الآباء بسهولة ولكن في بعض الحالات، يتم ذلك بالقوة». وأضافت أنه في المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، مثل بانتيو، يعني نقص المدارس أن الأطفال غالباً ما يكونون عاطلين، مما يسهل اجتذابهم إلى الجماعات المسلحة.

النزاع المسلح يزيد

وتيرة تجنيد الأطفال

وقالت ليلى زروقي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة لشبكة الأنباء الإنسانية «إيرين»: «يهدد النزاع الحالي بفقدان جميع المكاسب التي تحققت حتى الآن لإنهاء استخدام الأطفال كجنود في جنوب السودان. وأفاد الأمين العام للأمم المتحدة أنه قبل اندلاع النزاع الحالي، حقق الجيش الشعبي لتحرير السودان تقدماً ملموساً في إنهاء استخدامه للأطفال الجنود. ولكن عندما اندلع النزاع المسلح الحالي، ازدادت وتيرة تجنيد الأطفال. وقالت المنظمة في بيانها: «أخبر عشرة أشخاص فروا من القتال [في روبكونا] منظمة هيومان رايتس ووتش في بانتيو أنهم رأوا عشرات الأطفال يرتدون الزي العسكري وهم مسلحون ببنادق وقد تم نشرهم إلى جانب جنود الحكومة وكانوا يقومون بإطلاق النار على مواقع المعارضة. وفي 12 آب/أغسطس شاهدت المنظمة 15 جندياً يبدو عليهم أنهم من الأطفال حول قاعدة روبكونا العسكرية الحكومية ومهبط الطائرات».
وقالت زروقي: «أنا لست مندهشة من التقارير التي تشير إلى استخدام الأطفال الجنود من كلا الجانبين في جنوب السودان لأنني كنت هناك في حزيران/يونيو ورأيت الأطفال وهم يحملون البنادق في الشوارع. وأتذكر أيضاً ديفيد ياو ياو، زعيم الحركة الديمقراطية/الجيش الديمقراطي لجنوب السودان، وهي جماعة مسلحة تضم عدداً كبيراً من الأطفال في صفوفها، الذي تم تعيينه منذ ذلك الوقت مسؤولاً عن منطقة بيبور الإدارية الكبرى عندما جاء لاستقبالي في غموروك وكان بعض مرافقيه من الأطفال».

عنف واستغلال جنسي:

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» قد حذرت من ان نحو مليون طفل في جنوب السودان أجبروا على الفرار من ديارهم منذ اندلاع الصراع وان بعضهم يعيش على تناول جذور الزنابق التي تنمو في الماء وانه قد تحدث مجاعة العام المقبل.
وأضافت المنظمة أن جماعات مسلحة تستغل نحو 12 ألف طفل وان أطفالا آخرين عرضة بدرجة متزايدة للعنف والاستغلال الجنسي. وقالت المتحدثة باسم يونيسيف دوني بورتر من العاصمة جوبا «الوضع على الأرض مروع». وأضافت «أسمع مرارا زملاء عملوا في الكثير من الحالات الطارئة يقولون (لم نشهد أبدا أي شيء بهذا السوء)».
وكما تم التأكيد عليه في تقرير الأمم المتحدة عن أثر النزاع المسلح على الأطفال (دراسة ماشيل، 1996)، فإن الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة أو الجماعات المسلحة يتعرضون لعنف هائل – ويضطرون غالباً لمشاهدة وارتكاب أعمال العنف ويتعرضون للإيذاء أو الاستغلال أو الإصابة أو حتى القتل. ويحرمهم هذا الوضع من حقوقهم، وتصاحبه غالباً عواقب جسدية ونفسية قاسية، بحسب منظمة يونيسيف. وتعمل يونيسيف على إطلاق سراح الأطفال من القوات والجماعات المسلحة في أقرب وقت ممكن، حتى أثناء النزاعات المسلحة، ومساعدتهم على العودة إلى أسرهم. وأثناء ذلك، تدعم يونيسيف الخدمات التي تعنى بالصحة والرفاه البدني والنفسي لهؤلاء الأطفال، وتزودهم بالمهارات الحياتية وتشركهم في أنشطة إيجابية لمستقبلهم، بما في ذلك التعليم والمهارات المهنية والتدريب على سبل العيش.
يذكر أن الأمم المتحدة تعمل على تأمين إطلاق سراح وإعادة إدماج جميع الأطفال المجندين من قبل القوات والجماعات المسلحة في جنوب السودان على وجه التحديد، وإعادة تكليف الحكومة بعمل خطة عمل مع الأمم المتحدة كجزء من برامجها لوضع حد لتجنيد واستخدام الأطفال في النزاعات المسلحة بحلول نهاية عام 2016 .

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية