لندن ـ «القدس العربي»: قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن زعيم تنظيم الدولة الإسلامية المنعزل بدأ خططا يفوض من خلالها صلاحياته لنوابه من أفراد الدائرة المغلقة، وكذا قادة الولايات في سوريا والعراق في خطوة يراها المراقبون محاولة لحماية التنظيم حالة تعرضه للقتل أو أي من زعمائه الكبار، حيث سيواصل التنظيم القتال متكيفا مع الظروف الجديدة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمريكيين وعراقيين قولهم إن البغدادي فوض بعضا من صلاحياته لأعضاء مجلس الشورى، خاصة ما يتعلق بوزارات الحرب والمالية والشؤون الدينية.
ويشير المسؤولون إلى أن قيادة تنظيم الدولة تقوم على عملية دمج بين المحاربين المتمرسين في تنظيم القاعدة ومسؤولين سابقين في نظام صدام حسين الذي وضعوا خبراتهم العسكرية والأمنية تحت تصرف البغدادي، وهو ما حول التنظيم إلى قوة من الصعب قهرها.
كما أن مرونة التنظيم الذي يمنح قادته الميدانيين حرية في شن هجماتهم المستقلة داخل سوريا والعراق كانت عاملا في توسع وقوة التنظيم. فالقادة عادة ما يتلقون تعليمات عامة ويفسرونها باستقلالية بناء على الوضع. وهذه التوليفة تعني عدم معرفة المقاتلين المشاة الكثير عن آلية عمل التنظيم.
وفي حالة ألقي القبض عليهم فلن يكون لديهم الكثير من المعلومات للكشف عنها. وحتى القادة الميدانيين يسهل استبدالهم حالة قتلوا.
وبناء على هذه التراتبية القيادية لا يزال العراقيون يسيطرون على المناصب العليا، أما التونسيون والسعوديون فيحتلون مناصب دينية او شرعية في داخل التنظيم.
وتقول الصحيفة إن المعرفة الجديدة بطريقة عمل التنظيم العسكرية وعملياته المالية جاءت من خلال المواد التي حصل عليها أفراد القوات الأمريكية الخاصة الذين هاجموا في أيار/مايو شرق سوريا وقتلوا أحد قادة التنظيم، أبو سياف الذي كان يعرف بوزير المالية والنفط.
والقي القبض على زوجته أم سياف المعتقلة لدى الأمريكيين في العراق.
ويرى دبلوماسي غربي أن البغدادي تعلم من دروس الجماعات الأخرى خاصة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية الذي تفكك بعد استهداف القوات الأمريكية لقيادته وقتلتهم واحدا بعد الآخر في غارات شنتها طائرات بدون طيار.
وقال الدبلوماسي «تعلم تنظيم الدولة من ذلك وشكل بنيته بطريقة تجعله ينجو في حالة خسر قيادته، وذلك من خلال منح قيادة الوسط مستوى من الاستقلالية».
وفي داخل هذه البنية لن تتأثر عمليات التنظيم حالة قتل البغدادي أو جرح. وتضيف الصحيفة أن تنظيم الدولة درس بعناية التسريبات التي سربها الفني الأمريكي إدوارد سنودين والتي كشفت عن طريقة جمع وكالة الأمن القومي معلومات عن المتشددين.
ونتيجة لهذا فقد أصبح قادة التنظيم يتواصلون فيما بينهم من خلال سعاة البريد أو رسائل مشفرة لا يمكن للمحللين الأمنيين الغربيين تفكيكها.
ويحيط بالبغدادي أبو العلاء العفري الذي كان نائبا لأبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة السابق وفاضل الحيالي المعروف باسم أبو مسلم التركماني، وهو ضابط سابق في القوات العراقية الخاصة من بلدة تلعفر قرب الموصل.
وذكرت تقارير غير مؤكدة ان كلا الرجلين قتلا في غارات جوية خلال الأشهر الماضية. ولا يعرف من سيخلف البغدادي حالة مقتله.
وتقوم الولايات المتحدة بشكل نشط بملاحقة البغدادي، وانتشرت قبل أشهر شائعات إصابته بجراح بالغة لم تثبت صحتها.
وكان وزير الدفاع كارتر قد أخبر الصحافيين هذا الشهر أنه في حالة لاحت فرصة لقتل البغدادي»فبالتأكيد سننتهزها».
ورغم المعلومات الثرية التي حصل عليها الأمريكيون إلا أنهم يرون أن هناك الكثير من الثغرات الواجب ملؤها حول كيفية تواصل التنظيم مع قادته الميدانيين، وكذا الجماعات المتعددة التي أعلنت عن ولائها من نيجيريا إلى أفغانستان.
ونقلت عن مسؤول دفاعي قوله «سنحتاج لوقت كي نربط كل شيء مع بعضه البعض». ويقول التقرير إن السرية التي يمارسها تنظيم الدولة الإسلامية أدى إلى خلافات بين المحللين الأمريكيين والبريطانيين حول الصلاحيات التي يتمتع بها البغدادي ودرجة سيطرته على التنظيم. فبحسب مسؤول كردي ومسؤولين أمريكيين فالبغدادي هو في هرم القيادة ويدير التنظيم ويصدر الأوامر والبيانات لكل القادة في أنحاء «الخلافة».
ويقول مسؤول أمريكي بارز إن قادة آخرين يشتركون في اتخاذ القرارات، لكن البغدادي يؤكد سلطته عبر البيانات التي يصدرها والاجتماعات التي يعقدها مع القادة. لكن محللين آخرين يرون أن «مصداقية البغدادي الدينية هي أهم من قدراته العملياتية».
ويعلق مايكل هينمان من مركز «أي أتش أس جينز للإرهاب والتمرد» فالبغدادي هو في النهاية شخصية دينية يعطي شكلا من الشرعية الدينية والاحترام لعمليات التنظيم.
25 عاما
ويتميز التنظيم بسيطرته على تدفق المعلومات فهو يقرر ما يجب ولا يجب نشره. ولهذا يجد المسؤولون الأمريكيون صعوبة في فحص نجاعة الغارات الجوية.
فالسرية التي يدير من خلالها التنظيم تجعل من المستحيل معرفة من قتل من قادة التنظيم ومن لا يزال حيا.
هذه السرية وطريقة إدارة عمليات التنظيم وبنية الإعلام المركزية فيه تضع عقبات أمام الحملة الدولية للتخلص منه. فقد تكهن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أن التخلص من تنظيم الدولة قد يحتاج إلى خمسة أعوام. لكن قائد الجيش الأمريكي ري أودرينيو تحدث الأسبوع الماضي عن مدة 20 عاما للتغلب عليه ومحوه. وقدم أودرينيو الذي سيتقاعد من منصبه تقييما متشائما وقال «هزيمتهم ليست مسألة عسكرية»، «بل مسألة اقتصادية ودبلوماسية. إنها مسألة معتدلين في مواجهة متطرفين، وهي بشكل محتمل توفر الإمكانيات لقلع جذورهم من المناطق التي يسيطرون عليها في العراق وسوريا» وربط الجنرال تعليقاته حول مصير التنظيم بخطط الحكومة الأمريكية تخفيض الميزانية الدفاعية مقترحا أن الجيش الأمريكي لن يكون قادرا على فعل كل شيء حالة استمر القطع في الميزانية.
واتفق الجنرال مع رئيسه أوباما بنقطة واحدة وهي أن المعركة ضد تنظيم الدولة يجب أن تظل محلية وأن من يستطيعون القدرة على هزيمة الجهاديين هم القوى المحلية المدعومة من الولايات المتحدة وحلفائها «أعتقد أن شعوب الشرق الأوسط يجب أن تحل هذه المشكلة» و»يجب أن نساعدهم لحلها».
ولا يزال المسؤولون الغربيون متفائلين حول قدرة الغارات الجوية على هزيمة التنظيم مع أن 5.000 غارة جوية أمريكية لم تؤد إلى وقف تقدم الجهاديين في سوريا والعراق.
بل توسع الجهاديون في العراق وسوريا، كما أنهم شنوا هجماتهم في مناطق أبعد من وجودهم الطبيعي، في تونس وليبيا ومصر واليمن.
مواجهة مع تركيا
وفتح التنظيم يوم الاثنين النار على تركيا التي تجنب خلال العامين الماضيين المواجهة معها. ويشير تفجير بلدة سروج القريبة من عين العرب/كوباني والذي يعتقد أن فتاة عمرها 18 عاما نفذته لتغير في حسابات التنظيم.
ويرى فيه البعض محاولة للانتقام من خسائره الأخيرة في سوريا بعد مواجهته مع المقاتلين الأكراد الذين يلقون دعما من التحالف الدولي. فقد أدت المواجهات لخسارة التنظيم لعدد من المواقع الإاستراتيجية التي تربط عاصمة «الخلافة» الرقة بالحدود التركية ولم يبق لديه إلا معابر ضيقة مهددة بالسقوط في أي وقت. وجاء التفجير أيضا بعد طلب وزير الدفاع الأمريكي أشتون كارتر من الحكومة التركية زيادة ضغوطها على التنظيم الجهادي وإغلاق المعابر التي يستخدمها الجهاديون لتهريب المقاتلين والسلاح.
فمنذ سيطرته على مدينة الرقة وتوسعه في العراق وسوريا عبر عشرات الآلاف من المقاتلين الحدود التركية الطويلة مع سوريا. واستخدم التنظيم المعابر من وإلى تركيا لتهريب النفط والبضائع ونقل السلاح.
وشددت الحكومة التركية في الآونة الأخيرة من إجراءاتها على الحدود وتبنت سياسة «أطلق النار واقتل» على من يضبط وهو يحاول العبور إلى سوريا مما جعل الحياة صعبة على المهربين.
واستهدفت الحكومة التركية خلايا الدعم والمواقع على الإنترنت الناطقة بالتركية والمؤيدة للتنظيم. ويخشى من قيام التنظيم بعد عملية سروج تفعيل خلاياه النائمة ويستهدف السياحة التركية.
ويهدد تفجير يوم الاثنين بزيادة التوتر بين الحكومة التركية والأقلية الكردية البالغ عددها 15 مليون نسمة، خاصة أن الكثير من قادتها يتهمون الرئيس رجب طيب أردوغان بتقديم الدعم السري لتنظيم الدولة.
ويشيرون لرفضه السماح بوصول الدعم لقوات الحماية الشعبية، الجناح العسكري التابع لحزب الإتحاد الكردستاني السوري والذي واجه تنظيم الدولة في بلدة عين العرب/كوباني أثناء حصارها العام الماضي.
وتواجه الحكومة التركية اليوم تغيرا في حسابات تنظيم طالما ما اتهمتها المعارضة التركية بالتعاون مع ودعمه والسماح لمؤيديه بعبور الأراضي التركية بحرية.
ويعتبر تفجير سروج الأكبر في تركيا منذ تفجير سيارتين مفخختين في بلدة الريحانية القريبة من الحدود السورية والتي قتل فيها 51 شخصا في أيار/مايو 2013 .
واتهمت السلطات التركية في حينه المخابرات السورية بتنفيذ العملية. وتتساوق العملية الأخيرة في تركيا مع عمليات التنظيم التي ينفذها أو متعاطفون معه في مناطق مختلفة سواء في سيناء أو تونس وليبيا وفي أفغانستان.
ما يعني ان هزيمته في المناطق التي يسيطر عليها سواء في العراق وسوريا لا تكفي للحد من خطره. ونظرا للتهديدات التي يمثلها التنظيم، خاصة بعد عملية سوسة في تونس الشهر الماضي، رفعت بريطانيا من درجة خطابها الصدامي مع التنظيم مع تأكيدات لرئيس الوزراء للقيام بعمليات عسكرية في سوريا والعراق وتعهدات بمواجهة مخاطره التنظيم على الشباب البريطاني المسلم.
خطط كاميرون
ويدور جدل في بريطانيا حول خطط رئيس الوزراء البريطاني مواجهة التطرف في داخل بلاده وبالضرورة في سوريا والعراق.
ففي خطاب ألقاه يوم الاثنين في مدينة بيرمنغهام التي تعيش فيها جالية مسلمة كبيرة، تحدث عن خطته لمكافحة التطرف ومنع الشبان المسلمين المولودين في بريطانيا من السفر والانضمام إلى الجهاديين في سوريا والعراق.
وأكد كاميرون في خطابه على القيم البريطانية العامة مشيرا أن بعض المسلمين في بريطانيا «صلتهم ضعيفة» بالمجتمع.
ودعا إلى أهمية كشف حقيقة تنظيم الدولة الوحشي. وركز كاميرون على أربع قضايا في استراتيجيته لمكافحة التطرف وهي: التصدي لأيديولوجية التطرف المغلق، وعملية الوقوع في حبائله وخفوت أصوات المسلمين وما يراه «أزمة الهوية» بين مسلمي بريطانيا.
وأشار إلى استراتيجيته التي تتضمن إعطاء الصلاحية للآباء بسحب جوازات سفر أبنائهم إن شكوا بخططهم السفر الخارج والانضمام للجماعات الجهادية.
ومنح مؤسسة مراقبة القنوات الإعلامية السلطة لمنع القنوات التلفازية من بث بيانات المتطرفين وتشجيع الاندماج في المدارس ومراقبة السجون ومنع انتشار التطرف فيها، وكذا مراقبة الإنترنت.
ودعا إلى تأسيس منبر للتواصل وإعداد دراسة حول انتشار التطرف وتعزيز القيم البريطانية. ودراسة تحسين التشريعات لمنع الزواج القسري وحماية ضحاياه. ولقي خطاب كاميرون ترحيبا من عدد من التعليقات، لكن صحيفة «الغارديان» انتقدت رؤيته التفصيلية ورأت أنه كان على كاميرون تشجيع المسلمين وحمايتهم بعيدا عن عناوين الأخبار البراقة.
واتفقت في افتتاحيتها مع الرؤية المركزية للخطاب، لكنها ترى أن هناك حاجة ملحة لمواجهة التطرف ولكن بطريقة هادئة ودؤوبة ومحلية.
وأشارت إلى التقاء مصالح طبيعية بين الدولة البريطانية والمجتمعات البريطانية المسلمة والمجتمع البريطاني الأوسع من أجل منع التطرف وانتشاره بين الشباب المسلم، إلا أن دينامية الوضع تعني أن كل شيء تقوله الحكومة قد يؤدي لتدهور الوضع ما سيخفي وراءه القواسم الحقيقية المشتركة.
وتنتقد الصحيفة الجانب البلاغي أو الخطابي في كلمة كاميرون حيث تدعو للتحرك بحساسية، خاصة أن المسلمين يشعرون بقلق عندما يتم ربط اسمهم بالإرهاب وهو ما يزيد من حالة عدم الأمان لديهم.
وتعتقد «الغارديان» أن الحد من تدفق الجهاديين ومنعهم من السفر هي جهد يجب أن يقوم على العائلات والمجتمعات التي يجب أن تلعب دورا فيه.
ومن هنا فالحديث مع المسلمين بغطرسة لن يساعد. ولاحظت الصحيفة تناقضا في حديث كاميرون عن حرية التعبير كقيمة بريطانية أساسية ومحاولاته منح «اوفوكوم»(مؤسسة الرقابة على الإعلام) دورا أكبر لمنع القنوات التلفازية من بث رسائل دعاة الكراهية والتطرف.
وتقول إن أهم مظهر من مظاهر ضعف خطاب كاميرون هو حديثه عن دور المتطرفين في تقسيم المسلمين لأخيار وأشرار مع ان الحكومة بتمييزها بين من هم معتدلون يحتاجون للدعم والتشجيع والحماية ومتطرفون تمارس الدور نفسه. وتعترف الصحيفة رغم هذا أن بريطانيا تخوض حربا أيديولوجية بل معركة روحية مع جهادية عنف: معركة للأفكار والقيم والتي يجب أن تخاض إبداعيا مثلما ستشن على مستوى السياسة والقوة العسكرية».
ومواجهتها تعني فهم رواية العنف نفسه القائم على تمجيد العنف الذي يخلق في خيال الشباب صورة عن أسد يقاتل قوى الظلم.
وهو ما يقوم تنظيم الدولة الإسلامية بنشره وبث تفاصيله الدقيقة. ولا تتم مكافحة هذه الرواية إلا من خلال مدخل واقعي. أما الرواية الثانية لتبرير العنف الجهادي فتقوم على الأيديولوجيا.
وهذه مرتبطة بالسياسة الغربية الشريرة وتأثير إسرائيل واليهود خاصة. فالعنف البشع لتنظيم الدولة الإسلامية يتم تمثيله في داخل رؤية تظهر أنه عادل حتى عندما تكون طرقه مروعة.
وهذه الرؤية تجب محاربتها وكاميرون محق في محاولة مواجهتها كما تقول الصحيفة. وألمح رئيس الوزراء أنه يريد من الطيران البريطاني الانضمام للحملة الدولية الجوية ضد تنظيم الدولة ورفع وتيرة عملياته.
ويقول كاميرون إن على بريطانيا أكثر من مجرد تقديم الدعم اللوجستي للهجمات الأمريكية وقال لصحافيي «أن بي سي»: «يجب علينا تدمير هذه الخلافة سواء كانت في العراق أو في سوريا».
ويقوم الطيران العسكري البريطاني بطلعات يومية ضد أهداف لتنظيم الدولة في العراق على مدى العام الماضي، ولكن في سوريا يقتصر فعل الطيران البريطاني على تقديم الدعم للطيران الأمريكي عن طريق التجسس وإعادة تزويد الطائرات بالوقود في الجو.
qal
إبراهيم درويش