في مؤتمر صحافي أعلن وزير التربية والتعليم، صاحب الرؤيا نفتالي بينيت، أن جهاز التربية والتعليم سيهتم بشكل خاص في السنوات القادمة بتعليم اللغة الانجليزية. «لا يمكن النجاح بدون اللغة الانجليزية في عالم اليوم». وقد تذكرت أن هذا ما قالته لي أمي بالضبط، والتي لم تكن خريجة للوحدات الخاصة ولم تعمل في الهاي تيك مثل سعادة الوزير، بل كانت مجرد عاملة موسمية في بيت للتغليف قبل ستين سنة.
نعم، ستين سنة وأكثر، هذا هو التخلف الذي يعيشه جهاز التعليم في إسرائيل ومن يرأسه. لا يمكن تعلم الانجليزية في المدرسة، بل يتم تعلمها في الحياة، في التلفاز وفي الانترنت. التفكير مثل بينيت بأن زيادة تعلم «الانجليزية العملية» (وما هذا في الأصل؟، أن تعرف كيف تسأل أين الحمامات، أو الاجابة على كم غيغا توجد لديك؟). أن تزيد معرفة الانجليزية لدى الشباب، هذا يشبه التفكير في أن دروس ركوب الخيل ستضائل عدد المصابين في حوادث الطرق.
إذا تعلم طلاب إسرائيل كما يريد الوزير لغة انجليزية عملية أكثر وشكسبير أقل، فهم لن يعرفوا الانجليزية أكثر، لكنهم سيعرفون شكسبير أقل. ليس صحيحا رأي وزير التعليم بينيت ووزيرة الثقافة ريغف، ان شكسبير وتشيخوف ليسا مهمين، لأنه كما قال اسحق نيوتن «اذا نجحت في أن ترى أبعد قليلا، فهذا لأنك وقفت على أكتاف ضخمة». وهو لم يقصد الحاخام يغئال ليفنشتاين أو المطرب ايال غولان.
أن تقرأ وتسمع وتشاهد الأدب والشعر والرسم والسينما والتلفاز في المدرسة، أن تفهمها وتنفعل وتشعر بها، أن تحلل لغز سحرها، كل ذلك أهم كثيرا من تعلم ست وحدات في الرياضيات أو المزيد من دروس الانجليزية العملية. لأن المعرفة لم تعد موجودة لدى المعلمين وكتب التعليم. لذلك فإن جهاز التعليم في القرن الواحد والعشرين لا يجب أن يعلم ما يمكن تعلمه بدونه، بل يرشد ويوجه الطلاب من اجل فهم وتحليل المعرفة المعقدة والكبيرة التي توجد لدى كل طفل في الهاتف المحمول.
لكن جهاز التعليم هنا يتصرف وكأننا ما زلنا في ذروة الثورة الصناعية. وكأن الانترنت لم يأت إلى العالم. وكأن للمعلمين دورا في نقل المعرفة للطلاب. وما زال جهاز التعليم يضع الطلاب في الصفوف حسب اعمارهم في مقابل معلمين لديهم معرفة محدودة، وليس حسب قدراتهم أو مجالات اهتمامهم، أمام حواسيب مملوءة بالمعرفة غير المحدودة.
المعرفة لم تعد موجودة في جهاز التعليم، بل خارجه. لهذا فإن مهمة جهاز التعليم ليست نقل المعرفة إلى الطلاب، بل مساعدتهم على ايجاد وفهم المعرفة التي تهمهم وتضعهم أمام التحديات وتعمل على تطويرهم وتطويرنا ايضا.
جهاز التربية والتعليم في إسرائيل، برئاسة الوزير بينيت، ليس فقط أنه غير منفتح على الواقع الحالي، بل هو يأخذنا إلى الوراء، إلى الانغلاق أكثر فأكثر، وراء بوابة المعايير اليهودية الإسرائيلية والعسكرية، من اجل تخريج اشخاص لا يعرفون أي شيء عن اللغة العربية أو الدين الإسلامي أو الثقافة الإسلامية التي نجلس في داخلها، ولا الثقافة الغربية المسيحية ايضا (شكسبير، تشيخوف، ترانتينو) التي نعيشها. ولا باللغة ولا بالثقافة (أو الاقتصاد) الصينية التي تسيطر على ممتلكاتنا. ولا بأقوال الحاخامات ووحدة هيئة الاركان الخاصة.
لكن مثلما قال الحاخامات ورئيس الاركان «لماذا، من أنت في الأصل؟».
هآرتس 1/9/2016