عمان ـ «القدس العربي»من :مُنحت جائزة الدولة التقديرية في حقل الآداب في مجال الرواية لعام 2014 بالتساوي بين الكتّاب جمال ناجي، سميحة خريس وليلى الأطرش، وذلك في حفل أقامته وزارة الثقافة في العاصمة الأردنية عمان.
التقت «القدس العربي» الكتّاب الحاصلين عليها، وكان هذا الحوار حول ماذا تضيف هذه الجوائز الرسمية للكاتب، تقول ليلى الأطرش: «الجوائز التقديرية معنوية، أي أنها تبقى شكرا واعترافا من لجنة الجائزة والدولة ممثلة في وزارة الثقافة على مجمل الإنجاز الأدبي أو أي حقل تمنح فيه. فلا يتم التنافس على الجائزة التقديرية، ولا يعلم الكاتب بحصوله عليها حتى ينالها، فالترشيح يتم من خلال لجنة وربما جهة لا تعرفها ـ وهذه هي القيمة، أن هناك من التفت وقدر ما قدمت. ومثل أي تكريم آخر، تمنحك الإحساس بأنك لم تكن صوتا صارخا في البرية، ربما كان تأثير الجائزة التشجيعية التي تمنح للشباب أكبر على من ينالها ـ لأنها تمنح عن عمل واحد وفي بداية المشوار، وبالتالي يمكن التأثير على مستقبل الفائز الأدبي أو العلمي وتدفعه إلى عطاء مميز قادم».
فيما يرى الكاتب جمال ناجي أن هذه الجائزة على وجه التحديد تحمل قيمة استثنائية بالنسبة له، لأنها بمثابة تكريم من الدولة الأردنية وليس من مؤسسة أو منظمة أو أفراد، أي أن لها إيقاعا مختلفا عن باقي الجوائز التي حصل عليها. ويضيف: «أما على المستوى الإبداعي، لا أعتقد أن الجائزة تضيف أو أن لها تأثيرا على الإبداع الذي يقدمه الكاتب، بل تبقى عملية تقديرية لتحسين الحالة النفسية للكاتب، لكن العملية الإبداعية في غاية التعقيد ولا تتأثر بالجوائز وغير ذلك على الرغم من أهمية الجوائز».
بينما لا تتعامل الكاتبة سميحة خريس مع الجوائز الرسمية وغير الرسمية على اعتبار أنها إضافة أو مجد يناله الكاتب، هي مجرد تعبير عن التقدير لإنجاز الكاتب واعتراف بما قدمه، وهي بما تسلط عليه من ضوء إعلامي تحمله مسؤولية أكبر، كما أنها تجعله يقف في مفترق طرق يتحسس فيه دربه.
على غير العادة …. مناصفة بين ثلاثة كتّاب
واللافت في جائزة هذا العام انها جاءت مناصفة بين ثلاثة كتاب، فيما اعتدنا أن تكون بين كاتبين او لكاتب واحد، حول هذا تبين الأطرش: «ربما كان لسبب مادي، أو خوفا من إلغاء الجوائز نظرا للظروف الاقتصادية في وزارة الثقافة، حيث تردد الحديث عن مثل هذا في الوسط الثقافي، وكان سيكون خطأ فادحا لو تم. فتكريم أي منجز يجب أن يكون في بلده أولا وليس العكس ومنجز كل من الفائزين يستحق الجائزة وحده؟ لكنه تكريم من الدولة أقبله مهما كان شكله وقيمته، لأنني لم أسع إليه ولم أتنافس عليه».
ومن جهته يفضل ناجي من حيث المبدأ ان تكون لشخص واحد بصرف النظر عمن هو هذا المبدع ولكن توزيعها بالطريقة التي تمت لديه دربة في هذا الموضوع، موضحا: «في عام 1989 تم توزيع جوائز الدولة التقديرية على ثلاثة كتاب، مؤنس الرزاز وفخري قعوار وأنا، وأشعر وكأنما مسألة التقسيم أشبه بتقليد في وزارة الثقافة أو لدى اللجان المعنية. فمزاج أعضاء اللجان عادة ما تحكم النتائج التي يتوصلون إليها وذلك أيضا في كثير من الجوائز العربية التي ترشحت لها والقوائم الذي وصلت إليها كان مزاج اللجنة وميولها الأدبية هو الحكم.
واضاف: «لا أملك إلا أن أقول إني كنت أفضل أن تكون لمبدع واحد وإن سئلت إن كنت استحقها أو لا، إجابتي وردت في الفيسبوك حيث سألتني منيرة شريف وهي كاتبة أردنية مقيمه في أمريكا «كنت أظن أنك حصلت على جائزة الدولة التقديرية من زمن طويل» وأجبتها وأنا مثلك كنت اعتقد أني حصلت عليها من زمن طويل».
ومن جانبها أوضحت خريس أن الجائزة التقديرية مكونة من شقين، مادي ومعنوي، يتم تقاسم الجزء المادي، أما المعنوي فهذا محفوظ لا ينقصه أن ينال الجائزة اسم آخر أو أكثر، وحين تكون الأسماء على سوية جيدة لا غضاضة في الأمر، إلا من ناحية ما قد يعلق في أذهان الناس بأن أحداً ممن نالوا الجائزة لا يستحقها منفرداً، أو من ناحية ما قد ينعكس في الحكم على لجنة الاختيار ، فقد يظن أن هناك اختلافا ما جرى حله بإعطاء الجائزة بصورة جماعية، وعلى أي حال هذه ليست مشكلة المبدع، بالنسبة لي حين نلت جائزة الدولة التقديرية لم أشعر بغضاضة لأني أساساً أحترم تلك الجائزة.
المشهد الثقافي الأردني عاجز عن التغيير
والمتتبع للمشهد الثقافي الأردني عام 2014 يشهد تراجعا كبيرا بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها الوطن العربي من مآس وحروب وإرهاب، وهنا وجهت «القدس العربي» سؤالا «ألم يحن الوقت لتكون الثقافة جزءا فاعلا من هذه الاحداث ومؤثرا فيها»، تجيب الأطرش:» تراجع المشهد الثقافي العربي برمته في السنوات الأخيرة وليس في الأردن وحده. فحركات التنوير العربية والفكر الليبرالي فشلا في مجابهة موجة الانغلاق الفكري والتطرف الديني التي اكتسحت المنطقة، معززة بغزو الفضائيات الدينية المتطرفة، وتشابك أصحابها مع القاعدة الشعبية الواسعة من خلال برامج اجتماعية ومساعدات وخدمات قصّرت عنها الدول، والفكر الليبرالي ومنظماته الذي افتقد دائما إلى قدرته على تجسير الفجوة بينه وبين القاعدة الشعبية والفئات المهمشة في غياب قدرته على تقديم برامج خدمات ومساعدات، ومع انتشار الجهل والفقر والأمية ومآسي الحروب والصراعات في أنحاء الوطن العربي نتيجة التدخل العالمي، لم تعد القضية طائفية أو عرقية عربية، بل تصارع ابناء الدين الواحد وساد فكر تكفيري تبنته مليشيات مسلحة.
وتضيف:» للأسف نحتاج سنوات من التنوير، وتغيير الخطاب الديني والمعرفي لمجابهة هذا، مما يتطلب تكاتف جهود جميع المؤسسات الثقافية والإعلامية وتغيير خطابها، وتطوير التعليم ومناهجه في جميع مستوياته، وكذلك التشريع والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، خاصة النسائية والحقوقية منها وتشابكها مع محيطها لصد هذه الهجمة الشرسة للتعصب ورفض كل آخر… ليس الأمر بتلك البساطة، لكنها قضية وجود».
فيما يسترجع ناجي قضية الصراع الثقافي والسياسي التي أشعلت حروبا ثقافيه منذ السبعينات حتى يومنا هذا، مبينا أن الثقافي العربي ما زال يصر على أنه الربان الوحيد والمتفرد بقيادة السفينة ولا يريد أي شركاء معه، بل أنه لا يريد من يستشيره في ذلك. مضيفا :»في تقديري أن السبب الرئيسي في هذا الفوضى وفشل العمليات الإصلاحية والتنموية والتطورية في العالم العربي هو الثقافي القاهر والمقهور لأن أي عملية إصلاحية بنائية لا يمكنها أن تنجح إلا إذا قامت على بناءات ثقافية قادرة على حملها واستمرارها، بغير ذلك تبقى الساحة رهينة العقل العربي القاسي».
هنالك ندوات ونشاطات ذات الفعالية المحدودة. أما المشاريع الثقافية الكبرى التي يتطلبها المجتمع غابت عن المشهد الثقافي الأردني، وما تم تحقيقه من إنجازات على المستوى الثقافي فقد تم التخلي عنه مثل مشروع التفرغ الإبداعي، تقليص مشروع مكتبه الأسرة تجاهل المشاريع الثقافية التي قدمت إلى وزاره الثقافة، وأنا هنا لا ألقي اللائمة عليهم بل على من يضعون الموازنة العامة للدولة، حيث يميلون عن الثقافة لتسديد بعض الثغرات، مع أنه كل ما هو مخصص للثقافة 7 ملايين يكاد يكفي رواتب موظفين وإيجارات مقراتها ومديراتها واحتياجاتها الأخرى. ففي دراسة توصلنا لها قبل سنوات 80% من مخصصات وزارة الثقافة في ميزانية الدولة تذهب للمستلزمات الوظيفية في ما يبقى 20% لدعم الثقافة، ثم بعد ذلك يطالب المثقف بأن يقوم بدوره على أكمل وجه وكأنما يراد له أن يقوم بذلك من جيبه الخاص. ومن جهة أخرى تخلت أمانه عمان الكبرى عن دعم الحركة الثقافية وكأنما الثقافة في الأردن مسؤولة عن أزمات الأمانة المالية». فيما رفضت خريس أن تكون المآسي التي يعيشها الوطن العربي سبباً في تراجع المشهد الثقافي، والسبب برأيها» حصيلة سنوات طويلة لا علاقة لما يسمى بالربيع العربي به، ولكنني أزعم أن التراجع كان سبباً في فشل ثورات الربيع العربي، فعندما تنكفئ الثقافة على مشاكلها الخاصة ويتوارى الفكر وينعدم تأثيره، يصبح المجتمع في مهب احتمالات سياسية واقتصادية يشوبها كثير من الفوضى ويتسيد فيها الجهل، وتنفتح فيها ثغرات كثيرة ينفذ منها أصحاب المآرب الخاصة كما ينفذ منها العدو وكل من يطمع بأوطاننا».
لقد تراجعت الثقافة تحديداً في الأردن بعد غياب دور المؤسسات الثقافية ونقص الدعم وعدم وضوح الرؤية – بحسب خريس- حتى بات المبدعون والمثقفون ينجزون على الصعيد الفردي فقط، وهذا ما يجعلني أعتقد بأن لا اشارات تفيد بأنهم سيستعيدون دورهم قريباً ليتمكنوا من أن يكونوا فاعلين، خاصة أن الاحداث شرذمتهم وجعلتهم أكثر اختلافاً.
واختتمت حديثها: «وإذا سألتم عن الوقت الذي يتوجب فيه أن تكون الثقافة فاعلة، فإني أعتقد أن ذلك لازم وضروري في كل زمان، في الماضي واليوم وغداً، ولكن الواقع يقول إن هذه مجرد أمنيات يجعل الواقع تحقيقها مستحيلاً، الحياة تحتاج إلى ثورة فكرية وقفزة عالية ليتغير هذا الشأن».
آية الخوالدة