دمشق – «القدس العربي» : جاءت تصريحات «أبو محمد الجولاني» قائد أبرز تنظيم «جهادي» في مدينة إدلب ومحيطها (هيئة تحرير الشام) التي تشكل جبهة النصرة عمودها الفقري، إزاء الخيارات السياسية المطروحة في المنطقة، رافضة لدعوات أنقرة، التي تفضي إلى إيجاد صيغة معينة تضع يد تركيا على سلاح التنظيمات «القاعدية» وتؤثر على قرارها وفق خطة روسية – تركية، ترسخ نفوذ الأخيرة، وتجنب إدلب «الخزان البشري» المعارض، ويلات حرب وحشية.
هذا ما برز في تصريحات عبر تسجيل مصور، أمس الثلاثاء، أكد خلاله الجولاني أن «الهيئة» لن تساوم على سلاحها، على اعتبار أنه خط أحمر لن يوضع على طاولة المفاوضات، لافتاً إلى حجب ثقته عن النقاط التركية العسكرية في مواجهة قوات النظام، كما أشار إلى أن «الهيئة» وضعت خطة لمواجهة قوات النظام التي تريد تكرار سيناريو جنوب سوريا في إدلب عبر «المصالحات و»التسويات»، وهو ما فسره البعض على انه خطوة باتجاه تدمير إدلب، مع إمكانية عقد صفقة روسية – تركية تحدد شكل ومصير إدلب ومحيطها وفق رؤية تعيد المنطقة لسطوة النظام السوري.
وأوضح «الجولاني»، أن «الهيئة» وضعت التجهيزات اللازمة لخطة دفاعية مناسبة لمواجهة أي خطر من قبل قوات النظام، داعياً باقي الفصائل للعمل المشترك بهدف الدفاع عن المنطقة، وفيما يخص نقاط المراقبة التركية قال، «لا يمكن الاعتماد على تلك النقاط كونها مرتبطة بالمواقف السياسية لتلك الدول والتي من الممكن أن تتغير في أي لحظة».
سيناريو روسي
وبينما تقتضي المصالح الروسية في الشمال السوري وضع كل جهدها العسكري والدبلوماسي من أجل السيطرة عليه على شاكلة نموذج الجنوب، إلا أن استجابة تركيا للرغبة والمصالح الروسية أمر نسبي، ومع هذا لم ينف مراقبون احتمال ميلها باتجاه السيناريو الروسي مقابل صفقة أوسع بين الطرفين.
وأمام هذه المعطيات رأى الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي أنه لا شك بوجود تمسك تركي بالإبقاء على حدود منطقة خفض التصعيد الرابعة وانتشار نقاط المراقبة التركية لأسباب تتعلق بالأمن القومي التركي من حيث تأمين العمق الأمني لمناطق درع الفرات وعفرين، وضمان أمن الحدود بمراقبتها وإقامة منطقة جغرافية مستقرة. لكن رغم ذلك قد تحصل صفقة على نطاق واسع بين موسكو وأنقرة قد تشمل استجابة نسبية لهذه الأخيرة لشكل ومصير محافظة إدلب ومحيطها وفقاً للرؤية الروسية المتمثلة بفصل فصائل المعارضة السورية عن هيئة تحرير الشام وإخضاع المنطقة لسلطة النظام السوري.
ولفت إلى أن ذلك ممكن ان يجري شريطة أن تبقى الفصائل هي الحاكم المحلي بضمانة من تركيا مقابل دفع هيئة تحرير الشام والفصائل الرافضة نحو محيط منبج وتقديم وعود لها بالتوجه نحو شرق الفرات.
وبهذا قد تحاول روسيا احتواء مصالح تركيا من خلال إعادة تفعيل اتفاق أضنة أو إعادة صياغته بما يشمل الإبقاء على مسافة بين 15 و20 كم في عمق الحدود بضمانة تركيا وبناء عليه تنسحب نقاط المراقبة وتنتشر وفقاً لهذا الترتيب. وربما تشمل الصفقة إنهاء الترتيبات المتعلقة بصواريخ «إس 400» والتعاون الأمني والاستخباراتي على مستوى البلدين وتحديد الشكل النهائي للملف السوري ومسار أستانة، ونوه المتحدث إلى أن تركيا قد لا تستجيب بالضرورة لهذا السيناريو لأنه قد يعني تعميق الخلاف مع واشنطن لأبعد الحدود.
واستبعد المتحدث وجود اتفاق روسي – تركي لاحتواء جبهة النصرة وحل ملفها عبر إضعاف جناح على حساب جناح آخر. بل رأى أن روسيا تنظر لملف «النصرة» كسلة واحدة يجب إنهاء وجودها في إدلب وفي حال كان هناك اتفاق رجح المحلل الدفع باتجاه نقل الهيئة نحو مناطق «قسد» من أجل خلط الأوراق مع الولايات المتحدة وربما تستثمر موسكو التوتر المتصاعد للعلاقات بين أنقرة وواشنطن.
«تركيا أهم لروسيا»
كما ذهب الخبير في العلاقات الدولية محمد العطار إلى أنه من المؤكد ان موسكو تعطي الفرصة لأنقرة لمعالجة ملف إدلب والفصائل الجهادية فيها، حيث تشير المعطيات إلى وجود نية علنية لدى موسكو في تحييد منطقة نفوذ تركيا عن الصدام العسكري في اطار الرضى التركي، عازياً السبب إلى كون العلاقة مع تركيا هي أهم من إدلب بالنسبة لموسكو، لافتاً إلى خطة عسكرية قد تطمح روسيا في تنفيذها على المدى البعيد وهي «دفع كل الفصائل القاعدية ونقل عناصرها إلى منطقة النفوذ الامريكي لمصارعة وجوده هناك، حيث رجح العطار لـ»القدس العربي» نقلهم شرقاً باتجاه سكة الحديد التي تعتبر خط فصل بين قوات «قسد» وقوى الثورة السورية، واشعال حرب مستمرة بين تلك الفصائل من جهة وقوات «قسد» من جهة اخرى، وهو ما يشكل صهراً للقوى المستهدفة في بوتقة واحدة». واستطرد بالقول «ولا يمكن لجبهة النصرة ان تتخذ خطوة كهذه، لانها قد تصبح هدفاً مستباحاً لجميع الأطراف المحيطة وهي «قسد والامريكي والروسي والتركي».
ومن الواضح أن الروس أعطوا الأتراك الكثير من الوقت للتعامل مع ما يجري داخل منطقة خفض التصعيد الوحيدة المتبقية اليوم في ادلب من انتشار لمجموعات مصنفة ضمن قوائم الإرهاب الدولي فيها، والكرة في رأي الباحث في العلاقات التركية – الروسية د.باسل الحاج جاسم لم تزل حتى اليوم في الملعب التركي، إلا أن الواضح كذلك أن انقرة لا تريد الدخول في صدام مباشر مع تلك المجموعات على الرغم من انها ايضاً تقع ضمن التصنيف التركي كذلك بأنها إرهابية.
وأوضح لـ «القدس العربي» ان الوضع في إدلب اليوم مع انتشار المنظمات المصنفة على قوائم الإرهاب لا يرضي تركيا، لكن ما تخشاه هو وقوع كارثة إنسانية هناك، بذريعة وجود تلك المنظمات، خصوصاً بعد حشر كل أصناف المعارضة فيها، بالإضافة إلى كل الرافضين أي تسوياتٍ وتهجيرهم إلى إدلب من باقي المناطق والمدن السورية. وبالتأكيد العواصم الأوروبية الفاعلة أقرب إلى تسوية بإشراف تركي، حتى لا تشهد المنطقة موجة نزوحٍ جديدة، على غرار ما حصل في العام 2015، إلا أن هناك صعوبة كبيرة أمام المهمة التركية، وخصوصاً في ما يتعلق بمصير عناصر هيئة تحرير الشام الأجانب، مؤكداً ان التفاهمات التركية – الروسية في افضل أحوالها، وقد تجاوزت كثيراً الملف السوري وتعقيداته.