الجيش الإسرائيلي: الساحة الفلسطينية مرشحة للاشتعال

حجم الخط
0

الوثيقة الحديثة لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي التي نشرت في الجيش قبل نحو شهرين تصف الساحة الفلسطينية بأنها الساحة الأكثر احتمالا للاشتعال من ناحية إسرائيل. مع ذلك، في مدرج التهديدات التي يستعد الجيش لمواجهتها فإن الاحتمال في الساحة الفلسطينية مطروح في الوثيقة الجديدة باعتباره التهديد الثاني في أهميته. ويسبقه في نظر القيادة العامة التهديد القادم من المحور الشيعي الذي تنشئه إيران، والذي في السنتين الأخيرتين أصبح يضم سورية وحزب الله في لبنان. والتهديد الثالث في أهميته ينبع حسب الجيش الإسرائيلي من التنظيمات الجهادية العالمية، منظمات سنية إرهابية متطرفة وعلى رأسها القاعدة وداعش.
في صيف 2015 بعد نحو نصف سنة على توليه منصبه، استكمل رئيس الأركان غادي آيزنكوت خطوة استثنائية هي صياغة الوثيقة الاستراتيجية، حيث أن صيغتها غير السرية تم نشرها في حينه علنا. الوثيقة أثارت في حينه نقاشا كبيرا نسبيا في أوساط باحثين وخبراء، في الأساس لأن رئيس الأركان تجرأ على الدخول إلى مناطق حساسة مثل النظرية الأمنية وأهداف الجيش الإسرائيلي من القتال، الذي تملص المستوى السياسي من الانشغال بها. وعندما صدرت الوثيقة قرر آيزنكوت أنه ستكون حاجة لفحصها وتحديثها وفقا للتطورات الأمنية. في تشرين الأول الماضي تم استكمال صيغة محدثة لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي التي لم يتم نشرها علنا في هذه المرة. والتي أسسها تنشر هنا للمرة الأولى.
من بين التحديثات التي تشملها الوثيقة تقسيم المنطقة إلى «تجمعات مواجهة» (التهديدات على إسرائيل) أمام «تجمعات تعاون» (دول صديقة أو الدول التي يمكن أن نقيم معها نوعا معينا من التنسيق) وتأكيد الأهمية المتزايدة «المعركة بين حربين» التي تديرها إسرائيل ضد تعاظم قوة التنظيمات الإرهابية وتحليل صورة استخدام القوة العسكرية كدمج بين مقاربة الحسم في الحرب ومقاربة المنع والتأثير. آيزنكوت أكد أن الاختبار الأكبر للجيش الإسرائيلي هو في الاستراتيجية وإعداد الجيش للتحديات واستخدامه في حالات مختلفة. «الهدف هو الدفاع والانتصار»، كتب رئيس الأركان في مقدمة الوثيقة الجديدة، التي نشرت نسخ منها في الجيش وأرسلت إلى أعضاء الكابنت بعد تقديمها لوزير الدفاع افيغدور ليبرمان.
الصيغة الجديدة تتوقف عند التعاون بين إسرائيل ودول محافظة في المنطقة ودول عظمى، على رأسها الولايات المتحدة وهي تؤكد أن نشاط الجيش الإسرائيلي يستهدف الاسهام أيضا في تعزيز مكانة إسرائيل في الساحة الدُّولية والإقليمية. وكتب في الوثيقة أن «في الأقل بنظرة إلى السنوات القريبة المقبلة فإن إسرائيل تحظى بمكانة استراتيجية ثابتة وبميزان إيجابي موازنة مع كل أعدائها». الأمور التي تسهم في ذلك: الدعم الأمريكي لإسرائيل، إبعاد التهديد النووي الإيراني، ضعف الدول العربية، تركيز دول المنطقة على مشكلاتها الداخلية، تلاشي إمكانية إنشاء تحالف عربي يحارب ضد إسرائيل والتفوق العسكري الواضح لإسرائيل على أعدائها.
في وصف التهديدات الأمنية، يتم في هذه المرة إظهار دور إيران. الطبعة الأولى لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي كتبت على خلفية نافذة الفرص الإقليمية الظاهرة، مع التوقيع على الاتفاق النووي الذي نظرت اليه قيادة الأركان نظرة متفائلة أكثر من رئيس الحكومة. في الوثيقة الجديدة يتم تأكيد إسهام إيران السلبي في مجالات أخرى: ترسيخ محور التأثير الشيعي وإمكانية أن توجد مستقبلا إمكانية لتهديد تقليدي خطير من خلال نشر مليشيات شيعية على الحدود بين إسرائيل وسورية في هضبة الجولان. التهديد من المحور الشيعي، كتب في الوثيقة، آخذ في التعاظم. في المقابل، الساحة الفلسطينية قابلة أكثر للاشتعال. حسب الوثيقة سيكون لحماس في قطاع غزة تأثير كبير في إمكانية التصعيد في الضفة الغربية، وعلى الجيش الإسرائيلي الاستعداد أيضا لسيناريو متطرف من تطور مواجهة مباشرة في الضفة مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية مثلما حدث في السابق في عملية «السور الواقي» في 2002. الوثيقة تذكر للمرة الأولى أيضا تهديد «منفذ العملية المنفرد»، الذي طبق في موجة عمليات الطعن التي بدأت في تشرين الأول 2015، وتدريجيا يصبح أكثر اهمية من الإرهاب المنظم في المناطق.
في الجيش الإسرائيلي يبررون تحديث الوثيقة الأصلية بالتغييرات بعيدة المدى التي حدثت منذ نشرها في الساحة الإقليمية. خلافا لازدياد تدخل إيران في سورية، فإن القصد هو أيضا الوجود الروسي هناك (الذي بدأ بعد شهر من نشر الوثيقة الأولى)، وبناء عائق ضد الأنفاق على حدود قطاع غزة وتزايد التهديد من داعش في سيناء.
الجيش يشخص حدوث تقدم للعدو في عدة مجالات، منها النيران الدقيقة، التي يمكنها التسبب بضرر خطير للبنى التحتية في إسرائيل، شراء وسائل قتالية متطورة هدفت إلى التشويش على قدرة المناورة البرية للجيش الإسرائيلي، تهديد متطور من السايبر من جانب «لاعبين كثيرين» ومحاولة إدارة حرب نفسانية مشروعة وقانونية. «هناك توجه مستمر ومتعاظم لنقل المعركة إلى أرضنا»، تلخص الوثيقة.
في المقابل، الجيش الإسرائيلي يفصل أسس النظرية الأمنية الوطنية: استراتيجية أمنية دفاعية، هدفها ضمان الوجود، ردع العدو، تقليص التهديدات وإبعاد المواجهات العسكرية بقدر الإمكان. العقيدة العسكرية نفسها ستكون هجومية في أثناء الحرب وتظهر التمسك بالمبادئ التي صيغت من قبل دافيد بن غوريون: ضرورة نقل المعركة إلى أرض العدو وتقصير مدة المعركة، من أجل العودة إلى روتين الحياة بأسرع وقت.

سلاسل من الخرز للأولاد

بنيامين نتنياهو صدق مرة أخرى. إدارة ترامب يتبين أنها هي الإدارة الأمريكية الأكثر تأييدا لإسرائيل، كما أثبتت أيضا زيارة نائب الرئيس مايك بنس في هذا الأسبوع إلى البلاد. سؤال إذا كان هذا الموقف بالضرورة يفيد الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في المنطقة هو مسألة أخرى.
الصداقة بحد ذاتها هي أمر سار. في الوقت الذي يوجد فيه الكثير من التناقضات في الشرق الأوسط، والاستقرار بعيد جدا عنه، من الجيد أن نعرف أن الولايات المتحدة إلى جانبنا، لكن هناك تناقض غريب بين الحلف الآخذ في التقوي الذي بلوره ترامب ونتنياهو وانعدام العمل الأمريكي في المنطقة. في خطابه في الكنيست استقبل بنس بحماسة ذكرت باستقبال السناتورات الجمهوريين لنتنياهو عندما خطب في واشنطن ضد الاتفاق النووي في 2015. إعلان نائب الرئيس أن السفارة الأمريكية ستنقل إلى القدس حتى نهاية 2019 استقبل بالهتاف من قبل وزراء وأعضاء كنيست كثيرين. ولكن في الوقت الذي وزع فيه بنس سلاسل من الخرز للأولاد، كما وصف ذلك باستهزاء أحد المستمعين لخطابه، فإن الولايات المتحدة آخذة في الابتعاد عن الساحة الإقليمية المهمة، سورية.
الدراما الحقيقية في هذا الأسبوع لم تحدث في القدس، بل في شمال سورية، هناك غزت تركيا منطقة عفرين المحاذية للحدود، كجزء من حربها ضد المليشيات الكردية. وهذه هي القوات الكردية نفسها الواقعة تحت مظلة «قوات سورية الديمقراطية» ومن خلال مساعدة أمريكية كبيرة، قامت بدور مهم في طرد داعش من منطقة الخلافة التي أعلن عنها في مدينة الرقة وفي محافظة دير الزور. الولايات المتحدة أملت أيضا الاستعانة بهم لإحباط إنشاء الممر البري الإيراني من طهران ومرورا بسورية نحو دمشق وبيروت. هذا كان حجر الأساس لما بقي من الاستراتيجية الأمريكية في سورية. والتي يبدو أنها تبددت نهائيا في هذا الأسبوع. لقد غزت تركيا بالتنسيق أو بغض النظر من جانب الروس والإيرانيين الذين يديرون فعليا المنطقة ويشكلون وجه المستقبل. ومن تسكت وتغادر حيث حلفاءها يضربون؟ أمريكا العظمى.
بالتحديد وعلى ضوء الفشل الأمريكي، فمن المفاجئ مستوى التنسيق الذي نجح نتنياهو في التوصل اليه مع ترامب. في الوقت الحالي يبدو أنه قد فتحت طريق لتحقيق عدد من الأحلام الوردية لليمين الإسرائيلي. الإدارة، التي في باقي مشروعاتها تجد صعوبة في السير وفي مضغ العلكة في الوقت نفسه (على حد تعبير المقولة الخالدة للرئيس جيرالد فورد)، هذه الإدارة تظهر تزامنا مثيرا للانطباع في خطواتها بخصوص إسرائيل. في هذا الشأن ترامب ورجاله يتصرفون حسب خريطة طريق مرتبة جدا. إلى درجة أنه عندما كان الرئيس يناقض تقديرات نتنياهو بخصوص موعد نقل السفارة، صدر فورا توضيح يسوي الصف مع إسرائيل ـ والموعد حدد، بالمصادفة تماما، في سنة الانتخابات المقبلة هنا، هدية انتخابية جيدة لنتنياهو. من قال عزلة سياسية؟.
التصميم الأمريكي مفسه يتم إظهاره الآن أيضا في الشأن الإيراني. بنس كرر في الكنيست التعهد بأن ترامب لن يوقع تمديد فترة سريان الاتفاق النووي إذا لم يتم تعديله بعد أربعة أشهر. القدس فرحت من دون التوقف عند سؤال كيف يمكن أن يحدث هذا الأمر وكيف ستتصرف الدول الخمس الكبرى الأخرى الشريكة في الاتفاق.
ليس دعاء بنس عندما قال «أحييتنا» مهم جدا إلى هذه الدرجة، بل التنسيق الأعمى تقريبا الذي نشأ بين واشنطن والقدس ـ وجُسد بصورة أشد في المؤتمر الصحافي المشترك بين ترامب ونتنياهو أمس في دافوس. في هذه الأثناء يبدو أنه لا يمكن دق إسفين بينهما.
دوافع الجمهوريين هنا مهمة: هل هذا هو استجابة بسيطة لتوقعات الناخبين (استطلاع نشر في هذا الأسبوع أظهر وجود فجوة غير مسبوقة في دعم إسرائيل، بين الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين) وهذا إشارة إلى تأثير الجمهور المسيحي ـ الافنغلستي على أمل أن تنتقل إليهم أصوات يهودية، الذين في معظمهم يصوتون بصورة تقليدية للديمقراطيين، في الانتخابات المقبلة.
على هامش المنصة ما زالت تنتظر مبادرة السلام التي يتم الحديث عنها للرئيس ترامب في القناة الإسرائيلية ـ الفلسطينية. ولكن قرب نتنياهو من الإدارة يزيد إمكانية أن تولد هذه المبادرة ميتة، من دون أي احتمال لقبولها من جانب الفلسطينيين. من المعقول أن طرح المبادرة سيتم مواصلة تأجيله. في حين أن المبعوث جيسون غرينبلاط يهمس في كل مرة في آذان المراسلين السياسيين ببعض تفاصيل الخطة العتيدة.
خطاب بنس في هذا الأسبوع أرسل رسالة مهمة إلى المنطقة، بشأن التحالف الثابت الذي عقدته الإدارة مع إسرائيل، خلال ذلك، فإنه أيضا يتنصل حتى من بواقي التظاهر وكأن الولايات المتحدة بقيت وسيطا نزيها أمام الفلسطينيين. هل خطوات كهذه ستدفع السلطة الفلسطينية إلى الزاوية، بصورة تمنحها ذريعة في أن تشعل من جديد دورة العنف؟ هذه الأمور ستتضح بالتأكيد في الأشهر المقبلة.

التهديد الداخلي

في الأسبوع المقبل سيعقد في تل أبيب المؤتمر السنوي لمعهد بحوث الأمن القومي. في كل سنة ينشر المعهد قبل المؤتمر «مقياس الأمن القومي»، الذي يلخص أبحاث الرأي العام في سلسلة من المواضيع ويرتكز على بحث يتم إجراؤه بصورة ثابتة منذ 1984. د. سيفي إسرائيلي، رئيسة برنامج الرأي العام والأمن القومي في المعهد قالت لصحيفة «هآرتس» إنه مثلما في السنة السابقة يظهر في هذه السنة قلق بارز لدى الجمهور من تهديدات داخلية ـ اجتماعية، 24 ٪ من اليهود و32٪ من العرب الإسرائيليين قالوا إن هذه التهديدات هي التي تقلقهم أكثر من اي شيء آخر، ولكن التهديدات الخارجية ـ الأمنية ما زالت في المرتبة الأولى (39 من مئة في أوساط الجمهور اليهودي أشاروا إلى ذلك كتهديد أول، و35 من مئة في أوساط العرب الإسرائيليين). 37٪ من اليهود و33 ٪ من العرب قالوا إنهم قلقون من الأمرين بدرجة متساوية.
ثقة الجمهور بجيش الدفاع بقيت عالية، 90 ٪ من اليهود يثقون به جدا، معطى مشابه للاستطلاع الذي نشره معهد الديمقراطية في الشهر الماضي. بعده، الموساد (86 من مئة)، الشباك (82 من مئة) وبعيدا إلى الخلف الشرطة (51 من مئة). في المقابل، يبدو أن الفجوة واضحة في ثقة الجمهور بقدرة الجيش الإسرائيلي على مواجهة التحديات الأمنية موازنة مع الثقة بهيئة الأركان العامة في المسائل الداخلية تمس السياسة.
أجل، 28 ٪ من المستطلعين أجابوا أن منظومة القيم التي توجه القيادة العليا بعيدة عن منظومة القيم المقبولة من قبل أغلبية الجمهور (72 ٪ أجابوا بأنهما متقاربتان). في «قضية أزاريا»، هل تؤيد تعليمات أوامر إطلاق النار من قبل الجيش الإسرائيلي التي تقضي عدم قتل مخرب محيد والذي أصبح لا يشكل تهديدا؟ 60 ٪ فقط من المستطلعين اليهود أجابوا بنعم، و40 ٪ أجابوا بلا. إضافة إلى ذلك أكثر من نصف الجمهور اليهودي، 57 من مئة، وافقوا على القول إن المستوى العسكري الأعلى يكبح الحكومة بخصوص استخدام القوة العسكرية وفرض قيود على الفلسطينيين في المناطق.

هآرتس 26/1/2018

الجيش الإسرائيلي: الساحة الفلسطينية مرشحة للاشتعال
الولايات المتحدة قد تدعم حكومة نتنياهو ولكن تراجع حضورها في المنطقة يزيد الخطر
عاموس هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية