الناصرة ـ «القدس العربي»: صورة واحدة كافية لنقل الرسالة بكاملها، وهي فعلا بألف كلمة، كما تجلى في صورة المصور المقدسي أحمد غرابلة يوم خطف صورة تظهر عنصرين من قبل قوى الاحتلال، واحد يعتقل فلسطينيا بفظاظة والثاني يعتقل مستوطنا في منتهى الرقة في القدس المحتلة. هذه الصورة تعكس الدفيئة التي يوفرها جيش الاحتلال للمستوطنين ممن يعتدون ويعيثون في الأرض فسادا بل يساندهم بكل مواجهة مع الفلسطينيين بعدة أشكال. ولا شك أن ازدياد قوة المستوطنين في الحلبة السياسية وسيطرة قوى اليمين على المؤسسة الحاكمة في السنوات الأخيرة قد مهّد لانفلات المستوطنين ودعم جيش الاحتلال ومجمل قوات الأمن معهم. حتى الأسبوع الماضي حالت الحكومة الإسرائيلية من خلال وزير الأمن دون إصدار أوامر بالاعتقال الإداري بحق متطرفين يهود رغم توفر معلومات تعكس كونهم «قنبلة موقوتة». بعد الجريمة في قرية دوما حازت المخابرات العامة(الشاباك) على ما تعتبره «سلاحا رادعا» يتمثل بالسماح بإصدار أوامر اعتقال إداري لستة شهور بحق ناشطين يهودا أيضا وبتوسيع صلاحيات المحققين. وهي خطوات من شأنها ربما كبح تفشي وباء الجرائم لأنها ستوفر حلا أيضا لحق الصمت الذي دأب على استغلاله المعتقلون من المستوطنين. حتى الآن كانت إسرائيل تستخدم الاعتقالات الإدارية مع الفلسطينيين فقط واليوم هناك 400 معتقل إداري منهم وحتى اليوم أيضا ترفض قوات الأمن الإعلان عن عصابات «تدفيع الثمن» كتنظيم إرهابي.
دعم مالي
ليس هذا فقط إذ تكشف منظمة «مولاد» من أجل الديمقراطية، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية في تحقيق جديد لها، أن إسرائيل تمول بشكل غير مباشر جرائم «تدفيع الثمن» منذ ظهرت في 2008 كانتقام لكل محاولة إخلاء بؤرة استيطانية أو تجميد مؤقت وجزئي للاستيطان.
يشار بهذا السياق أن تحقيقا لجمعية «عيرعميم « الإسرائيلية كشفت في العام الماضي أن ست وزارات من بينها وزارة الأمن تدعم 27 جمعية إسرائيلية استيطانية تنشط من أجل بناء الهيكل الثالث المزعوم على أنقاض الأقصى وقبة الصخرة.
مئات الجرائم والمجرمون طلقاء
قبل عامين بادرت شرطة الاحتلال لتشكيل وحدة خاصة لمعالجة «الجريمة القومية « لكنها لم تفك لغز واحدة من جرائم حرق المساجد والكنائس. وهذا ينم عن توجهات عنصرية لا تكترث بالاعتداءات كما يجب طالما أن الضحية فلسطيني. في آذار/مارس اعتدى مستوطنون على راع فلسطيني في الثمانين من عمره بالعصي بالقرب من قرية اللبد ولاحقا تم اعتقال إثنين من المشتبهين. ورغم تأكيد المعتدى عليه الذي أصيب بكسور في كل أنحاء جسده على قدرته تشخيص المعتدين لم تبادر الشرطة لمقابلة الطرفين وبدلا من ذلك عرضت عليه صورا غير واضحة وتم إطلاق سراحهما.
الاستخفاف بالقانون
من جهتها بادرت منظمة «يش دين» الحقوقية لتقديم استئناف على ذلك وقبلت المحكمة لكن الشرطة ظلت ترفض مقابلة الضحية مع المعتدين. وتؤكد «يش دين» أن تجاهل قوات الأمن لجرائم المستوطنين يندرج ضمن ظاهرة الاستخفاف بقيمة القانون واحترامه بشكل عام في إسرائيل. وتدلل على ذلك بالقول إنه لو كانت قوات الأمن معنية باحترام القانون ومنع اعتداءات المستوطنين لما تأسست مستوطنات أصلا بعد سلب ونهب الأرض الفلسطينية. وتحمل منظمة «بيتسيلم» الجيش المسؤولية إلى جانب الشرطة وتؤكد استنادا لتحقيقات ميدانية إن الجنود في كثير من الحالات يتنحون جانبا ولا يتدخلون باعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين العزل. وتوضح أنه لو كان الجيش يبادر لاعتقال مستوطنين في طريقهم للاعتداء على فلسطينيين لما وقعت الاعتداءات. وتتابع «يعتقد جنود كثر أن واجبهم هو حماية المستوطنين فقط».
انتقادات ذاتية
وهذا ما أكدته مجموعة من ضباط الجيش في الاحتياط في مذكرة لوزير الأمن ولقائد الجيش قبل شهور محذرين من أن تطرف المستوطنين منبعه «التعليمات الضبابية» التي يصدرها الجيش للجنود في الميدان خلال معالجتهم انتهاكات المستوطنين. وحذر هؤلاء من أن تجاهل جرائم «تدفيع الثمن» واعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وعلى أملاكهم من شأنه المساس بالجيش أيضا.
ويؤكد هؤلاء العسكريون أن اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وسط صمت الجيش ستزعزع أسس النظام والقانون وتعكس الصورة البائسة لقلة حيلة قوات الأمن والبلبلة السائدة لديها. ودعت هذه المجموعة من الضباط الجيش لتطبيق القانون وعدم التراخي مع انتهاكات المستوطنين.
رئيس الشاباك
كما سبق وحذر رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين في نيسان/أبريل الماضي من تسامح الجيش مع حاخامات بعض المدارس الدينية الذين يرفضون التحفظ على جرائم «تدفيع الثمن» بل ويشجعونها بالصمت والتلميح.
وفي الأسبوع الماضي ذكّر ديسكين بتحذيراته وقال للإذاعة العامة إن تجاهل الجيش لجرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين من شأنها أن تعود كيدا مرتدا لنحره لافتا لعدة هجمات قام بها المستوطنون في الشهور الأخيرة على ضباط وعلى قواعد عسكرية لقيامهم بإخلاء بعض البؤر الاستيطانية تطبيقا لتعليمات المستوى السياسي.
ولذا يتهم فلسطينيو الداخل أجهزة الأمن بتجاهل الاعتداءات المتكررة على مقدساتهم وممتلكاتهم داخل الخط الأخضر عشرات المرات كل سنة دون إلقاء القبض على مجرم واحد.
ويتساءل قادة فلسطينيي الداخل: لو كان الاعتداء قد وقع على كنيس أو على ممتلكات يهودية هل كانت ستبقى قوات الأمن الإسرائيلية بهذه الجاهزية المتدنية ؟