الجيش التركي في إدلب «خنجر في خاصرة المشروع الكردي»… وروسيا تسعى إنهاء آخر معاقل المعارضة السورية

حجم الخط
3

إسطنبول – «القدس العربي»: بعد أيام من القيام بعمليات استطلاع واستكشاف في مناطق مختلفة في محافظة إدلب السورية، بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام، بدأ الجيش التركي فعلياً، فجر أمس الجمعة، بإدخال دبابات وعربات عسكرية ومئات الجنود وعناصر الوحدات الخاصة إلى المحافظة بشكل سلمي ودون اشتباكات تذكر مع أي طرف من أطراف النزاع شمالي سوريا.
هذه العملية التي تأتي تطبيقاً لاتفاق مناطق عدم الاشتباك الناتج عن مباحثات أستانة بين روسيا وإيران وتركيا ستقوم بموجبها أنقرة بنشر قوات من الجيش التركي تدريجياً داخل حدود محافظة إدلب على شكل نقاط مراقبة لضمان وقف إطلاق النار من الداخل، بينما سوف تتكفل روسيا بنشر قواتها خارج حدود المحافظة.
لكن وعلى الرغم من أن كل ما يحدث يأتي في إطار توافقات سياسية وتنسيق عسكري بين أنقرة وموسكو، إلا ان الأهداف المعلنة والسرية تبدو مختلفة إلى درجة كبيرة بين الجانبين، وهو الأمر الذي يطرح تساؤولات كثيرة وعميقة حول مستقبل هذا التعاون والنتائج التي ستترتب عليه.
فبينما ترى أنقرة في هذه العملية فرصة في منع تحويل إدلب إلى حلب جديدة والحفاظ ولو جزئياً على آخر معاقل المعارضة السورية والأهم أنها ستشكل ما أطلقت عليه الصحافة التركية «خنجراً في خاصرة مشروع الكيان الكردي» شمالي سوريا من خلال حصار عفرين وربما مهاجمتها لاحقاً، تهدف روسيا إلى أن يؤدي اتفاق مناطق عدم الاشتباك في سوريا وخاصة بإدلب إلى إنهاء آخر وأكبر معاقل المعارضة السورية تمهيداً لإنهاء الحرب في سريا وحسمها لصالح النظام السوري.
قال الجيش التركي، الجمعة، إنه بدأ المرحلة الأولى من مهمته في محافظة إدلب السورية (شمال غرب) الهادفة لتأسيس نقاط مراقبة لمتابعة وقف إطلاق النار في «منطقة خفض التوتر» التي تم التوصل إليها بموجب اتفاق أستانة في العاصمة الكازاخية. وتتضمن المرحلة الأولى الانتشار في المنطقة الممتدة بين إدلب ومدينة عفرين في محافظة حلب، وسيتم إقامة أكثر من 10 مواقع للمراقبة سوف تمتد تدريجيا من شمالي إدلب باتجاه الجنوب، في الفترة المقبلة.
وبدأت عناصر القوات المسلحة التركية التي عبرت الحدود مع سوريا، من بلدة ريحانلي في ولاية هطاي جنوبي البلاد، الانتشار في الأطراف الشمالية لإدلب، حيث تموضع عناصر الجيش في منطقة قريبة من مدينة عفرين الخاضعة لسيطرة الوحدات الكردية والمتاخمة للحدود التركية. وكان الجيش التركي أطلق في 8 تشرين الأول/أكتوبر عملية استطلاعية بهدف إقامة مراكز. وأشارت هيئة الأركان إلى أنها تشن عمليتها بموجب «قواعد الاشتباك التي تم التفاوض حولها في أستانة».

أولويات تركيا

ترى تركيا في تحركها العسكري الحالي في شمال سوريا فرصة لتحقيق العديد من الأهداف لكن أبرزها على الإطلاق يتمثل في إعاقة مشروع إقامة كيان كردي على امتداد حدودها مع شمالي سوريا، لا سيما منع وحدات حماية الشعب الكردية من وصل مناطق سيطرتها بين شرقي وغربي نهر الفرات.
حيث ركز الجيش التركي جهوده في المرحلة الأولى على إقامة ما أطلق عليه «جدار أمني» أو خط عسكري على طول المناطق الممتدة بين إدلب وعفرين لمنع تمدد الوحدات الكردية في اتجاه إدلب وقع الطريق على إمكانية أن تلجأ الولايات المتحدة لدعم هذه الوحدات للقيام بعملية عسكرية في المحافظة بحجة الحرب على العناصر المتشددة في هيئة تحرير الشام حيث تعتقد الأوساط الرسمية التركية أن وحدات حماية الشعب الكردية تسعى للسيطرة على أجزاء من إدلب من أجل إقامة حزام أو (كوريدور) يبدأ من الحدود العراقية ويوصله إلى البحر المتوسط.
كما تهدف أنقرة إلى منع انزلاق إدلب إلى مصير مدينة حلب من خلال تكثيف روسيا والنظام السوري لهجماتهم وغاراتهم الجوية على المحافظة بحجة الحرب على جبهة النصرة والتنظيمات المتشددة، وهو ما قد ينتج عنه أزمة إنسانية غير مسبوقة على حدود تركيا قد تدفع الملايين للنزوح نحو أراضيها وتجدد مأساة اللاجئين، حيث يقطن بالمحافظة 2.4 مليونًا من السكان المحليين، إلى جانب 1.3 مليون نازح.
وعلى العكس في حال نجاح تركيا في الحفاظ على اتفاق مناطق عدم الاشتباك وتوقف الغارات الروسية، يمكن أن يفتح الباب أمام عودة جزء من اللاجئين في الأراضي التركية إلى مناطق سكناهم في إدلب وذلك عقب تمكن أنقرة من تأهيل مقومات الحياة بالمحافظة على غرار ما فعلت في مناطق درع الفرات التي عاد إليها قرابة 100 ألف من الأراضي التركية لمناطق سكنهم.

أهداف روسيا

لكن روسيا التي تُظهر تنسيقاً وتأييداً كاملاً للخطوات التركية الحالية، يُجمع مراقبون على أن لها أهدافاً مختلفة إلى درجة كبيرة عن أهداف تركيا من العملية، وإن كان ذلك سيظهر على المتوسط والبعيد بشكل أكبر. وعلى الرغم من أن تركيا نجحت بعد مفاوضات طويلة مع هيئة تحرير من التوصل لاتفاق يقضي بدخول القوات التركية بدون قتال، إلا أن روسيا سوف تسعى مستقبلاً إلى الإيقاع بين الطرفين أو الضغط على أنقرة من أجل بدء عملية عسكرية تهدف إلى إنهاء تواجد الهيئة في المحافظة.
ومن خلال ذلك تهدف روسيا إلى ضرب أهم الجماعات المسلحة المتبقية في شمال سوريا وتدريجياً القضاء على المعارضة في أكبر وآخر معاقلها شمالي سوريا، وذلك على طريق إنهاء الحرب الدائرة وحسم الصراع لصالح النظام السوري والميليشيات الشيعية الداعمة له. ويرى مراقبون أن روسيا تحاول تحييد المحافظة لأسابيع أو لأشهر إلى حين انتهاء النظام السوري من معاركه ضد تنظيم الدولة في حمص ودير الزور ومن ثم التفرغ للمحافظة، وحينها ستجد أنقرة نفسها أمام خيارات أصعب من المتاحة حالياً وربما يكون أقلها المشاركة في حملة عسكرية ضد الهيئة.
الكاتب التركي أوكان مدرس أغلو رأى في مقال له في صحيفة صباح التركية أن «المؤكد أن العملية تهدف إلى تعزيز التوازن الاستراتيجي الذي تحقق عبر عملية درع الفرات، وقطع الطريق أمام الحزام الإرهابي المراد مده حتى البحر المتوسط».
واعتبر الكاتب أن «التحركات التي قام بها جهاز الاستخبارات التركي تتمتع بالقدر نفسه من أهمية العملية العسكرية في إدلب»، مضيفاً: «بعبارة أدق، تفكيك بعض العناصر في المنطقة دون الحاجة للقوة العسكرية، والحصول على تعهد فصائل قوامها 5-6 آلاف شخص بالتحرك وفق ما تطلبه تركيا، كانا أمرين في غاية الخطورة». وأكد الكاتب على أنه «مما لا شك فيه أن عملية إدلب وحدها ليست تدبيرًا كافيًا من أجل حماية الأمن القومي التركي. فلا بد من تطهير عفرين، أو على الأقل محاصرتها من جميع النواحي وعزلها عن الإرهاب. وعندها سوف نرى الوجه الحقيقي للحليف الأمريكي».

هل تسلم تركيا إدلب للأسد لاحقاً؟

ما زالت تركيا تنفي أي اتصال مباشر بينها وبين الأسد، لكن لا تخفي أنها ترى في المشروع الكردي خطراً أكبر بكثير على أمنها القومي من نظام الأسد الذي تختلف معه سياسياً، وسط خشية لدى المعارضة السورية من أن يتحول التواجد التركي في إدلب إلى جسراً لاستعادة إدلب من قبل النظام السوري.
الكاتب التركي فاتح ألطايلي يقول في مقال له في صحيفة «خبر تورك»: «تنفذ تركيا هذه المرة عملية في منطقة لها مصالح فيها، وتدخل بقواتها إلى محافظة إدلب شمال سوريا.. قرار تنفيذ هذه العملية صائب إلى أبعد الحدود، ومن خلاله أقدمت تركيا على خطوة في مكانها».
ويضيف: «إلى أن يتمكن نظام الأسد أو الحكومة المركزية في سوريا من السيطرة على البلاد بشكل كامل، وإلى أن يصبحا في وضع يؤهلهما لحماية وحدة التراب السوري، يتوجب على تركيا أن تكون حتمًا في تلك المناطق من البلاد»، وتابع: «وجود تركيا هناك هو السبيل الأفضل من أجل إحباط آمال وأحلام من بدؤوا بوضع مخططات مختلفة».
«هذه العملية أصبحت خطوة إجبارية يتوجب الإقدام عليها من أجل الحيلولة دون إنجاز مشروع توحيد شمال العراق مع شمال سوريا، وهو مشروع تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل إلى تحقيقه على المدى البعيد.. الأمر الوحيد الذي يثير الريبة في نفسي هو أن الحسابات الروسية في هذه القضية ليست واضحة المعالم»، كتب ألطايلي.

حسابات سياسية معقدة

الكاتب التركي «كورتولوش تاييز» كتب في مقال له بصحيفة أكشام: «من المعروف للجميع أن التحركات في الشرق الأوسط لا تتحقق بسهولة. لا تستطيع أي دولة الإقدام على تدخلات عسكرية كما يحلو لها. فحتى العمليات البسيطة لا مفر فيها من مراعاة القانون الدولي والقيام باتصالات دبلوماسية تقتضي الصبر، وإقامة تحالفات جديدة».
وقال: «تقدم تركيا في سوريا تحقق عبر إقامة مثل هذه التوازنات الحساسة. وكان من المستحيل على أنقرة أن تدخل سوريا وتنفذ فيها عملية عسكرية من دون التقارب مع روسيا وإيران والعراق.. وفي الحالة العكسية، أي تحرك فجائي يمنح القوى الدولية المتربصة بتركيا ورقة تستخدمها ضدها، وأنقرة أنفقت الكثير من الوقت لتفادي السقوط في هذا الفخ».
وأضاف: «لم نتمكن من بلوغ مرحلة الرد على «الحزام الإرهابي» على حدودنا الجنوبية إلا بعد مباحثات مكثفة وتحالفات جديدة وجولات دبلوماسية مكوكية. ومن أجل تنفيذ عملية درع الفرات كان من الضروري إقامة شراكة جدية مع روسيا. وكذلك الأمر في إدلب، لم يكن هناك مفر من التحرك المشترك مجددًا مع روسيا وإيران».

الجيش التركي في إدلب «خنجر في خاصرة المشروع الكردي»… وروسيا تسعى إنهاء آخر معاقل المعارضة السورية
كُتاب أتراك: حسابات سياسية معقدة تحيط بالعملية و «الكيان الكردي» أخطر على تركيا من الأسد
إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية