الجيش الجزائري أمام تحديات الداخل وضغوط الخارج

حجم الخط
7

تعتيم كبير يحيط بالجيش الجزائري، يمكن تعميمه إلى كل النظام السياسي الجزائري الذي لم يدرس بالقدر الكافي لحد اليوم، رغم بعض المحاولات التي ظهرت في السنوات الأخيرة. جيش لم تغادره قيم العمل السري الذي نشأ وتربى عليه، باعتباره النواة الصلبة للدولة الوطنية، منذ الإعلان عن نشأته مع اندلاع ثورة التحرير في 1954 رغم ان لحظات الأزمة السياسية التي عرفها هذا النظام السياسي، قبل وبعد الاستقلال، يمكن ان تمنحنا فرصا أكثر للتعرف على وظائف وأدوار هذا الجيش الكتوم، داخل هذا النظام السياسي.
فقد اقحمت القوات المسلحة في أزمة صيف 1962 لحسم الصراع الذي كانت قيادتها طرفا فيه، في مواجهة الحكومة المؤقتة وبعض الولايات التاريخية الداخلية الموالية لها. كما شاهد المواطن لأول مرة دبابات الجيش تأخذ مواقعها في ساحات العاصمة وشوارعها، عند تدخل الجيش نفسه لإبعاد أول رئيس للجمهورية في 19 حزيران/يونيو 1965، اعتقد المواطن لأول وهلة ان هذه الدبابات كانت جزءا من ديكور فيلم سينمائي يتم تصويره وليس واقعا مريرا بدأت الجزائر تدخله في سنوات الاستقلال الأولى.
بن بلة الذي كان قد وصل، قبل ثلاث سنوات، إلى موقع الرئاسة، اعتمادا على تحالفه مع قيادة الجيش التي بدأت تظهر كمركز قرار مهيمن قبل ذلك، خلال حرب التحرير تحديدا، على حساب جبهة التحرير التي أعلن باسمها عن انطلاق ثورة التحرير. ككل جيوش العالم الثالث في هذه المرحلة التاريخية، لم تختف تماما لدى قيادة الجيش تلك النزعة إلى الانقلاب العسكري الذي جربه، دون نجاح العقيد الطاهر زبيري (1967) ضد رئيس الدولة وزير الدفاع، العقيد هواري بومدين.
بومدين الذي جسد كنظام سياسي وحدة القيادة العسكرية –السياسية في شخصه، لم يسمح في المقابل لقيادة الجيش بالتواجد في المشهد السياسي، ليطور في الوقت نفسه دورا أكبر لمخابرات الجيش التي تحولت إلى يد نظامه السياسية الضاربة. نظام بادر بالتوليف بين عدة استراتيجيات في التعامل مع محيطه السياسي المؤيد والمعارض، من بينها استعمال القوة والتعنيف الذي قد يصل إلى الاغتيال السياسي، مرورا بالتحييد السياسي والرشوة المالية/السياسية للنخب المنافسة والمعارضة.
لم تفلح محاولات الرئيس الشاذلي بن جديد، القائد السابق للناحية العسكرية الثانية، خلال فترة حكمه الطويلة (1979/92) في تحييد دور الجيش لصالح مؤسستي الحزب والبيروقراطية الإدارية. كما لم يفلح في إصلاح النظام السياسي الذي ورثه عن بومدين. فكان انفجار الخامس من أكتوبر 1988 وأزمة 1992 التي أدت إلى استقالته، والتي لا يمكن تصور ان تكون قيادة الجيش بعيدة عنها. هو الذي اختير لموقع الرئاسة لحسابات عسكرية باعتباره الضابط الأقدم في أعلى رتبه عسكرية.
قيادة الجيش المجسدة في وزير الدفاع (الجنرال خالد نزار) التي أدت أكثر من دور سياسي خلال هذه المرحلة التي يمكن ان تكون مثالية، لدراسة دور الجيش في نظام سياسي كالنظام الجزائري. رفضت تولي السلطة مباشرة، كما فعل السيسي في مصر لاحقا، لكنها استمرت من خلف الواجهة المدنية في أداء أدوار سياسية أساسية حولتها إلى الفاعل السياسي رقم واحد.
من أهم دروس هذه المرحلة وحتى قبلها، أن الأزمة السياسية وفشل مؤسسات النظام السياسية ورجاله، هي التي تؤدي إلى إقحام الجيش لأداء أدوار ووظائف سياسية، في الواجهة، كان من بينها التدخل ضد الحراك الشعبي وحسم الخلافات السياسية ومواجهة العنف السياسي الذي كانت وراءه الجماعات الإسلامية المسلحة.
قيادة الجيش الجزائري التي لم تخرج سالمة السمعة وطنيا ودوليا، من هذه المحنة التي أقحمت فيها، بكل تداعياتها السياسية والأخلاقية في الداخل والخارج، ما يجعلها تفكر ألف مرة قبل ان تكرر التجربة نفسها حتى ولو توفرت بعض شروطها، كما هو حاصل هذه الأيام، وليس كل شروطها. فقد استمرت أزمة النظام السياسي وساء أداؤه أكثر وقلًت شرعيته، لكن تغير الجيش الجزائري من الداخل، يمكن ان يكون فرصة للخروج من هذا المنطق التاريخي ومساره. تغير، ساير فيه الجيش التحولات الكلية التي عاشها المجتمع الجزائري على مر الأجيال. فقد انقرضت تقريبا القيادة العسكرية التي كانت على رأس المؤسسة أثناء هذه التجربة (نزار / العماري / تواتي …الخ).
الأهم من ذلك ان جيلا ثانيا من القيادات العسكرية بدأ عمليا في أخذ مكان هذه القيادة المسيسة والكاريزمية التي مثلت تجربتها داخل جيش التحرير أهم محطة سياسية وعسكرية لها، بعد مرور قصير للبعض منها داخل الجيش الفرنسي الذين التحقوا به لأداء الخدمة العسكرية في حالات وكمجندين بالنسبة لبعض العائلات التي ارتبطت وظيفيا بالظاهرة الاستعمارية.
من صفات هذا الجيل الثاني، بعده عن إمكانية التدخل في الشأن السياسي الذي لم يحضر كتنشئة للقيام به. زيادة على تأهليه العلمي والعسكري العالي ونظرته إلى أدواره ومهامه داخل الجيش الذي يتعامل معها كمهنة، قبل كل شيء، ضمن مسار يتجه بالجيش الجزائري نحو احترافية أكثر.
جيل على رأس المؤسسة العسكرية، يشبه سوسيولوجيا إلى حد كبير الجيل السياسي الثاني، الموجود على رأس مؤسسات الدولة كالأحزاب وبيروقراطية الدولة، فهل يمكن ان يحصل اللقاء التاريخي، بين أبناء الجيل نفسه الذي درس في الجامعات ذاتها وعاش اللحظة الجيلية ذاتها لإخراج الجزائر، من أزمتها، نحو نظام سياسي أقرب لتطلعات المواطنين ولروح العصر؟ أم ان منطق الأزمة السياسية سيكون أقوى من هذا السيناريو المتفائل؟
شروط كثيرة يمكن ان تدعم هذا السيناريو المتفائل، من بينها ما يميز الجيش من الداخل وفي علاقته بالمجتمع. فالجيش الجزائري وعكس بعض الجيوش العربية، ما زال جيشا ممثلا لكل جهات الوطن ولكل قواه الاجتماعية، على رأسها الفئات الشعبية التي تميزت تاريخيا بانخراط قوي في صفوف القوات المسلحة.
خصائص سوسيو – سياسية، يمكن ان تكون سدا لمحاولات الزج بالجيش في مواجهة الحراك الشعبي الذي تحول إلى سمة للمجتمع الجزائري في ظرف اقتصادي واجتماعي داخلي، مساعد، على عدم الاستقرار، على المديين القصير والمتوسط، وفي ظرف دولي وإقليمي مضطرب على الحدود، يضغط على الجيش الجزائري لتغيير عقيدته السياسية التي ورثها تاريخيا، بعدم التدخل خارج الحدود. فهل سيصمد الجيش الجزائري أمام كل هذه التحديات الوطنية والإقليمية؟

الجيش الجزائري أمام تحديات الداخل وضغوط الخارج

ناصر جابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية