الجيش في المجتمع العربي: للدفاع عن الأوطان أم لاستعبادها؟!

يعتبر الجيش العمود الفقري لبناء الدولة فأول ما قامت به الحضارات الأولى في التاريخ هو تأسيس قوة مسلحة للدفاع عن نفسها ضد أية جهة تتحداها وقد تكون هذه الجهة قبيلة أو دولة مجاورة وفي الحقيقة أن تأسيس منظومة معقدة مثل الجيش هو علامة تطور حضاري، لأن التجمعات الأقل تحضرا غير قادرة على هذا.
ولذلك حظي هذا الجيش منذ الحضارات الأولى وحتى الدول الكبرى حاليا بأفضل عناية من قبل الدولة حيث لا يدخل فيه سوى المؤهل اجتماعيا وسياسيا وعلميا وجسديا، وفي نفس الوقت فأن أعلى معايير الانضباط طبقت في الجيش فلا يمكن التساهل مع أي تدهور في الانضباط فيه والا فأنه قد يتحول إلى وحش خارج السيطرة يتلاعب بمصير الدولة لمصلحة قادة الجيش الشخصية أو نتيجة لتدخلات خارجية.
وقد أدرك الحكام (سواء أكانوا ملوكا أو أمراء أو سلاطين) القدماء ضرورة أن يكونوا هم شخصيا على رأس هذا الجيش ولذلك حرصوا على أن يكون أبناؤهم متمرسين في الفنون العسكرية والحرب وقد أدى ذلك إلى مرور أبنائهم بتجارب وتدريب قاسيين قبل أن يصبحوا حكاما وقد أدى هذا إلى مقتل العديد منهم. وأشهر مثال على ذلك في التاريخ القديم الدولة الآشورية التي كان لديها الجيش الأشهر وتركت سجلاتهم وصفا لعملية اختيار ولي العهد من قبل الملك حتى أن الملك الآشوري المعروف آشور بانيبال (668 ق. م.– 627 ق. م.) أصبح وليا للعهد بسبب وفاة شقيقه الذي كان الولي الأصلي للعهد والذي قتل في أحدى الحملات العسكرية التي كان يقودها بنفسه.
و اعتمد الملوك القدماء على العوائل القريبة منهم أي الطبقة الأرستقراطية لتزويدهم بالضباط نظرا لمعرفة الملوك بهم وثقتهم النسبية بهم وكون أبنائها أكثر تعليما نسبيا من الآخرين وفي بعض الأحيان كان هذا يتم بالإكراه وأحيانا أخرى كانت تقوم هذه العوائل بهذا العمل طوعا سعيا وراء الامتيازات التي يهبها الحكام وتحول هذا تدريجيا إلى تقليد بين أوساط العوائل الأرستقراطية. ومع ذلك أدرك الحكام أن الجيش يجب أن يكون مفتوحا للجميع نسبيا وعلى المنخرطين أن يثبتوا جدارتهم بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية وهذا ما حدث مثلا في أوروبا حيث فسحت الدول الأوروبية في القرن التاسع عشر المجال لأبناء الطبقة الوسطى الفرصة للانخراط في سلك الضباط والأسباب هي توسع الحاجة لجيوش كبيرة وانتشار التعليم مما جعل أبناء الطبقة الوسطى قادرين على منافسة أبناء الطبقة الأرستقراطية في استيفاء شروط الدخول إلى صفوف الجيش ولكن اعطاء الأفضلية لأبناء الطبقة الأرستقراطية في سلك الضباط أستمر.
وقد برز بعض أبناء الطبقة الوسطى في الجيش وأصبحت عوائل كثيرة من الطبقة العليا في بلدانها نتيجة لبروز أبنائها في الحروب وقد عرف الحكام أن يكافئوا عسكرييهم حتى بعد خروجهم من الخدمة بسخاء وليس كما يحدث في العالم العربي حاليا حيث يخرج الضابط من الخدمة ليصبح خرقة بالية لا نفع فيها ولا يسأل عنه أحد وحتى الدولة.
و من الظواهر الملحوظة في التاريخ احترام مهنة الضابط في الجيش فكل رئيس جمهورية في الولايات المتحدة سبق وأن خدم في الجيش أفتخر بشدة بخدمته هذه مثل جورج بوش الأب وجون كندي اللذين كانا ضابطين أثناء الحرب العالمية الثانية، واما الرئيس آيزنهاور فقد كان القائد العام لقوات الحلفاء التي حاربت النازيين في الحرب العالمية الثانية وانتصرت عليهم.
والأمر لا ينحصر فقط في الولايات المتحدة لأن أوروبا كانت قد سبقتها في هذا المضمار وأهم مثال في الوقت الحاضر هو الأمير تشارلز أبن ملكة بريطانيا الذي كان تعليمه عسكريا بحتا ولديه رتبة عسكرية محترفة وهو في الواقع يتبع تقليدا عائليا قديما في أوروبا لأن جميع أولاد الملوك الأوروبيين كانوا ضباطا محترفين وشمل هذا التقليد الطبقات الأرستقراطية التي كان الكثير من أبنائها ليسوا ضباطا فقط بل قادة عسكريون خلدهم التاريخ مثل الدوق البريطاني بطل معركة بلنهايم (1704) والذي كان الجد الأكبر لرئيس الوزراء البريطاني الشهير ونستن تشرتشل (1874 – 1965) والذي كان هو نفسه أيضا ضابطا محترفا في بداية حياته المهنية وفي الحقيقة ان الأمثلة الأخرى كثيرة جدا حيث كان من الطبيعي أن يكون لكل عائلة أرستقراطية أبن واحد على الأقل في الجيش. ولهذا أسباب منطقية جدا فهذه العوائل تحاول حماية مصالحها ومصالح الطبقة التي تنتمي إليها والتي هي الدولة كما أنه لا يمكن التوقع من المواطن العادي أن يدافع عن مصالح هذه الدولة سواء أكان متطوعا أم مكرها إلا إذا وجد أن الحاكم وأبناءه وأبناء الطبقة العليا في الطليعة لمواجهة العدو.
ولم يتغير هذا التقليد حتى الآن فمثلا عندما ذكرت الصحف قبل سنوات قليلة أن ضابطين شابين من الحرس الملكي البريطاني تمت معاقبتهما بشدة من قبل رؤسائهما لإدلائهما بمعلومات بسيطة وغير مؤذية لإحدى الصحف البريطانية حول الروتين اليومي للحرس الملكي وبعد قراءة أسمي الضابطين تبين انهما من أبرز العوائل الأرستقراطية في بريطانيا ولم يشفع لهما انتماؤهما العائلي لأن الانضباط يشمل الجميع وهذا يدل على أن ضباط الحرس الملكي لا يزالون هم من أبناء الطبقة الأرستقراطية البريطانية وهم ضباط محترفون على درجة عالية من الكفاءة.
و لم يكن التاريخ العربي القديم مختلفا عن نظيره الأوروبي ولكن ماذا عن العصر الحديث؟ وللإجابة على هذا السؤال نورد هنا أنه في أواخر العهد الملكي في العراق أجتمع السياسي الكبير وحاكم العراق الحقيقي آنذاك نوري باشا السعيد بقادة الجيش العراقي وكان منهم اللواء الركن خليل جميل (الذي نقل لي هذه الحادثة شخصيا) وسألهم أن كان أبن أحدهم ضابطا في القوات المسلحة العراقية؟ وعندما نفى القادة ذلك أنزعج بوضوح وقال لهم أن أبناءهم يجب أن ينضموا للجيش ليكونوا قدوة للآخرين وإلا فأن الأجيال الجديدة من الضباط ستكون من خلفيات مجهولة وهذ خطر يشملنا جميعا. وقد أثبت التاريخ صدق حس الباشا فالذي حدث في العراق ومصر مثلا يؤكد وجهة نظره ومن الجدير بالذكر أن الأبن الوحيد للباشا نفسه كان طيارا حربيا وكان هذا من الاستثناءات.
وعلى صعيد العالم العربي فأغلب الرؤساء والملوك العرب لم يجعلوا من أبنائهم ضباطا في القوات المسلحة واما عوائل طبقاتهم السياسية العليا فليس لها حتى أبن واحد في القوات المسلحة وكأن الخدمة في القوات المسلحة عار يخجلون منه. والحقيقة أنهم لا يرغبون في إرسال أبنائهم إلى الجيش لأن الضباط لا يتقاضون رواتب عالية ولا فرصة لهم لتكوين ثروات كبيرة كغيرهم في الوقت الذي يريدون فيه لأبنائهم الحياة الرغدة.
وأما من ناحية الطبقة الوسطى من المجتمع العربي والتي يمتاز أبناؤها وأبناء الطبقة الثرية بأنهم الأفضل تعليما فقد أصبحت الكلية العسكرية ملاذا لأسوأ الطلبة لأن العوائل العربية تريد أن يدرس أبناؤها الهندسة والطب ويتنعمون بالحياة السهلة ساعين للثراء لأن الضابط لا فرصة لديه ليكون ثريا وهو سيعيش على مرتبه فقط وتشكو العوائل العربية من سوء مستوى الجيش الذي يريدون منه حمايتهم وعلى ما يبدو أن الشعوب العربية تطالب جيوشها بأن تنتصر وتخلق الأمجاد لها ولكنها غير مستعدة لإرسال ابنائها للانخراط في هذه الجيوش. وساد اعتقاد مضحك بين أوساط العامة أن الضباط الممتازين ليسوا بحاجة إلى تعليم عال بل كل ما يحتاجونه هو العضلات المفتولة والشجاعة.

كاتب عراقي

الجيش في المجتمع العربي: للدفاع عن الأوطان أم لاستعبادها؟!

زيد خلدون جميل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية