الجيل الفلسطيني الجديد و اختراع سلاح «النايفوفوبيا»

حجم الخط
2

الأحداث الأخيرة في فلسطين لم تكن محض صدفة ولم تكن كذلك مرسومة ومخططة مسبقا، بل وراء هذه الأحداث منطق يجب التمعن به جيدا ، هذا المنطق لا يمكن تجاهله لأنه أصبح المنطق الواقعي الذي فرضه هذا الجيل الفلسطيني الجديد-القديم، هذا الجيل الذي يحمل في داخله التاريخ المستمر، يحمل المآسي القديمة التي مازالت تعيش معه، هذا الجيل الذي لا يعرف سوى طريق واحد وهو أنه من حقه أن يعيش بكرامة و يعيش كما يجب أن يعيش لا أن يفرض عليه أحد كيف سيعيش بمقاييس محددة.
الجيل الفلسطيني الجديد يستدعي كل يوم تاريخه ، يستدعي تاريخ وطنه الذي مضى بمسيرة السنين ولكنه مازال يعيشه، فلا يمكن ان يعيش الجيل الفلسطيني الجديد بدون إحضار تاريخه الجاري.
يمثل الشباب –الجيل الفلسطيني الجديد- أكثر من 35 بالمائة من مجموع الشعب الفلسطيني وهذا الجيل عمره ما بين 15-29 سنة، وهذا ما يميز المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتي كما أن الجيل اللاحق يمثل حاليا ما يقارب 40 بالمائة، ولكن لنركز الآن على الجيل الجديد .
هذا الجيل الجديد الذي ولد بداية و ما بعد الإنتفاضة الاولى كبر و تربى داخل ثلاثة سجون، السجن الاول هو الإحتلال الصهيوني، أما السجن الثاني فهو فساد السلطة الفلسطينية و السجن الثالث هو المنظمات الحكومية و غير الحكومية الدولية.
لقد كبل الاحتلال الصهيوني هذا الجيل بإجراءاته القمعية فحرمه من طفولته و صادر حقوقه و قتل أمام عينيه الشباب و هدم البيوت ، فهذا الجيل شاهد عيان على كل ما حدث حديثا في فلسطين من مصادرة الأراضي و الاستيطان و قمع الانتفاضة الثانية بالقتل والهدم والاغلاقات الطويلة ، فالاحتلال لم يعط لهذا الجيل أقل حقوقه باللعب أو السباحة على شواطىء البحر، الاحتلال الصهيوني يتعامل بكل حماقه وبدون دراسة لما يمكن أن يحمل هذا الجيل مستقبلا فاستمر بالقمع والاضطهاد، والاحتلال الذي مارس الذل والإهانة بحق هذا الجيل الذي شهد كيف يعامل الاحتلال والده الذي يقوم صباحا و ينتظر بطوابير الذل لكي يعمل في اسرائيل حتى يطعمه خبز الذل. الاحتلال مارس ذلا لا يمكن أن يغتفر له، فكل فلسطيني من هذا الجيل له حساب مفتوح مع الاحتلال.
أما السجن الثاني فهو سجن فساد السلطة الفلسطينية، هذه السلطة التي قمعت الجيل الجديد بفسادها من خلال اختلاسات الامول المخصصة للتنمية و المشاريع الكبرى، هذا السلطة التي سلبت من الجيل الفلسطيني هويته بالتفاوض على مستقبله مع الاحتلال بدون ان يكون له الحق في تقرير مستقبله، هذه السلطة التي قسمت الشعب الفلسطيني إلى أقسام فهي سلطة فلسطينية بالضفة و سلطة فلسطينية بغزة، سلطة انقسمت وأدخلت الشعب الفلسطيني بحرب أهلية نتجت عنها سلطتان حمساوية وفتحاوية. لقد لعبت السلطة الفلسطينية دورا كارثيا في تفريغ شخصية الجيل الفلسطيني الجديد من مضمونه الانساني والديني والثقافي و الوطني، فتعاملت مع الجيل الفلسطيني كأنه مجموعة من قطعان الخراف، فلم تقدم السلطة أي رؤية واستراتيجية واقعية لبناء الجيل الفلسطيني الجديد لا ثقافيا و لا علميا و لا مهنيا ولا رياضيا، فلم تبن مستشفى أو مدرسة أو جامعة ولم تطورالتعليم ولا الثقافة، كما قدمت صورة الفلسطيني المنهزم أمام الاحتلال من خلال قبولها للتنسيق الامني و رضاها بالابتزازات المتكررة التي يقوم بها الاحتلال: صورة الجنود الصهاينة وهم يتجولون داخل الخليل و رام الله و غيرهما و يبتزون ويعتقلون الناس رسخت صورة الانهزام لدى هذا الجيل من خلال تعاطي السلطة الفلسطينية واجهزتها الامنية مع الاقتحامات العسكرية الصهيونية بدون ادنى رد عسكري على ذلك، فالجيش الاسرائيلي يقف بين الحين والآخر امام مقرات السلطة ويعربد عليهم بدون ان يردوا و يكون لهم موقف كرامة. والتي قابلها صورة القمع و الاضطهاد لكل تحرك فلسطيني مقاوم، فنرى الأجهزة الأمنية الفسطينية تنزل وتقمع المسيرات و الاحتجاجات بقوة وتصل احيانا إلى قتل المتظاهرين الذين يخرجون للتعبير عن حقوقهم.
أما السجن الثالث فهو المنظمات العالمية الحكومية وغير الحكومية والتي تعمل ليلا نهارا بوضع برامج لا أخلاقية، فتعمل على ضخ مشاريع كبيرة بمسميات الديمقراطية و اللاعنف و حقوق المرأة و غيرها من العناوين، هذه المؤسسات التي تعمل في كل المدن والقرى تتعامل مع الجيل الفلسطيني وكأنه جيل مريض، وكأنه عنيف بالفطرة و كأنه همجي بالفطرة، هذه المؤسسات التي تتظاهر بالديمقراطية انما هي جزء من منظومة افساد المجتمع الفلسطيني و زيادة فساد السلطة الفلسطينية، والتي تهدف إلى نزع هوية الجيل الفلسطيني من محتواها و خلق جيل فلسطيني قابل للهزيمة و قابل للتعايش مع الاحتلال و الاستيطان، هذه المؤسسات التي تعمل على اقناع الجيل الفلسطيني بالتنازل عن حقوقه و ترسيخ حقوق المحتل في ارضه والتنازل عنها.
وكنتيجة طبيعية لكل ما عاناه هذا الجيل الفلسطيني الجديد بأن يثبت لنفسه أولا و للعالم ثانيا أنه رقم صعب في هذه المعادلة، فكل التراكمات التي ذكرناها سابقا خلقت لدى هذا الجيل في عقله الباطني ضرورة التحرك و المبادرة والرد القوي على اضطهاده المستمر.
فما كان من هذا الجيل إلا أن يوجه سكاكينه أولا للمحتل الصهيوني و بمبادرة فردية تعجز القوة الأمنية الاسرائيلية و أجهزة السلطة الفلسطينية التي تساعدها و تقدم لها المعلومات عن اكتشاف أو انذار لما سيحدث. هذا الجيل الفلسطيني الجديد يعمل بعقله الباطني فيتواصل افراده من خلال شيفرة لا يفهمها الا هو و لا يوجد اي تكنولوجيا او خبير في العالم يمكن ان يحلل هذه الشيفرة.
وهكذا اخترع هذا الجيل «النايفوفوبيا» – رعب السكاكين – ليرد على الاحتلال الاسرائيلي و يعطيه درسا، كما ان هذا الجيل يلوح في سكينته للسجان الثاني والثالث أنه قادم ليقتص منهم حتى وان دفع حياته ثمنا لانتقامه منهم.

صهيب زاهدة- فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية