ـ بلوغ الاتصال بالعالم عن طريق نية التجديد وهذا ما أسميه الإبداع، يمر بمرحلة أساسية ورائعة. إن هذا الإنسان الذي يعمل في حقل الجمال أو الإبداع الفني، لا أسميه الجمال بل أسميه العمل التجديدي، هو ابن أرضه أولاً، وابن جغرافيته، وقد مرت عليه شروط هائلة وكونته. فإذا استطاع أن يتداول هذه المادة أولاً سهل عليه كثيراً الاتصال بالعالم الأبعد، أي الحلقة الثانية. مثلاً أنت سوري، لبناني، فأنت تنتج أشياءً من صلب المشاعر السورية أو اللبنانية. هذه المرحلة الجغرافية الدقيقة تفسح لك المجال للغوص في ما يسمى بمطلق الحساسية. طبعاً نحن نقول مطلق الحساسية، ولكن هل هي موجودة؟ هل هي سهلة التداول؟ هذا بحث آخر. توجد أطياف أخرى لصيقة بشكلها الخام بالطيف الأول، أي المحيط الجغرافي الأول، البيئة. فالأشكال، إن كانت أدباً أو عمارة أو تشريعاً، ثبت حتى الآن أنها تبدأ بالبيئة الجغرافية، بدراستها بتعمق شديد وبإخلاص، ثم نستطيع أن نحاور العالم الخارجي. هذا البحث أقوله للمرة الأولى من ناحية استخدام المادة في صناعة، كلمة صــناعة غير جدية في عطاء إنساني ذي قيمة. نحن بحــاجة شـــديدة جداً للعـــطــاء العادل، لأنه يبدو أن الإنــســان قد فقد كثيراً من لحمه وأصبح هيكلاً عظمياً.
الفن اليوناني أو الروماني له مقاييس تشريحية يعتقدون أنها متكاملة، فوقعوا في شروط مسبقة الصنع. بعد عشرات القرون رُفض هذا في الفن الحديث، فقالوا نحن لا نريد الصورة الموجودة في الطبيعة، لأنها موجودة سلفاً، بل نريد الصورة ذات العطاء السيكولوجي. وما هو العطاء السيكولوجي؟ أن ترسم أشياءً بعيدة عن علم التشريح؟ لا، لا أريد أن أرسم أشياء بدائية مغلوطة. لا، لكن هنالك ما يسمى بالشكل الثاني للوجه. ما هو الشكل الثاني؟ أن يكون مرسوماً بعقل غبي؟ لا، فعندما رسم بيكاسو وجوهه لم يكن غبياً. أيضاً عندما رسم النحات الآشوري وجه نبوخذ نصر لم يكن غبياً. الفنان الآشوري وضعه، أما بيكاسو فقد حطم الشكل الموجود، رفضه، قال لست بحاجة إليه، أنا أرسم وجوهاً تحمل الكثير من المعاني، النقد، السخرية. بنية إقفال الوجه كله. للوصول إلى تكوينات بصرية ذات تناغم أو تضاد هرموني. أي أنه فتح باباً على ساحة مجهولة. هي ليس مجهولة، نسميها ساحة الشجاعة في تغيير العالم، ولو كان ذلك على حساب التغاضي عن قيمة البراعة.
تشكيلياً الشكل الأساسي المرسوم مرفوض لأنه موجود. هذا الفنجان موجود ومن العبث أن ترسمه مرة ثانية، ولكنك استغليت تكوينه في مساحات أو غرافيك معين أو لون معين كنوع من أنواع المؤثر البصري. فوجود عملين لشكل واحد من قبل فنانين مختلفين، أنا أعتقد أن الحكم يعود إلى قوة الإثارة البصرية تشكيلياً فقط. هذا من ناحية الرسم. أما أن ترسم معركة ما بين أطفال الحجارة وما بين الجيش الإسرائيلي في لوحة فهذه قضية لها منحى آخر. فاستعمال رموز لونية ورموز غرافيكية من دون أي موضوع تصبح التسمية خطأ، لأنها تنقل الـ Fact المأساوي للثورة الفلسطينية بلوحة ذات معطى بصري خالص لا يحتمل أي فلسفة ولكن من الممكن أن يمنحك جزءاً بسيطاً جداً أنت تصنعه من رؤيتك للمأساة وترجمتها لوناً وغرافيكاً. أما الشاعر فيستعمل مجردات ذات مغزى، شعر العقل بمأساتها وصورها بذهنه، قضية الدم والقتل والظلم والوحشية الموجودة في الموضوع. فالحرية المعطاة في الشعر غير الحرية المعطاة للرسام، هنا يبدو واضحاً الاختلاف الشديد ما بين العاملين الفنيين.
لقد سبقنا غوته بزمن بأنه أعطى القيمة الفنية للشكل سواء كان ذلك في الأدب أم في التصوير. أي القيمة الكبرى للشكل، اللباس الذي يرتديه العمل الفني، إن كان في الأدب أم في الرسم. فأرى هنالك مأزقاً، هل يستطيع الرسام أن يصور مأساة تقع كل يوم بكل موادها؟ وإذا فعل ذلك هل يستطيع أن يبلغ حجم المأساة؟ الذين يستعملون الكلمة نصف الطريق محلول لديهم، ولكنني أظن أن الفنانين التشكيليين محرومون من ذلك. أي تحتاج إلى الكثير من التنازلات في مفهوم طهارة الشكل، الشكل كتجريد بصري، وحتى الآن لم تحل هذه النقطة عندنا، عند المصورين. إلا إذا استعملت أشكال آدمية أو حيوانية.
إن الجسر ما بين اللوحة نفسها والمتلقي، ليس الفنان نفسه بل الزائر لهذا العمل الفني، إن لديه مطلق الحرية في أن يترجم ويحور، نحن لا نتدخل. ولكن المفروض أيضاً مشاركة المتلقي بمعطيات التحديث في بناء الشكل. التحديث ضروري جداً لأنه خطوة إلى عالم جديد. خطأ، صواب، ولكنه خطوة إلى عالم جديد. الاتجاهات الفنية في أوروبا الآن لا يهمها إن كان يسير في اتجاه خاطئ أم لا. المهم التجديد الذي يقوم به عقل بشري يعيش في عام 1998. هذا أمر هام جداً.
عن «فاتح وأدونيس: حوار».
غاليري أتاسي، دمشق 2009.
ولد الفنان التشكيلي السوري الكبير فاتح المدرس (1922ـ1999) لأب عربي من أسرة إقطاعية عريقة، ولأمّ كردية متواضعة المحتد؛ في قرية حريتا، قرب مدينة حلب، وفي بيئة اجتماعية ـ ثقافية تختلط فيها تراثات العرب والكرد والتركمان؛ قبل أن ينتقل، مع أسرته، إلى حلب المدينة، بعد مقتل والده، ثمّ إلى لبنان حيث تابع دراسته في الكلية الأمريكية؛ فكان أن اكتظ وجدانه، مثل ذاكرته البصرية، بخلائط شتى من الصور والأقاصيص والرموز والأساطير المنتمية إلى هذا التنوع البشري والجغرافي.
وفي سنة1952 فازت لوحته «كفر جنة»، التي تصوّر قرية سورية شمالية، بالجائزة الأولى في المعرض الثالث للفنون التشكيلية، الذي احتضنه المتحف الوطني في دمشق، وشارك فيه كبار فناني سورية التشكيليين آنذاك. بعدها سافر إلى روما للدراسة، وشاءت المصادفة أن يلتقي هناك بالفيلسوف الفرنسي جان ـ بول سارتر، الذي لفت انتباهه شعرالمدرّس، فترجم بعض قصائده إلى الفرنسية. ذلك لأنّ الشعر كان الفنّ الآخر الذي شدّ المدرّس، فكتب ونشر منذ أواسط الأربعينيات، وفي عام 1959 أصدر مجموعة (بالاشتراك مع شريف خزندار) بعنوان «القمر الشرقي يسطع على شاطئ الغرب»؛ وأخرى عام 1990 (مع حسين راجي)، بعنوان «الزمن الشيء».
فنّ ثالث، هو القصة القصيرة، انساق إليه المدرّس منذ عام 1957، حين أصدر مجموعته «عود النعنع.
كانت باريس محطة دراسية ثالثة في حياة المدرّس، فحصل على الدكتوراه من أكاديمية الفنون الجميلة سنة 1972، وعاد إلى سوريا ليدرّس ويرسم ويعرض ويشارك في الحياة التشكيلية والثقافية على نطاق واسع. ولعلّ أبرز مشاركاته الدولية كانت في روما، تلك السنة أيضاً، حين عُرضت أعماله إلى جانب براك وميرو وبيكاسو وغيرهم؛ وأمّا معرضه الأكثر تميزاً، بالمعنى الفنّي والتاريخي، فقد كان مع فنان سوري حلبي كبير آخر، هو لؤي كيالي، في متحف حلب، سنة 1976.
بدا المدرّس سوريالياً، لكنه اختطّ أسلوبيته الشخصية، التي تسيدتها شخوصه الإنسانية وكائناته ورموزع وأساطيره وأماكنه، على امتداد عشرات اللوحات الفذة، التي نالت الإعجاب حيثما عُرضت، وكرّست الفنان كواحد من كبار مبدعي سوريا الحديثة. في سنة 2008 باعت «كريستي» لوحة المدرّس المعنونة «عشتار»، بمبلغ 176.500 دولار أمريكي، وبعد سنتين باعت لوحة «بلا عنوان» بقيمة 347.500 دولار؛ ومن حسن الحظ أنّ عمله الخالد «التدمريون» ما تزال محفوظة في متحف حلب.
نصّ: فاتح المدرّس