«الحاج» فلاديمير بوتين

حجم الخط
1

بنبرة حزن وشجن لا يوصفان وبلغة مجروحة يصعب أن نجدها عند مؤرخ كبير كابن الأثير يتحدث الأخير في كتابه الكبير « الكامل في التاريخ «، نجده يصف بها دخول المغول لبلاد الإسلام، وكأن الرجل لا يصدق أخبار القتل والدمار الذي لحق الإسلام وشملت لعنتها أبناءه. يقف الرجل مشدوها أمامها، كأن التاريخ سيستثني الإسلام من منطقه الماكر الذي كان ابن الأثير الأصلح أكثر من هيغل نفسه لمعرفته بتواريخ الدول والمماليك أن يعترف بهذا المكر ويستريح، هذا المكر الذي عرفه وعرّف به ابن خلدون فيما بعد سقوط الأندلس واكتمال لعنة التاريخ على المسلمين بعد أن خنثتهم الحضارة وسلبتهم فضيلة العصبية بحسب المنطق الخلدوني.
بالتأكيد التاريخ، أي تاريخ ليس فقط تقدما خطيا لحضارة ما، ما فتئت تسعد به ويسعد بها، وترضى عن مصيرها ضمنه، إذ سرعان ما يمكر بالفرحين به، خاصة حينما يفتقدون للقدرة عن الدفاع عن أنفسهم، وبخاصة حينما يحتاج البشري إلى مساعدة خارجية ويتعلق قلبه بيد أجنبية تدافع عنه، إذاك يشرع في دخول دائرة انحطاطه، فينتهي به الأمر إلى الخضوع للطغاة ولنير قسوتهم، فيستلذون بدورهم باستعباده، فيما يُظهر هو تلذذا حزينا بعبادتهم، نظير حفاظهم على بقايا ما يشدهم إلى الأرض وما يربطهم بالحياة.
ابن الأثير ورغم تردده في التصديق بحالة الإسلام المأساوية تلك، بل وبالرغم من عدم قدرته على الكتابة عنها فقد ألزم نفسه ما لا تقدر عليه، يقول ابن الأثير « لقد بقيت عدة سنين معرضاً عن ذكر هذه الحادثة استعظاماً لها، كارهاً لذكرها، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مِت قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعاً، فنقول: عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، وإلى الآن، لم يبتلوا بمثلها؛ لكان صادقاً، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها.»
المسلمون اليوم سواء صدقوا أو لم يصدقوا فهم اليوم يعيشون تحت رحمة غزاة آخرين في شدة وغلظة المغول المرعبين وفي نفس قسوتهم أو ربما أشد قليلا أو أكثر فتكا وقهرا ومأساوية وخبرة بأشكال الدمار والتدمير والقتل، فمسلمو اليوم هم أيضا يشبهون لحد بعيد مسلمي البارحة الذين فتحوا أبواب دار السلام لهولاكو وأسلموا بقية مدن الإسلام وعواصمه لتتار عن يدٍ وهم صاغرون ليخربوا بيت الحكمة ويبيعوا نساء المسلمين وصبيانهم ويبتاعونهم بأموال بيوت المسلمين المنهوبة، إنهم الآن في درجة الخوف والتخلف الذي صادف مجيء القبائل التتارية، ليكون الدمار نفسه الذي يملأ مدن الإسلام وأرواح المسلمين اليوم والذي ملأها ذات تاريخ بأخبار استطار شرّها وسار خبرها في بلاد الإسلام كسحاب استدبرته الريح.
من بين الأخبار التي تؤكد أن مسلمي الأمس المغولي هم أنفسهم مسلمو الغزو الروسي اليوم، هي أخبار الجنون نفسه الذي يتكرر وبنفس الحدة والعمق والعماء والعمالة للأجنبي والدعوات التي تتكرر ولا تنتهي للاستقواء به، فمن بين قصص الجنون الجموحة في مجونها التي تتكرر كل ذات غزو أجنبي لأرض المسلمين قصة إسلام بوتين الذي اكتشف البعض أن أصله عراقي واسمه الحقيقي عبد الأمير أبو التين، وأن أباه كان بقالا بسيطا يبيع التين في مدينة الناصرية جنوب العراق، واسمه هو جاسم أبو التين، وهذا الرجل الفقير كان يبيع فاكهة التين المجفف في فصل الشتاء والتين الطازج في فصل الصيف، وكون هذا الرجل غير متزوج فكانوا يطلقون عليه جاسم أبو التين، ولأن الرجل كان فقيراً في بلاد العروبة الغنية بالنفط فقد هاجر إلى روسيا، تزوج جاسم ابو التين هناك، من امرأة روسية اسمها « ماريا ﻻفنونوفا » وأنجبا طفلاً اسموه «عبد الأمير»، ولأن كان يصعب على الروس النطق به بهذا الشكل العربي المحرج لحبالهم الصوتية فقد اختصروا تسميته بـ «فلاديمير» لسهولة النطق، كما اطلقوا على جاسم أبو التين «بوتين» لسهولة النطق أيضاً، وأصبح اسم الابن في بطاقة الأحوال الشخصية «فلاديمير بوتين» أي عبد الأمير أبو التين.
القصة رغم أنها لا أساس لها من الصحة ويصعب على صاحب الجسد السليم دون أن يكون حتى صاحب عقل سليم أن يصدقها، غير أنها منتشرة بين كثير من العرب هذه الأيام، بل وهناك كثيرون من صدقها، خاصة مع التحريض الإعلامي المحموم لصالح التدخل الروسي في أرض الإسلام حد الاستعانة من إعلام أقرب للكوميديا والـ ( تهييس ) منه للواقع ومعالجة وقائعه بالفوتوشوب والرسوم المتحركة ومقاطع الرسوم المتحركة لربما ومشاهد ملفقة لأحداث لا توجد إلا على شاشات الألعاب الإلكترونية لإظهار القوة الروسية حاميتنا الجديدة القادرة على الفتك والمتمكنة من أساليب القتل والتي لا تلعب ولا « تهزر»، في عبادة جديدة للعدو وفي إعجاب بالغالب الذي يلخص عند ابن خلدون آخر درجات العدمية والانهزامية الحضارية.
بلا شك نحن لسنا إلا أمام استعادة تاريخية جديدة لقصص معاناة الإسلام مع طائفةٍ من أهله، من قبيل شهادة فقهاء بغداد على جدوى فتح أبواب بغداد لهولاكو، وبعدها الشهادة على اعتناقه الدين القويم، وعدم التوقف عند هذا الحد بل الشهادة بإسلام كثير من ملوك وأمراء التتار الذين أشبعوا سيوفهم من دم المسلمين، في فذلكات وتمثيليات انطلت حتى على مؤرخي الإسلام، حتى يقول الإمام الذهبي عن سنة 694 هـ « وفيها دخل ملك التتار غازان ابن أرغون في الإسلام، وتلفظ بالشهادتين بإشارة من نائبه « نوروز «، ونثر الذهب واللؤلؤ على رأسه، وكان يوما مشهودا، ثم لقنه « نوروز « شيئا من القرآن، ودخل رمضان فصام ، لكن هذه الصورة التي قد تبدو جميلة ورومانسية جدا سرعان ما تتغير حين يتابع المرء الأحداث التي تمت في عهد هذا السلطان، فقد هاجم وجيشه الشام مرات ودارت بينهم وبين أهل الشام معارك كبيرة قتل فيها هذا السلطان المسلم الكثير من المسلمين!، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية المعاصر للغزو المغولي كان يقول للمسلمين الذين صدقوا قصة إسلام الأمير المغولي:» إذا رأيتموني من ذلك الجانب – يعني الذي فيه المغول – وعلى رأسي مصحف فاقتلوني «.
بوتين والمسيح الدجال إسمان لمَهمة واحدة، كلاهما في الأرض قاتل وفي السماء أيضا قاتل، غير أن بوتين يتميز عن المسيح الدجال بخصالٍ كثيرة أولها بطبيعة الحال أنه يفوقه بعين واحدة، ثم بالتأكيد يفوقه في وحشية القتل وقساوته، لأن ما يفعله بوتين الآن من القضاء على احتياطي سوريا من البشر المعارضين لبشار وشبيحته لم نقرأ عنه في نصوصنا المقدسة عن الدجال وفتكه، فالطائرات الروسية في العراق كما في سوريا أمسى يظهر أن نصيبها من المدنيين هو أكبر من نصيبها من الدواعش الذين جاءت الطائرات الروسية لغرض حماية الجيش العربي السوري من شدتهم المرعبة، ومن رغبتهم الجموحة في التوسع على غير الترسيمة التي رسمتها لهم روسيا ونظام بشار أنفسهم، الطائرات الروسية إذن بدأت في تدمير كل شيء في الشام، تحطيم أسقف البيوت التي لم تنهدم، ولتتمم مهمة تدمير ما سلِم تدميره، وتبيد من لم تقتله بغازاتها الكيماوية التي سلّمتها من قبل لجنود بشار، فعلى على الأقل المسيح الدجال يقال ـ والله أعلم ـ أنه سيُبقي على من اتبعه، وسيُهلك من خالفه، أما طائرات بوتين فلا تريد أن تبقي على أحد أصلا، على يد قنابلها ستكتمل لائحة النساء والرجال والأطفال الذين سلموا من الموت بسبب أخطاء براميل طائرات بشار المتهالكة.

محمد صلاح بوشتلة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية