الحب والإحباط كما عرفتهما القاصة السلوفينية برينا سفيت

حجم الخط
0

الحب توأم الإحباط، هذا ما تود برينا سفيت (1954) إخبارنا به، في مجموعتها القصصية الأخيرة «تعريفات جديدة للحب» (2017). الحب ليس أمراً يسيراً، هو ليس سقف الطموحات، بل هو قلق، صبر، لذة عابرة، هو عبودية طوعية في بعض الأحيان، تتقاسمه شخصيات قصصها، وتذكرنا بأن الخيانة، مهما اختلفت درجاتها، هي وجه مُكمل للحب، لا نخجل منها، بل نتحملها كما هي.
الكاتبة السلوفينية برينا سفيت تهتم كثيراً بالتفصيلات، تعتني بديكور القصة أكثر من الحدث أو التوتر أو تغيرات القصة ذاتها، في كل واحدة من القصص العشر، التي وردت في الكتاب، سيجد القارئ نفسه أمام تجربة مختلفة، في قصة «حديقة زوجتي» سيتعرف على أنواع الخس، وأن كل مدينة إيطالية اخترعت خساً باسمها، وفي قصة «سنونو النافذة الصغير»، سيجد شخصية إيزمي وايت، التي تقضي وقتها، في ترديد أنواع نادرة من العصافير، الكتابة عند سفيت تقوم على «دقة الملاحظة»، حيث لا يغيب عليها وصف أزياء وأقمشة شخصياتها. كما إن قصصها ليست محصورة في مكان واحد، بل تدور بين أكثر من فضاء، في مدن كثيرة، من ليوبليانا إلى نيويورك، مروراً بباريس وبوينس آيرس.
شخصيات برينا سفيت، من الجنسين، هم في الغالب من الكتاب أو المُترجمين، هي قصص عن مثقفين، نجحوا في حياتهم المهنية، وأُحبطوا في تجاربهم العاشقة، أشخاص يعيشون داخل دوائر مغلقة، معلقون أو مفصولون عن محيطهم، انطوائيون مرات، وكل واحد منهم يبحث عن الحب، في مكان ما، يتخيل شكلاً مثالياً له، لكن في أكثر الأحيان يكون «الحب» بجانبهم، على بعد خطوة أو خطوتين، بدون أن ينتبهوا إليه، في الشقة المُقابلة، من عمارة مكونة من عشرة طوابق، أو في مقهى، في زاوية الشارع، الذي يُقيمون فيه. العزلة هي السبب الذي يحرك شخصيات برينا سفيت للبحث عن الحب، أو بالأحرى البحث عن شريك، هم لا يتحدثون عن الحب، لا يتبادلون كلمات تعبر عنه، لا يبدو عليهم الانبهار، قليلو الكلام، يعيشونه فقط، يجربونه، وفي النهاية يستحيل دائماً إلى خيبة وإحباط، ففي كل القصص تظهر شخصيات في منتصف العمر، وأخرى تجاوزت سن التقاعد، شخصيات جربت الحب في شبابها، ثم ضاع منها، لتكرر المُحاولة مرة أخرى، ثم تفشل مجدداً. هكذا يبدو كما لو أن الحب مُرتبط بمرحلة عمرية، وتعارض الكاتبة فكرة أن الحب لا سن له، بل بالعكس له سن وسياق بيولوجي، وإن لم يُحترما فلن يخرج عن إطار التجربة العابرة، التي لا بد أن تترك أثرها في نفسيات شخصياتها، الذين سيعودون إلى عزلتهم، التي جاؤوا منها. في هذا الكتاب، برينا سفيت لا تقترح ـ فعلاً ـ تعريفات للحب، بل هو تعريف واحد يتعدد، في أكثر من صورة، هو ذلك الشيء الذي لا يمكن أن نقبض عليه باليدين، هو كل باب يقود إلى تعاسة مكررة، بل تقترح على القارئ، اللعب مع الحب، الركض خلفه، ثم الابتعاد عنه، تضع شخصياتها في مآزق المواجهات المباشرة، تخيرهم بين خيانة صامتة أو مُفارقة عشاقهم السابقين، وكثير منهم يفضلون تجريب الخيانة، ثم العودة للحبيب السابق، كما لو أنهم مراهقون، في منتصف العمر، يُعيدون اكتشاف ذواتهم باكتشاف أشخاص آخرين. «المُفاجأة» تبدو من العناصر الأكثر ثباتاً، في قصص سفيت، تخترع، باستمرار، مواقف لم يكن يتوقعها القارئ، تبتكر شخصيات، تبدأ ثانوية وتنتهي كشخصيات رئيسية، وتخبرنا أن الحب هو ـ دائماً ـ ذلك الشيء، الذي لا نتوقع حصوله. كتبت قصصها عن شخصيات، تعيش في المتخيل أكثر مما تعيش، في الواقع، شخصيات لها مرجعيات أدبية ـ تتقاطع مع مرجعيات المؤلفة نفسها ـ يقرؤون لرولان بارت، سوزان سونتاغ، فرجينيا وولف أو أليس مونرو، كما لو أن برينا سفيت تكتب عن نفسها، بدون أن تصرح بذلك.
رجل يفقد زوجته، ليكتشف بعد سنة من وفاتها أنها كانت تعتني بحديقة، بعيدة عن بيتهم، وأن لها عشيقا.. وآخر يعتقد أن زوجته تخلت عنه وراح يُواعد بائعة في متجر قريب من بيته، لتعود إليه زوجته ـ نادمة ـ وتجدهما في فراشها.. وامرأة لا تود الاحتفال بأعياد رأس الميلاد وحيدة، فتتعرف صدفة على بائع، في محل للأثاث، تقضي معه ليلة ستستمر سنوات.. وأخرى أحبطت من شفاء زوجها، المُصاب بالسرطان، فتقرر هجره، لكنها تفشل. تتنوع عوالم برينا سفيت، تنزلق إلى تعقيدات الحياة المعاصرة، التي نحيا فيها، لتسرد علينا «خدعة» الحب النقي، الذي يؤمن به الكثيرون، بدون أن يجدوا له ظلاً في حياتهم.
برينا سفيت، التي عُرفت كروائية ـ بالدرجة الأولى ـ في سلوفينيا، ثم في فرنسا (حيث تقيم)، خصوصاً مع نصها الأول: «أبريل» (1984)، لتنقطع عن الكتابة والنشر أكثر من عشر سنوات، ثم تعود مع «علاقات عادية» (1998)، أما آخر رواية لها، فكانت في 2011 «ليل في ريكيافيك»، هي كاتبة تتموقع، في منطقة وسطى، بين التأريخ والحكي، تكتب وتصر على الكتابة عن هويتها المعقدة، عن سلوفينيا من الداخل والخارج، عن علاقة الإنسان بالأمكنة، عن «الهوية» التي كلما أفرطنا في التعلق بها قتلتنا. هي مثل مئات الآلاف من أبناء بلدها: من جد وُلد بهوية نمساوية، وأب يوغسلافي (رغماً عنه)، ليجد الأبناء أنفسهم (قبل ربع قرن من الآن) بهوية سلوفينية. هذه الهوية المعقدة هي أدرينالين الأدب في سلوفينيا عموماً (التي وجدت مكاناً لها بين ثقافتين كبيرتين: ألمانية وإيطالية)، وهي السبب في كل المعارك الفكرية، مع أن التاريخ لم يسجل للسلوفينيين أكثر من حربين اثنين: حرب عالمية هزموا فيها النازية، وقبلها حرب دامت قروناً لإثبات الهوية. قبل سنوات، أصدرت برينا سفيت كتيباً، يعبر عن حالتها، وعن حالات كتاب من بلدها، وعن علاقتها بالكتابة، بعنوان «مديح مختصر للقطيعة»(2009). تنطلق في هذا الكتاب، من واحدة من مقولات إميل سيوران: «يجب ألا ننشر سوى الأشياء المؤلمة، تلك هي الأشياء التي تبقى في الذاكرة»، فالكاتبة لا تنفي أنها تعيش في «فوضى خصبة»، تشظي الهوية كان واحداً من الأسباب التي دفعتها للكتابة، والنشر، بإيقاع منتظم، في السنوات العشرين الماضية. في كتبها الأخيرة، كما في مجموعة «تعريفات جديدة للحب»، تحضر رقصة التانغو، تصر على تكرارها، هي أكثر رقصة تشبه شكل كتابتها، غير المستقرة، المشتتة، بين أكثر من مكان وأكثر من انتماء، التانغو هو «لغتها الخفية»، وتحدثت برينا سفيت ـ بشكل مقتضب ـ عن علاقتها بالتانغو في كتابها «وجه سلوفيني»(2013)، وهو عبارة عن بورتريهات لأبناء وأحفاد السلوفيينين، الذين غادروا بلدهم، بعد الحرب العالمية الثانية، ولجأوا إلى بوينس آيرس، ذهبت الكاتبة لملاقاتهم والكتابة عنهم، لممارسة شغفها بالتانغو، ولتكمل الجزء الناقص من سيرة جيلها، هي لا تعتبر نفسها سلوفينية كاملة، ولا تنتمي إلى أي هوية مُغلقة، بل تعتبر نفسها «كاتبة من خلف الحدود»، لا تنتمي لأي مكان، ولا تثق في المكان الواحد، وهذا ما يفسر ربما نظرتها المُتشائمة للحب، فهي لا تشعر بالاطمئنان لأي استقرار.
روائي جزائري

الحب والإحباط كما عرفتهما القاصة السلوفينية برينا سفيت

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية