«فالذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أيضاً ما هي الحقيقة»
أفلاطون
من الطبيعي أن تكون الحقيقة تحت التهديد بالزمان مثل الحب، فكلاهما يتوجهان نحو الخطر، لأن كل ما هو مقبل من الضياع، لا بد أن يكون قدره الخطر، إذ ليس هناك علاقة حب رومانسية تحمي نفسها من التهديم والتصفية، بدون العودة إلى الحقيقة، إنها الضامن على الاستمرار، ولذلك فإن هذا الطابع الرومانسي للحقيقة هو ما يجعلنا نتساءل عن مدى صحة هذه العلاقة بين الحقيقة والحب الرومانسي، وبعبارة أوضح، كيف يمكن لمن يبحث عن الحقيقة أن يعيش تجربة الحب الرومانسي؟ بل هل نستطيع تطبيق الحكمة الأفلاطونية في هذا العصر المضطر: الحب هو الحقيقة؟
في قلب شاعرية الوجود تُسرع الكتابة الفلسفية الخطى لتلتحق بآخر ومضات الرومانسية حين تلمع فوق منارة الحب والحقيقة، لأنها ابتكار للمخاطرة المنبثقة عن جدل الحب والحقيقة، في مواجهة الآمان والطمأنينة باعتبارهما مجرد أوهام الحب بدون عشق مرتب بتلقائية وسطوية تقوم على الاستهلاك مليئة باللذة الألم. والحال أنه :»يجب أن يبتكر الحب من جديد كما يقول الشاعر رامبو، كما أنه يجب أن نبدع الحقيقة، فالحب التزام أبدي يتجه إلى المطلق، والمطلق هو مسكن الحقيقة، فكيف يمكن لحسن الجوار أن لا يجعل منهما اثنين بروح واحد؟، وهل معنى ذلك أن الأنا تغرق من خلال شئيتها في تلك القوة التي ابتكرتها؟، هل تعود إلى أصلاها المقدس للتخلص من نفسها؟، ألا يكون هذا المرض النرجسي مصدراً للمأساة مع الحب والحقيقة؟، ألا تكون الحقيقة ذاتها مجرد أوهام مثلها مثل النساء؟.
«لا يريد شوبنهاور أن يسامح النساء أبداً لأنهن عشن شغف الحب ومنحن للرجال تجربة المعاناة والموت، بيد أن شوبنهاور الذي أختطفه ليل الجنون وأسكنه في عتماته، لم يكتشف بأن إرادة الحقيقة تنتج عن إرادة القوة، باعتبارها معاناة، لأن نشأة الفلسفة في عصر المأساة ليس سوى دهشة فلاسفة ما قبل سقراط أمام حقيقة الوجود، كما يقول نيتشيه».
عندما ينظر الفيلسوف إلى هذا الوجه الجميل، فإنه يتحرك اتجاه الجمال ويبحث عن حقيقتها، ولذلك يمكن تسميته بالمنقب الجيد عن الحقيقة، لأنه إنسان مفرط في إنسانيته، شغوف بالعشق، رومانسي بالماهية، مؤمن بالحرية، مخلص للفكر، هكذا يكون قدره امتزج بقدر الحقيقة، مما حكم عليه بالذوبان في الحب، إلى درجة أننا لا نستطيع التمييز بين الحب والمحب، وبلغة سقراط الساخرة، فمن يحب أكثر؟ هل الحب أم المحب؟ هل المرأة أم الرجل؟
بدأ كل شيء صدفة، وفي أعماق المأساة ظهر للفلاسفة: «لأن طبقة الفلاسفة والعلماء لم تكن موجودة في ذلك العصر، لقد كانوا جميعاً في وحدتهم المهيبة الوحيدين الذين عاشوا حينذاك للمعرفة فقط». فبواسطة المعرفة ثم تشيد مملكة الحقيقة، وحكم على الفيلسوف بالإقامة الإجبارية فيها، ولذلك وجد نفسه يحرسها، يخاف عليها من أعداء الفكر والحرية، ولكنه يغرق في العزلة، يغازلها قائلاً: «أنت وطني أيتها العزلة، ليس لي وطن غيرك، طالما انتظرك». لكن أين يوجد الطريق المؤدي إلى وطن العزلة؟ ولماذا أن الفيلسوف تنازل عن وطنه من أجلها؟ ألا يكون هذه المرة في خطر؟
لا يكتشف المرء أنه غارق في الحب إلا عندما يتألم من شدة المعاناة، وحدها المعاناة تميز تاريخ الحب عن تاريخ الحقيقة، ذلك أن مأساة الحب تكون بين اثنين، في حين تكون المعاناة في الحقيقة مصدرها وحدانية الواحد، والشاهد على ذلك عزلته، لا يجد من يحبه، يستنجد بالغرباء، ولا أحد يسمعه، تلك هي حقيقة الفيلسوف، ما دام أن الحقيقة غريبة، فالفيلسوف نفسه غريب، يحاور تاريخ الفلسفة، يتخذ من الحقيقة هدفه، ومن الحب شغفه، ولا أقصد الحب العامي المتداول الذي يحكمه قانون التكرار، لأن العلاقة الجنسية تنتهي إلى الفراغ، حيث يبدو الجسد سطحيا وسخيفا، لأن توقف شعلة الروح أفقدته النور المقدس، فالحب له تأثير أنطولوجي أكثر من تأثيره الفيزيقي، لأنه يركز على وجود الحر في ذاته، هكذا يصبح مصدراً للحقيقة. والحال أن الوجود المتدفق من ذات الآخر يمنح للحياة معناها، ها هنا يصبح الخطاب الرومانسي مشتركاً بين الحب والحقيقة، وبعبارة أدق إن الحقيقة تتحرك حسب مشيئة الحب، ونشوة الزمن، فبعنايتها يتعانق الوجود مع الزمان، فالحقيقة هي ولادة جديدة للوجود في الزمان، كما أن الحب هو مولد العالم من جديد، خاصة عندما يؤدي إلى ميلاد الطفل، الذي سيكون عبقرياً كالحب، لأن الشبيه يشتهي الشبيه، ولذلك نجد الشعراء يعتبرون الحب مصدراً للإلهام، وهذا معنى محاكاة الروح لأصلها.
قد يكون هذا المفهوم الرومانسي متطرفاً يسعى إلى إرجاع الشيء إلى أصله عن طريق الحنين، بيد أن الحقيقة لا تعترف إلا بنفسها، ولا ترى غير وجهها في المرآة، نرجسية، محرضة للحماسة، تشبه السياسة التي تدفع الإنسان إلى المشاركة في الثورة على الاستبداد، إنها مرح الروح مع نفسها. فبأي معنى تتحرك الحقيقة نحو الإنسان وهو يهرب منها؟ ألا يكون هذا الإنسان قد أعلن عن نهايتها؟ ومتى ستحقق هذه النهاية كمالها ولماذا اختارت العالم العربي؟ هل لأنه هو الفضاء الشقي بامتياز؟.
الواقع أن الذي يعتقد أنه يعرف الحقيقة هو في الوقت نفسه من يجهلها، ومن العبث أن يمر الإنسان بهذا العالم بدون أن ينعم باكتشاف الحقيقة ولو مرة واحدة في حياته. نعم لقد مرت الحقيقة من هنا ولم نرها، كانت تطير فرحاً، ونشوة، بيد أن دراما الحروب السياسية والدينية حرمتنا من نشوة الرؤية واللقاء، وأضحى أملنا أن تعود إلينا مع طلوع شمس الحرية، لأن كافة الشعوب شبعت من الحرية وانصهرت في جسد الحقيقة، إلا هذا الشعب الذي اختار الحياة الوسطوية نموذجاً له، لأنه يفسر عظمته، انطلاقا من انكماشه في العقيدة، والفكر الوسطوي كان فكراً ثيولوجياً يتحكم فيه رهبان الكنيسة، وفكرنا وسطوياً يتحكم فيه رهبان السلطة.
كاتب مغربي
عزيز الحدادي