«الحجاب واللاحجاب».. ثنائية لن تنتهي مادُمنا ندور في فلكها

حجم الخط
0

القاهرة – غدير أحمد: منذ كنا صغيرات ونحن نرى النساء إما محجبات وإما غير محجبات، ولم يختلط «الاختياران» إلا في حدود ضيقة كالمناسبات والتي قد تسمح بكشف الشعر أو ارتداء ملابس شفافة.

ليس اختيارًا حرًا

قد يغضب البعض عندما نوّصف الحجاب بأنه ليس اختيارًا حرًا رغم المحاولات المستمرة «لجعله» يبدو اختيارًا، لسببين:
الأول: أن الحجاب مُحاط بهالة من التقديس.
فعلى الرغم أنه لم يكنُ رُكنًا من الأركان الخمسة للإسلام، إلا أنه «مُنقّح» ومُسلط عليه الضوء أكثر منها. وقد نُرجع السبب في ذلك لأبوية المجتمع والتي تجعل من أجسام النساء محط اهتمام المنظومة بأكملها.
فنرى الأهل يعاقبون الفتاة على عدم ارتدائها للحجاب بعد البلوغ، بينما لا يحاسبونها على فرض الصلاة؛ مع تحفّظنا على ممارسة سلطة داخل الأسرة على الأبناء.
الثاني: استحسان الحجاب واستهجان كل ماهو دونه.
تسمع أغلبنا كلمة «مبروك» عندما تُرى بالحجاب لأول مرة، بينما نسمع كلمة «ربنا يهديك» عندما تُرى دونه.
هذه العبارات والمصحوبة بالقبول المجتمعي للمحجبة، والنبذ لغيرها؛ تخرج بالحجاب شكلًا وموضوعًا من قالب الاختيار الحُر.
هذا المناخ غير الصحي لا ينتج عنه اختيارًا؛ لأن الاختيارات يجب أن تُصنع في مناخات حُرّة، يقبل فيها الاختيار وكل ماهو دونه.
فحتى لا ننبذ مجتمعيًا، وبحيلة عقلية بسيطة، أغلبنا تخدع نفسها بأنها حرّة في اختيارها للحجاب، بينما هي تختاره بإرادة واعية وغير واعية في آنٍ واحد، وهو ما يجعل «عملية الاختيار» إشكاليّة.
ومن بعض النتائج الاخرى لهذا المناخ، هو ارتداء الحجاب قسرًا، بالمدلول المباشر للقَسر.
فما أكثر المُجبرات على ارتداء الحجاب، ارتضاءً للأسرة وللمجتمع الأكبر، وبخاصة في المجتمعات المحلية والتي تزداد فيها الأصوليّة بشكل ملحوظ، كما لم تخلُ المجتمعات «المُنفتحة» منه.
فمنذ أشهر قليلة دَشنت بعض الناشطات النسائيات حملة رقمية بعنوان: «من وراء حجاب» على مواقع التواصل الاجتماعي المصرية لفتح الباب للمُجبرات على الحجاب بحكي تجاربهن وما يُعانينه نتيجة لهذا الإجبار.
تكمُن أهمية هذه الحملة ومثيلاتها في أنها تطرح أسئلة عن زعم «حرية اختيار الحجاب» والترويج المستمر له كاختيار غير مُعيق للحياة الاجتماعية.
فالحجاب بالفعل غير معيق للحياة الاجتماعية لأنه في الأصل «صك قبول مجتمعي»، بينما يعتبر «خلعه» سببا قويا لسحب هذا الصك؛ وهو ما يُعرض خالعات الحجاب للوصم.

كيف نقاوم الحجاب ونحن بداخله؟

وعلى بساطة السؤال فإنه معقّد للغاية. فأثناء دوراننا في فلك «الحجاب مقابل اللاحجاب»، نشرعن الحجاب بالفعل، ونجعل من هذه الثنائية الفقيرة دربًا لكل النساء المسلمات، فإما هنّ محجبات أو غير محجبات ولا اختيار وسط أو مساحة حرة للخروج من ثنائية «الحجاب واللاحجاب».
فالخروج من هذه الثنائية يتطلب الخروج من هالة التقديس في المقام الأول. وأعني بالخروج هو كل ما يشكل خلطًا في المفهوم الأصولي للحجاب كوسيلة سهلة لضمان «حجب» أجسام النساء في المجال العام.
وبالفعل هناك تكنيكات تتبعها الفتيات كمقاومة سلبية للحجاب القسري. فقُمن بترجمة رفضهن إلى أفعال.
فإن كان الحجاب يضمن «حجب الجسد»، فالحيلة دون هذه التغطية هي الآلية الأولى للتمرد على الحجاب.
ومن بعض هذه الآليات: تغطية الشعر دون تغطية جزء من الشعر أو أطراف الجسم، أو الملابس غير الفضفاضة والشفافة.
كما أن تغطية الشعر بالضرورة ليست تغطية للجسم بأكمله.
فإن توقفنا عن نقد ملابس معينة أثناء تغطية الشعر، فإننا بالفعل قد نخرج من ثنائية «الحجاب واللاحجاب»، بالمزج.
ولتُصبح بذلك «الكارينا والليجن» أسبابا للخروج من الحجاب وليست للإبقاء عليه، كما تم الترويج لها بصبغة دينية لتحقيق مكاسب تجارية.
وقد تُعرّف النساء نفسها ويُعرّفن مجتمعيًا بعيدًا عن «محجبة وغير محجبة» وارتباط التعريف بالهوية، والتي لا تخلو من التحميلات السياسية.
نحنُ لا نختار للنساء ماذا يرتدين وكيف يرتدينه، لطالما لم يُجبرن أحدًا على ارتدائه. فالملابس اختيار شخصي وكل ما يخص الجسد هو شخصي ولا يجب أن يُعرّف المرء نفسه بهوية سياسية دينية في مجتمع قائم على أسس المواطنة.
لعلنا في يوم نترك الخيارات حرُة، والمُناخات صحية للنساء؛ لتحديد ما يُرِدن لأنفسهن.. بأنفسهن.

«الحجاب واللاحجاب».. ثنائية لن تنتهي مادُمنا ندور في فلكها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية