خلافا لغير قليل من الاختيارات الفلسفية، تنحرف الكتابة بشكل تام عن المسارات التي تلح القيم الأخلاقية على اجتراحها لذاتها ولمتبنيها، ذلك أن الكتابة ومنذ طفولة أزمنتها، تتفرد بمنهجيتها الخاصة في تناولها لهذه القيم وفي تشغيلها لها، إنها تتخذ منها مادتها الخام لضبط إيقاعات الكينونة والكائن، من خلال الدفع بعملية تفكيكها إلى أقاصي ما تمتلكه من حدود، مع إعادة تركيبها وفق تفاعلاتها المتداخلة والمتشعبة في حقول إدراك الذات البشرية، بكل ما يقتضيه هذا التركيب من تعقيد يستعصي على التناول البسيط فصل خبيثه عن طيبه، أو تأويل دلالات خلفياته الظلامية والتنويرية، حيث تتراجع ثنائية المقدس والمدنس إلى خلفية الصورة، مفسحة المجال لهذه القيم كي تجهر بالمسكوت عنه واللامفكر في، بصيغة مغايرة إن لم نقل مضادة قد تستعدي عليها القراءات التي تلح على مقاربة الكتابة ضمن وفائها وإخلاصها التام للقوة الاقتراحية المقدمة من قبلها. وخارج مدارات الكتابة، وبموازاة التحولات المتلاحقة التي دأبت مسارات الحداثة وما بعدها على استضافاتنا في رحابها، أمسى الحديث عن القيم مرادفا لمقولة الخوض المرهق والعبثي في عمق تلك الأسرار الغامضة، التي تسعف الأساطير في تلوين محكياتها، أولا بسبب التحولات الجذرية التي عفت على دلالاتها التقليدية، وثانيا بسبب هيمنة إبدالات جديدة على المسلكيات والعلاقات الإنسانية، أساسها التبادل الفعلي للمنافع والمصالح العينية، المتميزة بمردوديتها الملموسة والمباشرة، الشيء الذي تحولت معه الخطابات المنتصرة للقيم الأخلاقية، شبيهة بوصلات إشهارية لمشروب منعش ولذيذ، يُنتظر من عابري الصحارى الافتراضية أن يتهافتوا عليه حال التنويه بماركته المسجلة أو غير المسجلة! لذلك فإن أي منبر يمكن أن يستضيفنا من أجل تشنيف أسماعنا بتراتيل القيم المتسامية، سيكون حتما مصابا بلوثة غباء مزمنة، أو بعاهة استغبائه للآخرين.
إن زمن الحداثة أمسى حاليا منصرفا إلى تجريب أصناف جديدة من التواد، ومفاهيم مغايرة للشرف والخير والواجب والمواطنة والحرية، لا علاقة لها بالمفاهيم الأخلاقية التي تحفل بها المدونات الشعرية أو الروائية الغارقة في طهرانيتها، والتي لم تعد جديرة ولو بتلك الإطلالات التفقدية التي تجود على أصحابها بمتعة استعادة أزمنة لم يعد ثمة أي مبرر لإحيائها. وفي اعتقادنا أن انتصار البعض لهذه المدونات، يعود إما إلى جهله التام بحقيقة المشهد الحضاري الكوني، أو إلى نية تحويل الأنظار عن البعد الإشكالي للإبدالات الجديدة من أجل إلهائها بالمستهلك والمبتذل، مادامت المواصفات المتعلقة بالبعد الأخلاقي، لم تعد مقياسا لوضع أي تصنيف اجتماعي أو معرفي مقنع . وفي حالة بروز ظاهرة ما من هذا الصنف، فإنها لا تعدو أن تكون مقترنة بخصوصية ما من الخصوصيات المندمجة ضمن التوجه العام لمنطق الحداثة، حيث سيكون طقس الاحتفاء بفرد/ مؤسسة /فكرة/ منتوج /أو دولة على أساس تميزه أو تميزها بقيمة أخلاقية ما، مجرد سند مؤقت وعابر لغايات وأهداف لا علاقة لها بالقيمة الأخلاقية التي كانت السبب المركزي في إطلاق حمائم الاحتفاء والمباركة. وتبعا لذلك، تبدو القيمة الأخلاقية شبيهة بلباس فلكلوري على درجة كبيرة من الجمال، لا يليق بأي أحد أن يرتديه خارج طقسه الاحتفالي. إنه ضروري كلحظة نوستالجية تشحنك بمتعة حميمية ليس لها أن تطول، مخافة أن تؤثر سلبا على جهازك الإدراكي، الانفعالي والعقلي! ومع ذلك فحضور هذه القيمة /القيم، يظل أساسيا وضروريا طبعا على المستوى الرمزي، وليس على مستوى الوظيفة المندغمة في مرجعيتها، باعتبار أن تمرير الكثير من التعاقدات الاجتماعية والثقافية، يظل في كثير من المواقف بحاجة إلى سند ذي طبيعة أنثروبولوجية لاواعية، وتلك هي إحدى المفارقات الغريبة التي يتميز بها الكائن الحداثي، إذ على الرغم من انصهاره التام والمطلق في أتون إكراهاتها وإغراءاتها، فإنه لا يتردد في تفقد تلك الودائع التراثية المتراكمة في دهاليز الذاكرة، ليس من أجل فتح أي حوار تفاعلي وبناء معها، على ضوء ما يمكن أن تمده من إشارات، ولكن فقط من أجل الاستجابة إلى ذلك النداء القديم الذي تتردد أصداؤه في أغوار الذات، وفي أحراشها. وهي استجابة توفر حظا إضافيا من الثقة في التداعيات التي يمكن أن تنتج عن مغامرة الاندماج في مسارات الحداثة وطوفانها، مهما كانت خطورتها، وفداحتها. إن الاستجابة اللاواعية لنداء الدواخل المعتمة، تشيع حالة من الطمأنينة الفكرية والنفسية لدى الذات، وتخلصها من أي إحساس بالذنب، على أساس إيهامها بالتصالح مع تاريخها ومع قيمها، وهو ما يشفع لها بممارسة كل أنواع الاختراقات والخروقات المتوقعة واللامتوقعة باتجاه ذاتها ومحيطها، وهي علاقة مطبوعة بغواية الاستسلام إلى سلطة تجريب أنماط جديدة من أنماط المباغت واللامتوقع، التي لا تكف عن استحداثها القوانين الجديدة المساهمة في تدبير منجزات فوضانا الكونية .
إن تأكيدنا على هذه الظاهرة، لا يعني مطلقا إقبالنا على ذرف دموع الأسى على تقلص مساحة الحضور التي تشكو منها ذاكرة القيم، كما لا يعني اغتباطنا الضمني بغروب شموسها، بقدر ما يفيد الدعوة إلى مقاربة التحولات الجذرية التي تتعرض لها البنيات الثقافية والإبداعية الكبرى برؤية مغايرة، تأخذ بعين الاعتبار الاستراتيجيات الحداثية المؤسسة للتحالفات الكونية الجديدة، على ما يتخللها من هنات وأعطاب، وهو ما يمكن أن يساهم نسبيا في رفع الحجب الثقيلة المسدلة بيننا وبين ما يحتمل ظهوره من إبدالات مستقبلية، يمكن أن تكون سببا وجيها في نسج أواصر علاقات جديدة بيننا وبين الآخر، على ضوء التسارع الحثيث لإيقاعات الكون التي تجدد أنفاسها عبر الطي المتواصل لما تنتهي فعاليته من أنساق ومنظومات. إن رفع هذه الحجب ضروري من أجل استشراف آفاق جديدة من آفاق الكينونة المعبر عنها في الكتابة الفكرية والإبداعية، عبر تجاوز مختلف أنواع الانحباسات والعوائق التي تُكره الكتابة ذاتها على المراوحة في مضاربها التقليدية، كي تظل أسيرة الطروحات التقليدية، على الرغم من ادعاءات انتمائها إلى الأزمنة الحداثية، بما يمكن أن يتضمنه هذا الادعاء من التباس وتطاول ومزايدة.
وبصرف النظر عما يتخلل هذه التحولات المداهِمة من سلبيات، قد تعصف جملة وتفصيلا بالأنساق المكرسة عادة من قِبَل العرف/العادة/والتقليد، فسيكون من الخطل تجاهل ما لها من أثر إيجابي في اقتراح أكثر من إمكانية، لمد جسور جديدة بين خصوصيات منظومات معرفية وذهنية متجاورة، التي على الرغم من تباين منظورها لدلالات وأبعاد القيم، يمكن أن تُعتمد -ضمن جمالية الاختلاف الخلاق- كإطار لتواجدات حضارية وثقافية، يستقيم بها التعايش المشترك لنصوص وبنيات معرفية، بعيدا عن أي إسقاطات أخلاقية، أو مركزية قيمية مفتعلة، حيث يستند التفاعل كضرورة وجود، إلى أساس تبادل ترسيمات القول والفعل، والتداول العقلاني للمنجز، أو لما هو في طريقه لإنجاز، بمختلف مستوياته ونماذجه، وليس على أساس تصنيف قيمي ذي مرجعية متعالية، قد تؤدي في حالة تفاقمها، إلى هدم الكثير من الجسور والمسالك. إن المتعالي، والمقدس عموما على ما يمتلكه من أهمية وملحاحية في الفضاءات الخاصة والعامة، هو أيضا معرض باستمرار للإصابة بترهلاته، كلما انصرف عن إعادة النظر في تداعيات تكريسه لتشريعات وقيم لم تعد منسجمة مع إيقاع كتابة، لن تكون أبدا مرغمة على تبني طهرانية مغرقة في شبهتها، حيث النهب ينتشي بقطع الطريق على النهب.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني