تمارس الحداثة الكونية هيمنتها، عبر ما يمكن توصيفه بتقنية الإدمان، على خلفية استحواذها التام على موقع المقدس، الذي حلت بموجبه الرغبة الجامحة في الاستهلاك محل الاستجابة التقليدية لنداء اللاهوت، كما حلت قداسة سلطة السلع محل سلطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إن الإدمان تحول إلى حاجة بيولوجية، أصبح معها بمثابة مقابل موضوعي للوازع الديني المترجم عادة بالإيمان.
إن الحداثة لا تشجع فقط على الاستهلاك، ولا تكتفي بترسيخ الرغبة فيه، وتحويله إلى حالة مزمنة مهما كان ثمنها ومهما كانت عواقبها، بل أكثر من ذلك دأبت على تفعيل ديناميته إلى أن أصبح كل شيء في متناول كل شيء، فالتقنية المصنعة بأقصى درجات التعقيد، قابلة لأن توظَّفَ من قِبل الشرائح التي لا تتوفر على الحد الأدنى من المعرفة والتكوين، خاصة أن هذه التقنية تحرص على أن يكون منتوجها التسويقي منزَّها عن أي إحراج معرفي يمكن أن يُذَكِّر مستعمليها بأميتهم.
إنها تعتمد في تشغيلها على الحد الأدنى من الخبرة، أو بالأحرى على الدرجة الصفر من هذه الخبرة، بسبب سحرية تداولها.
إنها تستدرج أصابع مشغلها وعقله كي يعمل كما لو كان تحت تأثير مخدر، أو كما لو كان يتصرف بصورة آلية. إن القطعة الإلكترونية الموضوعة بين يديه تلقي أوامرها العليا على أنامله كي تشتغل بسرعة وأناقة، من دون استشارة العقل، الخبرة أو المعرفة.
بناء على ذلك، تتساوى الشرائح الاجتماعية كلها، في تشغيلها للتقنية ذاتها، مهما كانت متقدمة ومتطورة، حيث لا فرق في ذلك بين المفكر والأمي، وبين الخبير النابغة والمشتغل بأحط أنواع المهن، حداثيا كان أو منتميا إلى الأحراش النائية من برية الرحمان.
إن هذا البعد السحري الحاضر والمهيمن على إيقاعات الحياة اليومية، والقطاعات الصناعية الأكثر تطورا وتعقيدا، ينهض من خاصية تصنيعه بتلك السهولة المفرطة في الاستعمال والاستهلاك ذات الحدين.
إنها أولا تعمم المنتوج، وثانيا تستقطب وباستمرار جيوشا جديدا من حراس قبيلة الحداثة، التي ينحصر دورها في فاعلية الاستجابة اللامشروطة لغواية التقنية، ممارسة وسلوكا، من دون أن تكون مؤهلة بالضرورة إلى فتح باب الحوار حول الحد الأدنى من الأسس النظرية الفاعلة في صياغة مشاريع هذه الحداثة، التي لا تتحمل فكرة التواصل مع فئة المشاكسين الذين يتجرأون على الكشف عن عوراتها.
إنها بدلا من ذلك تتوجه إلى زمرة المستهلكين السلبيين الذين لا يتجاوزون حدود الامتثال لأوامر الشيء/الآلة/.
والأدهى من ذلك، أن الحداثة تختلق لهم بعض الهوامش الثانوية البعيدة والنائية عن مراكزها، التي يراد لها أن تثير حولها زوابع من النقاشات والانتقادات والتساؤلات المفتعلة. إنها نقاشات متشابهة، سواء كانت بصيغة المفرد أو بصيغة الجمع.
نقاشات لا تنفصل عن أسئلة الاستهلاك الأعمى المطبوع بامتثاليته وخنوعه. إن الحداثة عبر توجهها المبيت هذا، وبأناقة جد متناهية، تتمكن من قطع رؤوس شعوبها وقبائلها ومريديها، كي يكفوا تماما عن التفكير، وكي يكفوا تماما عن النقد والمحاسبة والمراجعة.
أما الأخطار المستشرية والمترتبة على هذه الظاهرة، فتتمثل في تنامي حالة الخضوع، وتنامي حالة الانبهار التي يسهر على رعايتها التجديد الدائم للتقنية وتنامي أنساق تلقيات تظل دائما حبيسة إيقاع استجابتها العمياء والآلية.
إن كونية التنميط الذي تكرسه الحداثة، تحجم مستويات العصيان، كما تعجل بإجهاضها في الوقت المناسب، كي تحتفظ بفضاءات نموذجية قوامها الترويض والتدجين، وحيث تظل قمرة القيادة مجهولة الموقع، ومجهولة القيادة. لا أحد يعلم من يتحكم في إدارتها، ولا أحد يظل مستعدا لطرح أي تساؤل عن أسرارها. غير أن الخصيصة المركزية الملازمة لمسارات الحداثة وما بعدها، هي تلك المتمثلة في حرب التصورات النظرية ذات المرجعيات والمقصديات المتعارضة والمتناقضة، ما يجعلها دائما منفلتة وعصية على التأطير الأحادي البعد.
من المؤكد أنها والحالة هذه جماع ما في أزمنتها من توترات وانشقاقات وتصدعات لا تخلو من أنساق عقلانية، مترعة بأنوار الحكمة، وتفاعلات التكامل والانسجام، المفضية إلى مسكن تلك الهبة الملتبسة المسماة بالسعادة الإنسانية والكونية، على أساس استثمارها لكفايات المنجز الحضاري في أبعادها الكونية، من أجل توجيهها الوجهة السديدة.
إلا أن هذا المكسب لا يتحقق من دون حضور الخصيصة الطبيعية والموضوعية المجسدة في حتمية الاصطدام بتجاذبات النقائض والأضداد. وهو واقع يتعذر إنكاره، أو محاولة تجاوزه بالإنكار أو النفي. ولعل الحاجة الماسة لحضور العقل لدى الكائن، هي نتاج حتمية هذا الاختلال الطبيعي الناتج عن حضور الجسد، في المكان ذاته وخارجه. كما أن الاختبار الكبير الذي يجبر الكائن على التورط فيه، هو عبور ذلك البرزخ الهش الفاصل بين ما ينبغي أن يكون وما ليس له أبدا أن يكون. فيما يطيب للحداثة أن تعدد إيقاعاتها، أن تختلف وتتباين، باختلاف وتباين الشعوب والحضارات، على الرغم من الرؤية الكونية التي تحاول عبثا تعميمها من منطلق أن العالم أصبح مجرد قرية صغيرة تضيق بساكنتها، لذلك سيكون من الطبيعي أن يختلف تصور الشرق للحداثة عن تصور الغرب لها، كما يختلف تصور الشمال لها عن تصور الجنوب، حيث سيكون بوسع عنصر جزئي أن يحدث انقلابا كليا في المشهد الكبير. علما بأننا لن نكون حداثيين بمجرد حضور رغبة كونية ملحة في ذلك.
لأن الحداثة ليست مجرد قناع يمكن اقتناؤه من الأسواق العالمية أو الجهوية. كما أنها ليست مجرد قبعة يضعها الأصلع على ركبته وهو مستسلم لقيلولة الصحراء. إنها نبتة إشكالية لا يتحقق نضجها إلا في قلب العواصف الفكرية، وليس في قلب مزهرية من البلاستيك.
إن النبتة تحتاج إلى أرض حقيقية، إلى تربة، إلى تعاقب الفصول. إلى كثير من الرعد والبرق والصحو أيضا. كما أنها تحتاج إلى الكثير من القلق والغضب والفرح، ثم لا ينبغي أن تغرب عن خاطرك فكرة كون الحداثة ولادة دائمة للغيلان وللكائنات الطبيعية أيضا.
غير أنها وفي فجر هذا الوقت تحديدا، تبدو لي شبيهة بمومس تأصلت في دواخلها كل المناورات الموظفة عادة في فقه تسويق اللذة المستعجلة والعابرة، والمستدرِجة لنزوتك بغير قليل من المكر والابتزاز والتواصل القصير النفس. مومس حريصة على إقناعك بطهرانيةٍ تغار القديسات من تسامي مواويلها. إنها تحاول إيهامك بأن ما يحدث الآن من خلل في كافة المراكز الحضارية، ما كان له أن يحدث، وما كان له أن يأتي من أي مكان.
ما كان لشيء ما أن يزرع الهلع في قلب حديقة الخنازير ذات الأنوف المخملية. ما كان للشيء أن يستأصل من دواخلنا نسغ الطمأنينة. ما كان لأي ارتجاج أن يُسقط الكأس المقدسة من يدها.
إنها المومس المغناج التي تعلمنا وتعودنا، على تمجيد أطياف النسيان والتناسي. نسيان الطاعون الذي تعود على افتراسهم بآلاف الأفواه عبر تاريخ عامر بالفقد، وبروائح الجثة التي لن تعرف أبدا طريقها إلى الدفن. تناسي النيازك التي دأبت على استمراء سقوطها على خيامنا، نسيان الصراخ المتصاعد هناك من قلب الجرف.
متعة النسيان والتناسي التي لا تقاوم. ومتعة استهلاك كلِّ ما تضعه الرؤية أمامك، وما تضعه المخيلة حيث أنت الآن، قبالة الشاشة أو داخلها.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني