الحداثة ورهانات تحديد الوجهة

أن يستقر رأيك أخيرا على وجهة ما، يعني أن تكون متورطا طواعية واختيارا في إيقاعات خطاب، في تداعياته، أي في ما يمكن أن يباغتك به من انزياحات. تحديد الوجهة وجهتك أنت- هي الإشارة إلى ذلك المدار الذي تلقي فيه الكلمة بثقل حضورها، كما هي الكلمة الفصل في عملية تأثيث المشهد، واختيار العناصر الملائمة لتفعيله وتحيينه، بما يقتضيه هذا التحديد وهذا الحسم من حذر يقظ وأنيق، لأن التحديد والحسم هما خلاصة انتقاء أخير، يتحقق عادة في قلب دوامة عاصفية من الاختيارات التي يزوبعها إيقاع الحداثة حواليك. كما هما اختبار قاس لقدرة الكائن الحداثي على الإعلان عن مبادراته، كلما حاق به طوفان الأسئلة، الصور، والأصوات ذات النداءات المضللة، الحنون، الوديعة والماكرة في آن، حيث تكون استجابتك النموذجية لسلطة الإيقاع هي العتبة الممكنة لاجتيازك اختبار مقالب الحداثة. ارتماءاتك التلقائية في عمق المنحدر. مغادرتك الباردة لمنصة الإنصات. عبورك المتعجل لأنفاق العتمة، وتمترسك الخانق في كماشة الخندق، وأيضا رقصة مخيالك النحيف على جليد الكتابة.
تحديد الوجهة إذن، هو تلك اللحظة الحاسمة التي تكون فيها مبادرة الاختيار، على شفا حفرة من الصواب أو الخطأ، قبالة طوفان مدمر، يكرهك على الاحتماء بمكان آمن يقيك مخاطر عبور قيامته. ومن المؤكد أن احتماءك الاضطراري بهذا الملاذ، يمنحك أكثر من حياة، لكنه لن يسمح لك بانتقاء ما هو جدير بلذة التأمل المشهدي في قلب الطوفان .. إنك لن تحتفظ في ذاكرتك بأي شيء عدا أصداء الحكاية، دون أن تحظى بمعايشة تفاصيلها.
تلك هي المفارقة الكبرى التي يعاني من جحيمها ضحايا عار الأمية الحضارية. تخبط عشوائي في فضاء حداثة هجينة، وملاذ ذاتي مضاد، معد في كل لحظة للاحتجاب من رشق سهامها العاشقة والقاتلة في آن. مع التذكير بانعدام أية إشارة من إشارات تنظيم حركية القبول والرفض في مسارات الفضاء الهجين، كما تنعدم أية مرجعية مشتركة يمكن تحقيق الحد الأدنى من التواصل على أساسها. تنعدم إمكانية الإنصات إلى أي إيقاع يمكن أن يوهم بانسجام تقاسيمه الفكرية والحسية.
إن بنية العقل الحاضرة في هذه الفضاءات، تختلف بشكل شبه تام عن بنية العقل في المراكز العالمية الكبرى. وهو ما يدعونا للقول بأن الحداثة المتواجدة في هذه الفضاءات الهجينة، هي ترجمة جد ركيكة وجد رديئة لنسخة لا أصل لها ولا فصل ..إنها بالتالي حداثة لا عقلانية، تخلو من القوانين التقليدية الناظمة، بنفس خلوها من القوانين المستجدة. ربما بسبب ذلك يعاني الهواء هنا من تلك الرضوض التي تغطي وجهه بفعل ارتطامه الدائم بصخور هواء آخر. لذلك سيكون من المتعذر الحديث عن أي تكليف محتمل بإنجاز أي مشروع حداثي ما، سواء من قبل العامة أو الخاصة. والسبب هو غياب الحداثة هنا كممارسة ذهنية. إنها حاضرة كنمط عيش وليس باعتبارها مفهوما، الشيء لا يسمح أبدا باستكناه ماهيتها وعلة وجودها، وظائفها وانتظاراتها، وبالتالي يتعذر معرفة القوانين المؤثرة في تفعيلها وتصريفها. إن غياب هذا المعطى عن التحليل النقدي، وغيابه عن أرضية المقاربات المخصصة للحداثة غالبا ما يؤدي إلى تأزيمها وإفراغها من عمقها المنهجي، ذلك أن اغتراب الفضاء الهجين عن آلية اشتغال قوانين الحداثة، يحول هذه القوانين إلى عدو ينبغي الإجهاز عليه. عدو لا يستحق من كائناته إلا الكراهية والعنف. وبصرف النظر عن مصداقية هذه القوانين، وعما يمكن أن تمارسه من أدوار أساسية في توفير شروط الحياة الكريمة، أو فرض قسري و لاديموقراطي لحالة طوارئ دائمة أو مؤقتة، فإن كائنات هذا الفضاء الهجين وبفعل معاناتها من عار الأمية الحضارية، لن يكون لها أي دور في إقرار مشاريع حداثية معينة لا في الأجل القريب أو البعيد، بفعل افتقارها إلى الحد الأدنى من المعرفة التي تسمح لها بضبط دلالة القانون، وتوظيف قوته الإجرائية في السياقات الموضوعية التي يرد فيها. إن ما يساهم في وضع القوانين، وما يكسبها شرعيتها ومصداقيتها هو الوعي بها، فهمها ، تقبلها إخراجها من الإطار المفاهيمي الجامد كي تنصهر تلقائيا في إيقاع اليومي وفي حركيته. وهو ما يعني تكامل ذلك الحضور الفعلي للفرد والجماعة في الدورات التكوينية التي تلزمنا الشروط الحضارية والثقافية بالانخراط فيها، سواء في قاعات التمدرس الرسمية، أو الحياتية، أي في فضاءات اليومي و المعيش. وفي ظل غياب هذه الشروط، فإن الأجساد والأرواح والأدمغة أيضا، تظل أسيرة الطواف المطلق في مداراتها الشخصية المنفصلة عن مدارات التاريخ، وعما يعتمل فيه من حداثات . تستمر في تكريس حضورها، هنا تحديدا باعتبارها سلطة خرقاء ، تستمتع بترقيص هياكلَ حرمها العقل من نعمة العقل، ومن نعمة التدبير .
غياب القانون عن المحيط الهجين المقتحم من قبل الحداثة، يؤدي حتما إلى تعطيل الحواس، حيث ستكون عاجزا تماما عن الرؤية والإنصات، كما ستكون معرضا للانفصال عن ذاتك، وعن محيطك بفعل ارتفاع حدة تلك الذبذبات المؤثرة سلبا على حضور ذاكرتك .
غياب إمكانية التفاعل التلقائي مع القوانين المكتسبة والملقنة،ناتج عن ارتطام الأنساق بحاجز ما، كما هو ناتج عن تلك العناصر الدخيلة التي تتسرب خلسة إلى قلب الأنساق، مستغلة وقوعها في دائرة التكلس والجمود، كي تدمرها بشكل عدواني، حيث تعرض البنيات الاجتماعية والسيكولوجية عامة، إلى تشققات غير عضوية تشوهها وتصيبها بأعطاب تحول بينها وبين الحركة الطبيعية. إنها تنحو بها إلى تلك الجهة المعتمة التي يختلط فيها حابل الإيقاع مع نابله، حيث لا مجال للانفتاح على تلك القوانين الفيزيائية الحيوية العصية على التدوين ، باعتبار أن التشريعات عموما ليست أكثر من محاولة لتمثل نلك القوانين اللآمدونة والتي لم توضع في معادلة ثابتة أو إطار تنظيمي معلوم. إنها تخضع أو ندرج في قلب ذلك القانون الكبير، الذي تتحرك بموجبه ثنائية الأمر والنهي/المباح والمحظور.وإذا كانت التشريعات الرسمية لا تشتغل سوى على القضايا الكبرى ذات البعد المركزي،فإن القوانين المتحكمة في تدبير شؤون الحداثة وخلافا لذلك ،تشتغل على القضايا الجزئية المستمدة من قلب القضايا الكبرى، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلا عبر حضور وعي حداثي جد متقدم وحد متطور، يمتلك تلك القدرة العالية على المقايسة والاستنتاج والاستدلال، والتي قد يؤدي تجاهلها إلى حدوث كوارث اجتماعية سياسية وثقافية مدمرة .
عدم قابلية الفضاءات الهجينة لاحتواء المقومات التنظيمية بمختلف أنواعها، يعود إلى معاناتها المأساوية من عار الأمية الحضارية، المتخصصة في تخريب أية أرضية رمزية يمكن أن تكون إطارا محتملا لتفاعل قيم الانسجام ، بما هي قيم إبداع وإنتاج. كما يعود إلى افتقارها إلى تلك الجينات الحيوية الفاعلة في ضمان نسبة منطقية وموضوعية من التواصلات الحضارية، خاصة وأن دورها المركزي يتجسد في تكسيرها وتشويهها لإيقاعات هذه التواصلات، التي ستظل إمكانية جبرها وقفا على حضور غير قليل من المؤهلات الثقافية والسلوكية، الكفيلة بالتخفيف من حدة اكتساح عار أمية أراها مزهوة بتعقب ظلالنا.

شاعر وكاتب من المغرب

رشيد المومني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية