فعلا، لم تعد للفهم أي دلالة موضوعية، يمكن أن يَعتدَّ التواصل بها، في تهيئة قنواته، وتدبير حركية جسوره، فلا هو ضرورة حياتية معدة للتعايش المشترك، ولا هو أرضية مرجعية، يستند إليها الفكر في ما يمارسه من لُعَبٍ إقناعية وحجاجية، باعتبار أن حضور الفهم، يفيد ضمنيا إكراهَك على التفاعل المقنن والعملي، مع ما يتم استيعابه وتداوله من مضامين، حيث لن يكون بوسعك أن تتصرف حال حدوثه، وثبوت أثره، بأي سلوك مناف، أو معارض لما تأكد أنك أدركته، وتفهمته. بهذا المعنى، ينتهي بك منطق الفهم إلى توريطك في الاندماج الحتمي ضمن إيقاع فكري أو اجتماعي ما، إلى جانب أنه يلزمك باتخاذ موقف معين ومحدد، على ضوء هذا الاندماج. وهو إلزام سوف تتعطل معه لا محالة حيوية حريتك المستعذِبة دائما لروح الشطط والحماقة المقيمة فيها، لأنك كلما تخلصْت من إكراه الفهم ومن تسلطه، إلا وأصبحت مُعْفىً من المحاسبة والمتابعة، وغير مدعوٍّ لتقديم أعذار ومبرراتِ لما حدث أن وقعْت فيه من أخطاء. وباعتبار أنك فقط لم تفهم، سيكون من الطبيعي أن يُرفع عنك الحرج، كي تتصرف بغير ما يقتضيه منطق الفهم. هكذا إذن سيكون استبعاد مسؤولة الفهم، هو الميسم الثابت، والملازم لحداثاتنا «الخاصة بنا!»، ذلك ألا أحد مطالب بفهم الآخر، ولا أحد مهيأ للتورط في إكراهات خطاب ما، كما لا مجال للتضييق على الحرية، عساها تظل محتفظة بإمكانية ممارسة شططها النظري، والفكري والسياسي. فالمجد للشطط إذن .
بناء على هذا وذاك، يمكن القول بأن القلق المحوري الذي تشكو فضاءاتنا العامة والخاصة من تداعياته، هو ذلك المجسد في رعبها الدائم من إمكانية حضور تفاهم ما، أو الانخراط الاضطراري في وضع أرضية ممكنة لخطاب مشترك، قد يكون موضوع تواصل منفتح حول ما تم فهمه، أو تداوله من حقائق وأباطيل. كما أن البعد الأكثر بروزا في هذه الفضاءات، هو الاحتفاء بالقطائع الكبرى، الناتجة عن مأساوية تعذر الفهم. إنها قطائع فصل الروح عن الجسد، والفكر عن الواقع، واللغة عما تشير إليه. علما بأن حضور هذه القطائع، يعني غياب أي حالة طبيعية من حالات التواصل بين الكائن ومحيطه، التي يمكن أن يؤدي تفاقمها إلى سيادة علاقات مشوهة، على درجة كبيرة من الاختلال، يكون فيها المغلوط سيد المواقف من دون منازع، متحكما في البناء والصياغة، كما في التركيب والبرهنة. كما أن تحكم المغلوط، يؤدي إلى إحلال واقع ذي متخيَّلٍ هجين، يتشكل من صلب تلك العلاقات العشوائية، التي يقيمها فكر معطوب، مع واقع لا علم له بآلية اشتغاله، كما تقيمها اختيارات مرتجلة، مع انتظارات ملتبسة، وأسئلة اعتباطية مع إشكالات مفتعلة. إنها القطائع البدائية، التي تفصل العناصر عن سياقاتها الفعلية، كي ترغمها على الاندراج في سياقات لا صلة لها بمنطق اشتغالها وهويتها. وهي القطائع ذاتها التي تنشأ عنها بنيات مفككة، تعمق الهوة بين الذات وبين أسئلتها، كما تعمق الهوة ذاتها بين الكائن والوجود.
إن المغلوط هنا، بقدر ما ينتج ذواتا هجينة، بقدر ما ينتج أيضا كينونة لا تقل عنها هجنة، مع التذكير بالحضور الفعلي لتلك الجهات المتخصصة في صرف الاهتمام عن الأساسي، والضروري، ومن ثمة، الزج بوظائف الفهم وغاياته، داخل مضايق تستنزف طاقاته في تدبير سلبيٍّ، لكل ما لن يعدك أبدا بأي عطاء. حضور هذا المغلوط في فضاءات اللافهم، يلعب دورا مركزيا في توسيع الهوة بين حداثات الهوامش، وحداثات المراكز، بما يجعل من هذه الأخيرة القوة الأكثر تحكما، واستفرادا بمناجم الهواء. نستحضر هنا وفي هذا السياق تحديدا، ركاما هائلا من الخطابات، التي تتخذ من الحداثة إطارا «منهجيا» لتمرير منتوجها النظري، من دون أن تكون لها أي علاقة قريبة أو بعيدة، بإشكالاتها أو مفاهيمها.
الكتابة أيضا، مهددة بأن تكون ضحية هيمنة المغلوط، على الصفحة، على الحبر، والحروف والدلالة، وكذلك على اليد الكاتبة. ذلك أن الكتابة في حالة عجزها عن إدراك التلاعبات القاتلة، التي لا يكف المغلوط عن ممارستها، لن تكون بالتالي سوى صدى لتجديفاته وحماقاته. بمعنى أنها المعنية أكثر من أي عنصر آخر، بإدراك أهمية حضور هذا المغلوط، تعَقبِه، الحدسِ بمناوراته وتمويهاته. كما أن شرط وجود الكتابة، مقترن بمدى قدرتها على الحلول اليقظ في قلب المغلوط، بما يمتلكه من أبعاد يتداخل فيها العجائبي مع الغرائبي، من أجل تفكيكه تحت شمس العقل، خاصة أنه يتمتع بدهاء، يخول له إمكانية التناسل والتكاثر، التعدد والتنوع، بدعم من المنظومات الردعية الصادرة عن الأزمنة البائدة المقيمة فيه، والصادرة عن تفاعلاتها، مع مقولات الحداثات الهجينة، ومسلكياتها. ولعل القطيعة المنطقية التي ينبغي التنويه بها في هذا السياق، هي تلك التي تقع بين الكتابة الخبيرة بأسرار المغلوط، والمهيأة لتفكيكه، وبين باقي الكتابات المشايعة له، والسائرة في ركابه. إنها القطيعة الأبدية القائمة بين ضوء الحداثة الخلاقة، وبين امتدادات نقائضها وأضدادها.
من هذا المنطلق، يمكن القول، إن المغلوط يصيب الكائن بالعمى، حيث يحول بينه وبين أي إمكانية للتمييز والحكم، وحيث تعصف رياح الخلط بآلية اختياراته، سواء منها المتعلق بفضاءات المعيش، أو بفضاءات الفكر والإبداع.
ذلك هو مصدر الإخفاقات الكبرى، والدائمة، التي تعاني من تبعاتها مجموع تلك الهوامش العالمية التي تمتلك كافة شروط استقواء المغلوط، من استبداد وأمية، وشره مهول للنهب، إلى جانب ذلك الأفول المطلق لشمس العقل، حيث تحتشد الرؤوس كلها، في إطار نافذة ضيقة، نتيجة عجزها عن فتح نوافذ جديدة ومغايرة، لا لشيء، إلا إرضاء متعة التطلع والتملي في شبح المغلوط، وهو يجهز على الدلالة، كي يتلاشى بتلاشيها هوية الكائن، وما يتزامن معها من أثر للوجود.
إن الحداثة من منطلق كونها الإشكال المركزي، المستقطب لخطابات الكون، تبدو في رأي منظري الهوامش المنسية، والمهووسين بمقاربتها فلسفيا وإبداعيا وجماليا، كما لو كانت مجرد فكرة هلامية، مقيمة في صقع ما من أصقاع اللغة، أو أصقاع المفاهيم والنظريات المسكوكة، أو كما لو كانت كائنا خرافيا، منفصلا تماما عن أسباب الواقع، عن أسئلته وملابساته، وفي أحسن الأحوال، نراهم يستهلكون ذواتهم في إراقة أنهار من الحبر، من أجل محاولة إعادة ما كتبه الغرب عن حداثته الخاصة به، ومن منظور علاقاته النوعية تجاه الكون والكائن، مؤكدين في ذلك على رعونة تحكم سلطة المغلوط في خطاباتهم، ومؤكدين بذلك أيضا على حضور أقسى القطائع، وأشدها خطورة وحساسية، أي حضور مقاربة /مقاربات، تكون فيها الذات بمختلف ما تنتمي إليه من فضاءات، هي الغائب الأكبر، تحت مظلة سوء الفهم، ولا جدواه. وعلى الرغم من نجاح هذه الخطابات التنظيرية في تفجير الكثير من منابع القول والتحليل والتأويل، إلا أنها تساهم بذلك، في نسج أكثر من حجاب، بينها وبين واقع حال الحداثة، حيث لم يعد من السهل تداولها في ذاتها، بقدر ما أمسى هذا التداول مقيدا بما ينسج حولها من محكيات، مبطنة بأوهامها ومغالطاتها. وهو ما يجعلنا نجزم بأن الحداثة تمتلك قدرتها الفائقة على التواري، من خلال تحفيزها لهذه الخطابات، كي تنتج المزيد من حجب المغلوط. لذلك وعلى هذا الأساس، ستظل دائما هناك حاجة ماسة لإسقاط هذه الحجب، أو على الأقل لرفعها قليلا، من أجل الكشف عن مكامن الخلل، ومن أجل تحقيق الشروط الدنيا لمعاينة البؤر الفعلية المولدة والمنتجة لهذه الخطابات والمعممة لها، وهو أمر يحتاج إلى أكثر من دورة جينية، قد تتمكن معها الذهنيات المعنية، من إعادة النظر في مزالق اللافهم، وفي مضايق المغلوط، حيث سنظل إلى ذلك الحين، مهيئين لوضع اليد على خلل آخر، لن يكون بالضرورة المصدر الفعلي لتدفق هذه الخطابات وإنتاجها. وتلك واحدة من الألاعيب الكبرى التي تتميز بها الحداثة، بمعنى أن تظل موضوع سجال دائم، وموضوع خلاف محتدم، وأن تكون قادرة باستمرار، على تصنيع عدد هائل من الفِرق والنحل والملل الموغلة في تناقضاتها وفي صراعاتها.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني