بكثير من الفضول والعناد، تحاول الكتابة وهي في مهب ترحالها بين المراكز الكبرى للحداثة، وبين هوامشها المغيبة إن طواعية أو عن سبق إصرار، تَمَثُّلَ آليةِ اشتغال القوانين في كل من هذين الفضاءين، خاصة في ذلك المطمئن إلى بدائيته ذات الروح الهمجية تقريبا، دون أن يكون لهذا التوصيف بالضرورة أي دلالة قدحية، ما دام الهمج «كما تعتبرهم الحداثةَ» هم أيضا نوع بشري، محكوم بشروطه التاريخية التي تمنحه حق التواجد على المسارح الكونية، بطريقته المنسجمة مع خصوصيته. والحديث هنا عن القوانين وفي هذا السياق تحديدا، يقتضي من القارئ توسيع أفق تمثله لها، خارج مفاهيمها المسكوكة في الأدبيات الحقوقية، والمحيلة أساسا على التشريعات المدونة من قبل مؤسسات إدارية أو مدنية، ذات بعد وطني أو دولي، بهدف تنظيم العلاقات القائمة بين المواطنين، كما بين الشعوب. وبالرغم من الحضور الفعلي لهذا البعد، وما يتميز به من أهمية قصوى في صياغة الأسئلة التي نحن بصدد إشراك القراء في إشكالياتها، إلا أنه وفي الوقت نفسه يظل مجرد فرع من فروع مدونة القوانين العامة، والمتميزة بتعدد وتكامل مرجعياتها التي تؤثر بشكل مباشر في هندسة علاقة الحداثة بمحيطها. ذلك أن حركية الحداثة وفي مراكزها العالمية دائما، تتأسس على أرضية بنود هذه المدونة الموسعة، في مختلف قطاعات الحياة العامة والخاصة، باعتبارها إطارا تنظيميا ملزما للأفراد والجماعات، خاصة وأن السير العادي لإيقاعها، يقتضي حضور وعي جد متقدم بهذه القوانين، إلى جانب حضور الاقتناع المبدئي بها، على مستوى التبني والممارسة، خاصة وأن المكون المركزي لبنية الكائن الحداثي، يتمثل في انفصاله سلوكيا عن شرط أية اعتباطية موجهة بميولات ذاتٍ لا تحفل بتداعياتها على كيانها أو على محيطها. علما بأن هذه القوانين، تجسد الأرضية النموذجية التي تعتمدها الحداثة في بلورتها لسلطة ذلك التبرير الموضوعي والعقلاني، الذي تسقطه على ممارساتها الخرقاء، المفتقرة إلى حدها الأدنى من العقلانية والموضوعية.
تلك هي بالتأكيد، إحدى المفارقات الكبرى التي تشتغل الحداثة على أحابيلها، تحت غطاء عقلانية مثالية يفترض فيها أن تكون الناظم الفعلي للعلاقات البشرية، قطرية كانت أو كونية، من خلال تقعيدها لما تقترحه من نصوص قانونية، تدعم مصداقية دساتيرها ومواثيقها ومعاهداتها، في أفق تكريسها بصيغة «حضارية» لا يوحي ظاهرها بحضور أي حجر أو إكراه. سوى أن الطرف الثاني من المعادلة/المفارقة، يتمثل في ذلك العبث المنهجي والتقني الذي تمارسه الحداثة في حق مكونات الأرضية ذاتها، من خلال توظيفها الماكر والمنحرف لهذه القوانين، توظيفا مضادا لما تدعي تبنيه من قيم ومبادئ، دون أن يوحي- التوظيف- بتورطها في هذا الخرق، بفضل احتمائه بحجاب المبررات العقلانية التي وضعت هذه القوانين على أساسها. في ظل هذه الوضعية تماما، تدور حربً ضارية بين الحداثة وبين كائناتها. حرب معلنة على أساس ندية متبادلة، باعتبار أن ميكانيزمات العقل المعتمدة من قبل الكائن الحداثي، هي ذاتها التي تستمد منها الحداثة سلطتها، حيث يحتاط كل منهما من مغبة اكتشاف الآخر لمخططاته ومقالبه، ماداما معا يقعان تحت طائلة المجهر نفسه الكاشف والفاصل بين الحقائق الموضوعية وبين نقائضها.
ذلك هو مصدر العلاقة المربكة المتوترة والغامضة القائمة بين حداثة المراكز العالمية الكبرى وبين كائناتها. علاقة تصالح وتواد وعشق، مشوبة أيضا بجرعة مضاعفة من العدوانية والشك وفقدان الثقة، إذ أن حرص الحداثة على إجهاض عقلانية كائناتها، من أجل إخضاعها لشططها المتحرر كليا من ردع أي ميثاق أخلاقي أو فكري، يقتضي إبداعها المتجدد لتقنيات متطورة تتجاوز مدارك هذه الكائنات، بما يضمن لها ولو مؤقتا، مساحة إضافية من استقلالية الرأي والمبادرة والقرار. كما أن إصرار كائناتها على الكيل بمكيالين من خلال ردعها، وإخضاعها إلى سلطة رقابتها، يقتضي منها التفكير الدائم في آلية سبر وتفكيك قوانينها. الشيء الذي لا يتحقق إلا من خلال ابتداع خطاطات، وترسيمات تقنية مضادة، تعيد وضع عربة الحداثة على سكة المصالح العامة الموجهة بضوء العقل المغلوب على أمره.
هذا التفاعل /التعايش القائم على أرضية تبادل التوجس والتربص الدائمين، هو الذي يفتح مسالك جديدة أمام الحداثة وكائناتها أيضا. إنه توجس تنفلت به الدساتير من مدوناتها الإدارية بما تتضمنه من تشريعات وقوانين، كي تنصهر في الهواء وفي الماء ، متحولة في نهاية المطاف إلى صيغة عيش، وصيغة حياة. قوانين يتناسخ فيها الملقن مع المكتسب، والعتيق مع المستحدث، وفق ما تمليه السياقات من أولويات وضرورات مقيدة بحد العقلاني والمبدئي، الخالي من لوثة النشاز. طبقا لهذه الرؤية، ولحيثيات هذا المنطق، يتحقق ذلك التكامل، وذلك التفاعل الكبير، ضدا على ما يعمقه من تناقضات، حيث تكون الكتابة المحايثة منبثقة بالفعل وبالقوة، من قلب هذه العلاقة ومن قلب هذا الطقس ، وهذا البناء. كتابة يتوزعها القبول والرفض، كما يلهبها التصعيد من حدة المناورات المتبادلة بين الحداثة والكائن. وخلافا للطبيعة التي تخشى الفراغ، فإن الحداثة وعلى النقيض من ذلك، لا تكف عن استجلاء مكامنه من أجل ممارسة فعل الملء فيما يتوزع على جنباته من بياضات. إن فعل الملء هذا هو أحد الاختصاصات الأساسية التي تتميز بها الحداثة عن أية ظاهرة أخرى. حيث يتحول الربع الخالي من الكون معه، إلى فضاء حميمي مألوف ومترع بالأنس. وليس الربع الخالي هنا سوى المقابل الموضوعي لكل الهوامش المنسية والنائية عن مراكز الحداثة الكونية، حيث لا تنجز إنزالاتها فيها بهدف الارتقاء بها حضاريا وتأهيلها لتكون في مستوى المراكز العالمية الكبرى، ولكن فقط باعتباره المجال الوحيد الذي يخول لها حق تفجير حريتها، أو بالأحرى حماقاتها التي لن تغامر بالإعلان عنها في مراكزها، بفعل التصدي الحاسم الذي تواجه به من قبل سلطة العقل. ذلك أن اقتناعها بغياب العقل في هذه الهوامش، هو ما يغريها بتحويلها إلى مختبر عملي تجرب فيه ممكناتها واستحالاتها، كما تتخلص في رحابه من صرامتها التقنية المعهودة في تدبيرها لشؤونها.
غياب العقل عن فضاءات هذه الهوامش، هو دليل على غياب ما يشار إليه بالقوانين، مكتسبة كانت أو ملقنة. والحديث عن غياب القوانين في هذا السياق، لا يعود إلى خلو مؤسسات دولها من مدوناتها القانونية والحقوقية، بقدر ما يعود إلى غياب الوعي بأهمية هذه القوانين، وبجدوى مؤسساتها، سواء لدى الأفراد أو لدى الجماعات، خاصة أن الوعي الحداثي بهذه القوانين، يفترض حضور حظ غير قليل من الشروط الثقافية والحضارية التي لا علم لهذه الهوامش بها، لسبب وجيه يتعذر تجاهله أو تجاوزه، والذي يتمثل في معاناتها المأساوية من عار الأمية الحضارية الذي يلقي بها مباشرة خارج أي إطار حداثي أو تاريخي محتمل، محولا شرائحها البشرية في المقابل، إلى جرذان تجارب بدعم من حداثة ليس في صالحها أن يتحول الكون كله إلى مراكز على درجة واحدة من القوة والعقلانية والحضور. إذ في حالة تحقق ذلك، سوف تتعرض الحداثة لا محالة إلى فقدان تلك الهوامش التي دأبت على شحذ أنياب ومخالب شراستها المضمرة والمقنعة فيها. والحداثة بدون هذه العدوانية ستكون حتما معرضة للانقراض، أو التحول في نهاية المطاف إلى كائن جهنمي أراه يتقمص ظلالكم، ويستلقي على أسرتكم كطيف حميمي واجب الوجود.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني