تشكو الحداثة المتوحشة، التي لا تختلف في شيء عن تلك المشمولة بعار الأمية الحضارية، من هشاشتها المزمنة، بفعل استنزاف طاقتها في تسريع وتيرتي التضليل والاحتواء اللتين تمارسهما بتفان على كائنات فضاءاتها، ومن بين السمات الأساسية لهذه الهشاشة، عجزها الكلي عن التصدي لعنف ما يوجه إليها من انتقادات، إلى جانب تبرمها المعلن والخفي من أي مبادرة تقييمية، يمكن أن تصدر في حق ما تطوقنا به مسالكها من مغالطات.
ولربما كان السبب في ذلك يعود إلى استقلالية نسقها عن كل نسق تاريخي آخر، يمكن أن يكون سندا لها في حلها وترحالها على حبال هي وحدها المتحكمة في حركيتها، ما جعلها سهلة الاختراق، وغير مهيأة للصمود أمام ما يحدث أن يعصف بكيانها من هزات سياسية أو اقتصادية، غالبا ما تكون لها تداعياتها الكارثية، إذ لا تلبث أن تتداعى أركانها الفكرية والنظرية، كأي معمار مهيكل بالقش أو الورق المقوى، فور تعرضه لمداعبة أنفاس ذئب أو حمل. وفي غياب أي استعداد لتقديم ما يمكن اعتباره تفسيرا عقلانيا لهذه الكوارث المباغتة، أو تبريرا ثقافيا، مستندا إلى شواهد منتقاة من صيرورة تاريخية ما.
ولعل التفسير الوحيد الممكن استخلاصه من غياب هذا الاستعداد، خاصة في جانبه التاريخي، هو حرصها الشديد على تفادي أي تورط قد يوقعها في كمائن التماهي مع بعض حقائقه الأكثر تأثيرا في توجيه مساراته، أو قد يؤدي إلى تسرب شيء من واقع حال هذا التأثير إلى دواخلها، عبر ما يسع ظاهرها من تشققات. حتى لكأنها بذلك، تستطيب الاستكانة إلى حالة فقد تام، ويُتْم بارد، يعفيانها من تعب البحث عن موطئ قدم، قد ترتد سهام تداعياته إلى مصداقيتها..
تلك هي إحدى أهم استراتيجياتها، تطويق الحدث بنسبة عالية من الغموض المفتعل، أو بالأحرى الحرص على تغميضه، إلى حدود التكفين، بما لا يترك أي فرصة سانحة للوقوف على عمق أسراره. إن الأمر هنا يتعلق باستماتة مطلقة على إخفاء الأثر وطمره. إخفاء السبب، والعلة، أصلية كانت أو فرعية، مقابل نزوعها إلى الدفع بمنطق السؤال إلى قلب متاهات مستقلة بذاتها، ومنفصلة تماما عن ذات السؤال، عبر تصعيد الإحساس بالبداية/ البدايات الجديدة، التي لم يحدث أن كان لها أي حضور قبلي، وكذلك عبر الدفع بفكرة صياغة مغالطات قابلة لأن تأخذ مستقبلا شكل حقائق مشحونة بأوهامها وأحلامها، ورهاناتها المنفصلة تماما أو تكاد، عما تم الوعي به، ومعايشته، في أفق تشكيل أكوان جديدة، لا صلة لها بأي زمن تاريخي.
هذه الوضعية تحديدا، هي التي تسمح للبشارة، كما للكارثة باستعادة بكارتها الأولى معززة بشهوة المفاكهة والهتك، ومتعة النظر إليها كما هي، معزولة عن أي إسقاطات سابقة لما «سبقت معرفته»، لأن فعل النظر إليها كما هي، هو الذي يعلي من شأن الفرجة، كما يعزز من فرص استعراض الجزئي والعابر لتفاصيله، وتضخيمها كي تملأ المشهد برمته، من دون أن تترك أي فرصة لظهور أثر ما له صلة بوقائع محايثة أو مجاورة قد تشتم منها رائحة ثوابت كبرى، ضاربة بجذورها في تربة الحاضر أو الماضي.
إنها أيضا، دعوة غير مباشرة لإسقاط أي تعليل بشري من الحساب، ضمن استراتيجية الاحتفاظ بالصورة محفوفة فقط بهالتها العاطفية، والانفعالية الخالصة، التي تساهم في الإبقاء على طراوة لحظة، لم يعد لها شأن بأبعادها الزمنية المثقلة بحمولات الذاكرة.
في حالات أخرى، يلاحظ أن الحداثة أمست خبيرة بتقنية السطو على تلك الوقائع العابرة الموغلة في هامشيتها، التي لم يسبق للتاريخ الرسمي أن أنصفها، إما بفعل سطحيتها، أو بفعل تعارضها مع توجهاته، من خلال لجوئها إلى مضاعفة تلميع صورها، بكل ما تمتلكه تقنياتها الحديثة من سحر يساهم في تقديمها لعين الملاحظ البريء، باعتبارها البدائل الحقيقية لتلك الوقائع التاريخية المركزية، وباعتبارها الجديرة دون غيرها بالتكريس والتخليد.
إن الصيغة التي تتم بها عملية إعادة تصنيع الحدث، كي ترتقي به إلى مستوى الإذهال الجمالي والتوثيقي المبالغ فيهما طبعا، يوحي بحضور هاجس إحباط أي مراجعة قد يلجأ المستقبل إلى إخضاع تفاصيل الحدث المَعنِيِّ لرقابتها، كما يوحي إلى جانب ذلك، بالرغبة في انتزاع شرعية تقدير وإبهار من هذا المستقبل على مستوى المنجز التقني، وإن اقتضى الأمر، تعجيزه على تجاوز هذا المنجز، مهما كان كارثيا، تأكيدا منها على ذلك الصراع العنيف الذي تخوضه ضد كل من مستقبلها، وحاضرها على السواء.
إن التفكيك المجاني وليس التركيب، هو الأصل في تقنية تجاوزها للزمنين معا، بما هو حركية موجهة ضد يقين- ولو كان موضوعيا – يصيب الرؤية بعماها، سوى إنها حركية مهيأة في كل لحظة لتجاوز حدودها المرسومة لها، حيث يتعذر في نهاية مطاف تفكيك آثم، على إعادة تركيب عناصر ما تم تفكيكه، من أجل الاهتداء إلى حقيقة مغايرة لتلك التي كانت مصاحبة ليقين ما قبل التفكيك، إذ بتضاعف إيقاع جاذبية الشطح تتضاعف متعة الاستسلام إلى نزوة تفكيكية غالبا ما تأخذ في أوج اندفاعها بعدا هيدونيا . لذلك فإن التفكيك بقدر ما يتمتع بسلطة إجرائية في إضاءة مكامن تدقيق الرؤية، إلا أنه وفي الوقت نفسه وفي هذا السياق تحديدا، يحرف آلية التقصي وينشط آلية التضليل، حيث ما من وجهة لأي وجهة، وما من مسار لأي مسار. هذه اللاوجهة ذات الحد المأساوي المدمر والقاتل، تغض الطرف عن تداعياته الخطيرة، بل أكثر من ذلك تشرعنه، وتجعله سمة إيجابية وضرورية من سماتها. بمعنى أن تكون حيث لستَ مطالبا بتحديد توقعٍ أو أفقٍ من آفاقه المحتملة.
من هذا المنطلق، ما عادت ممكنة، إقامة حد فاصل بين ما يجب وبين ما لا يجب، بين ما يمكن اعتباره أفق الوجهة، أو ماضيها . طبعا الأمر هنا، لا يتعلق بقانون النسبية، حيث تستمد الحدود حضورها على ضوء ما تلزمك به المقامات والسياقات الواردة فيها، ولكن بانزياح الأحكام القيمية عن مواقعها، بالنظر إلى الانقلابات العظمى التي مست كيان الحاجة والضرورة، على ضوء ما تعرفنا به السوق الأسطورية من اقتراحات ومن أنساق وتصورات محكومة بتناقضاتها واختلافاتها، بل أن التفكيك المغرض هنا يجد مشروعيته ومصداقيته، في شرعية تحييده التام لأحكام القيمة التقليدية التي دأب تاريخ الأفكار على دفن تلقينا تحت ركامها، وهو بذلك يساهم في تقوية يقين مغالط يضاعف من خلل العمى، كي تزداد المسافة بعدا بين الشيء وإدراكه، مقولةً كان أو خطابا، حدثا أو مجرد إيهامِ باحتمال حضورِ حدثٍ، كما أنه بهذا التحييد يضع الأبيضين معا على كفة واحدة من حيث الحاجة إلى التسويد وإعادة التبيض، ومن المؤكد أن هذا الانقلاب الكبير الذي ضرب سوق الوقائع في علاقاتها الملتبسة بأزمنتها، ضاعف من مساحات الحجر على حرية إعادة تركيب ما تم تفكيكه، خاصة إذا كانت حريةً تفتقر إلى حدها الأدنى من تقنية الردع الأخلاقي والتاريخي، كما أنه عدَّدَ من إمكانية الترحال بين علامات يجُبُّ بعضها بعضا، وبين منازل تتبادل فيما بينها مجَّانية إغراءِ الإقامة وضراوةِ الطرد.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني