خلافا للانتفاضتين السابقتين اللتين نشبتا في 1987 و 2000 كمقاومة على خلفية قومية، فان جوهر الانتفاضة الجديدة غير المعلنة هو اجتماعي ـ اقتصادي. فلم يضع من أثاروها هدف استئناف محادثات السلام، ولم يطالبوا بفرض السيادة الفلسطينية على مناطق الضفة الغربية. إن هذه الانتفاضة تعكس خيبة أمل جهات معينة في المجتمع الفلسطيني من النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي تطور في العقود الأخيرة في البنية الإسرائيلية الفلسطينية وتأسس على نموذج السلام الاقتصادي.
إسرائيل حظيت بالهدوء الأمني، وفي المقابل منحت الفلسطينيين حكما ذاتيا واسعا. وتمكنت أجزاء في المجتمع الفلسطيني من العيش براحة مقابل استعدادها لتأجيل تنفيذ الأهداف القومية. مفتاح الحفاظ على الاستقرار كان يكمن في ايجاد الحوافز في المجال الاقتصادي ـ الاجتماعي. عائلات العمال في إسرائيل وموظفو السلطة واجهزة الأمن التابعة لها ورجال أعمال من الطبقة المتوسطة والعليا حصلوا على افضليات كبيرة.
إن اولئك الذين وجدوا أنفسهم خارج النظام الجديد تحولوا إلى رجال الانتفاضة. وقد حصلوا على الإلهام من الاحتجاج الذي تطور في السنوات الاخيرة ضد النماذج الاقتصادية الليبرالية الجديدة في العالم، بما في ذلك إسرائيل ودول المنطقة. هذا هو السبب في أن العنف اندلع في الاحياء الفلسطينية في شرقي القدس، التي تجاوزها النظام الجديد وبقيت ضعيفة اقتصاديا وتعيش في ازمة اجتماعية. الانتفاضة انتشرت إلى الضفة الغربية حيث قادها هناك شباب فلسطينيون اعتقدوا أن فرصتهم للاندماج في النظام القائم، ضعيفة. احتجاج مشابه شاهدناه ايضا في اوساط الشباب العرب من مواطني إسرائيل الذين تجاوزتهم سياسة «الاندماج الاقتصادي».
الانتفاضة الاجتماعية ـ الاقتصادية حصلت على أبعاد الاحتجاج الجماهيري. مجموعات مصالح حقيقية في المجتمع الفلسطيني بقيت خارج دائرة العنف بسبب تفضيلها للنظام القائم، بما في ذلك التابعين لأجهزة الأمن الفلسطينية والقيادة نفسها، التي تبنت ضبط النفس. ومن بين أهداف العنف كانت علامات النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي: موقع سارونه في تل ابيب الذي يمثل ثقافة الوفرة ورجال المستوطنات الذين يعتبرون مجموعة تحظى بتفضيل بارز في توزيع الموارد. البعد القومي الذي ميز الانتفاضتين السابقتين لم يتلاش تماما لأن إسرائيل وليس السلطة الفلسطينية، هي التي تعتبر المسؤولة عن النظام الذي يخلد دونية المجموعات التي تسببت في اندلاع الانتفاضة.
إن الدمج بين البعد القومي والبعد الاجتماعي في الانتفاضة الحالية له مغزى استراتيجي أكثر اهمية من أبعاد العنف نفسها. فهي تعكس التطور التاريخي في بنية العلاقة بين اليهود والفلسطينيين. وهذه البنية هي الدمج بين الابعاد القومية والاجتماعية والاقتصادية. وفي الوقت الذي يُعرف فيه البعد القومي العلاقة من خلال الصراع والعنف والفصل بين السكان، يُعرف البعد الاقتصادي العلاقة من خلال التعاون، الأمر الذي يشوش الفصل ويحول المنطقة الجغرافية ـ السياسية بين النهر والبحر إلى ساحة واحدة.
هذا التطور يلقي بظله الثقيل على الموقفين السائدين في النقاش الإسرائيلي: الموقف الأعمى لليسار وهو «الدولتان»، الامر الذي حول المكان إلى مكان مشترك وتجاهل عدم اخلاقية الفصل، حيث سيشمل هذا الامر اقتلاع السكان. وموقف «دولة إسرائيل الكبرى» لليمين والوسط، الذي يمنح عملية تحويل المكان إلى فلسطيني إسرائيلي متداخل وتسعى لضمان النجاعة الإسرائيلية فيه مع تجاهل التأثير الأخلاقي الكامن في استمرار السيطرة على الفلسطينيين، والتأثير الذي يتعلق بمكانة إسرائيل في العالم. في كل موقف من الموقفين هناك عامل من العاملين اللذين يميزان بنية العلاقة الإسرائيلية الفلسطينية، الفصل مقابل التوحيد، وكلاهما لا تعرف أن هذه المركبات موجودة في الوقت نفسه. أي أن الموقفين يشبهان الواقع المعقد.
مطلوب ايضا موقف جديد يدمج بين المباديء الموجودة في جوهر الفصل والموجودة في جوهر التوحيد. موقف كهذا يكمن في فكرة الحدود التي تتنفس. والترجمة السياسية له يمكن أن تكون في انشاء كونفيدرالية إسرائيلية فلسطينية. الحدود التي تتنفس تضمن الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين في المستوى السياسي والثقافي.
وسيتم الطلب من إسرائيل أن تتنازل للفلسطينيين عن كل ما يتعلق بالاعتراف بالحقوق القومية وتنفيذ السيادة على الارض. لكن حدودا كهذه ستُمكن من استمرار التعاون الاجتماعي ـ الاقتصادي. وبهذا يتمتع الجانبان من ميزات الوحدة الاقتصادية دون احداث أي تغيير في الحدود أو اخلاء سكان.
يمكن اعتبار نموذج الحدود التي تتنفس تعديلا تاريخيا لنظرية الجدار الحديدي التي تبناها في السابق حزب العمل من اجل صياغة العلاقة بين الصهيونية والعالم العربي. الحدود التي تتنفس لا تعمل على تفكيك الفكرة الاساسية، بواسطة وضع الفواصل بين الشعوب، بل هي تستبدل المواد الصلبة. هذه نظرية تدمج مركبات من النموذجين القائمين في النقاش الإسرائيلي وتنشيء نموذجا جديدا غير خالٍ من القيود، لكن يمكن ايضا تحويل المستحيل إلى خيار ممكن.
هآرتس 18/7/2016