الحدود الملتهبة

حجم الخط
0

على المعبر الحدودي في أب السلامة، بين تركيا وسوريا، بالقرب من مدينة كيلس، لم يترك الهجوم الاول في نوعه الذي نفذه سلاح الجو التركي ضد أهداف تنظيم الدولة الإسلامية داعش، أي انطباع. طابور طويل من اللاجئين السوريين ـ أولاد ونساء ورجال ـ طلبوا الانتقال إلى سوريا، وتلووا في قيظ الشمس بانتظار الموظف التركي كي يمنحهم الاذن بالعبور. «سمعت أنه كانت هناك انفجارات في الليل، لكني لم أر شيئا»، قال عبد الهادي الذي اهتم كل الوقت بعدم ابتعاد اولاده عنه. «على من أطلقوا النار؟ من الذي أصيب؟» تساءل.
في يوم الجمعة الساعة 3:15 فجرا قامت ثلاث طائرات اف 16 بقصف أهداف داخل سوريا، في منطقة يسيطر عليها داعش، حسب المعلومات الرسمية. «لم تدخل طائراتنا إلى المناطق السورية»، قال متحدث الجيش، «القصف الذي استمر 13 دقيقة تم تنفيذه من المناطق التركية بالقرب من مدينة كيلس». هذه العملية الاستثنائية سماها الجيش «يلشين نانا» على اسم الضابط التركي الذي قتل في يوم الاربعاء على يد الجهاديين الذين أطلقوا النار من الاراضي السورية باتجاه تركيا.
«الاتراك يشعرون الآن ايضا بالحرب السورية. واذا استمرت هجمات داعش على طول الحدود فان سكان المدينة سيبدأون بالفرار من هنا. عندها ربما يكون لنا، نحن اللاجئين، شققا سكنية أقل ثمنا للاستئجار»، يأمل منصور الذي كان جنديا في الجيش السوري وهرب قبل ثلاث سنوات إلى كيلس، وهو يقوم بتشغيل مغسلة للسيارات في المدينة ونقل اللاجئين السوريين من والى الحدود. قلب منصور حاقد على مواطني كيلس الاتراك الذين يعتبرون اللاجئين السوريين دجاجة تبيض الذهب. وحسب قوله فان «الشقة التي كانت تؤجر قبل الحرب بخمسين ليرة تركية (70 شيكل) يتم تأجيرها الآن بخمسمائة ليرة، ومن لا يستطيع الدفع يتم طرده لأنهم يعرفون أن هناك الكثير من الزبائن».
على مبعدة 800 كم شمال كيلس، في العاصمة أنقرة، يكمن التهديد لمنصور ومليوني لاجيء مثله لجأوا إلى تركيا، حيث لم يهتم بمصيرهم متخذي القرارات في تركيا في الفترة الاخيرة. العملية الدموية التي نفذت في يوم الاثنين الماضي على يد مخرب انتحاري في مركز الثقافة «عمارة» في مدينة سوروتش القريبة من الحدود، حيث قتل هناك 32 شخصا، وضعت تركيا للمرة الاولى في مواجهة داعش داخل اراضيها. في حين كان الاعتقاد أن العملية تتصل بالامن الداخلي وأن تركيا تستطيع الاستمرار بعدم التدخل في سوريا، فقد حدث بعد يومين اطلاق النار من الاراضي السورية ليُقتل الجندي التركي ويؤكد أن الحرب قد وصلت إلى داخل اراضي الدولة. قنوات التلفاز أضيفت إلى الضغط الجماهيري، وقد اجتمعت الحكومة اجتماعا طارئا لاتخاذ قرار استراتيجي جديد يقضي بأن ترد تركيا بالمثل داخل الاراضي السورية وأن تسمح لقوات التحالف الدولي ولا سيما طائرات الولايات المتحدة باستخدام قاعدة سلاح الجو في إنجرليك من اجل الاقلاع واستهداف داعش في سوريا.
تركيا نزلت عن الجدار بعد رفضها حتى الآن السماح بالعمل الجوي الاجنبي من داخل اراضيها. وذلك من اجل عدم تحولها إلى هدف مباشر لهجوم داعش، وخشية أن يضعها ذلك في مواجهة مع إيران، لا سيما أن إيران قد تكون مكان استثمار خصب لتركيا. وفي مقابل الاذن باستخدام اراضيها فقد حصلت تركيا على الموافقة الأمريكية باقامة منطقة جزئية مقيدة للطيران ـ الطلب الذي رفضته الادارة الأمريكية حتى الآن.
صحيح أن هذه المنطقة ستكون صغيرة نسبيا على طول 100 كم وبعمق 30 ـ 50 كم داخل الاراضي السورية، إلا أن القرار بحد ذاته هو سابقة ستلزم سلاح الجو الأمريكي وسلاح الجو التركي بالعمل داخل الاراضي السورية ضد سلاح الجو السوري، إذا حلقت طائرات النظام السوري في هذه المنطقة المحظور فيها الطيران. الهدف المعلن لاقامة هذه المنطقة هو منطقة محايدة تعطي الحماية للاجئين السوريين من هجمات الطائرات السورية، وبهذا يمكن اقامة مخيمات للاجئين محمية، وتستطيع تركيا تقليص عدد اللاجئين الذين يقيمون في اراضيها.
لكن هناك هدف آخر لهذه المنطقة هو منع الاكراد السوريين من السيطرة على الحدود مع تركيا واقامة كيان مستقل مثل المنطقة الكردية في العراق. وحسب البيان الرسمي التركي فان تركيا تحتفظ بحقها في الرد على ما تسميه «معسكرات الإرهاب» بالقذائف. وهذا التعريف يشمل حزب العمال الكردستاني ـ الذي يعتبر منظمة إرهابية ـ العامل في داخل تركيا. وقد تم اتخاذ هذا القرار بالتنسيق مع الولايات المتحدة بعد قتل شرطيين في مدينة دياربكير في يوم الخميس الماضي.
في نفس الوقت بدأت القوات التركية بمطاردة نشطاء داعش ومؤيدي حزب العمال الكردستاني في تركيا، وقد اعتقل حتى الآن نحو 500 مشبوه. وحسب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان فان هذا ليس عملا لمرة واحدة، والحصار ما زال بعيدا عن نهايته، وسمعت تقديرات في تركيا تقول إن الحكومة قد تستغل المعركة ضد داعش كذريعة لاعتقال النشطاء المعارضين للنظام وتشديد الرقابة على وسائل الإعلام. وسُمعت أيضا الخشية من الاستعداد العسكري الجديد الذي يهدف إلى اجراء انتخابات جديدة على خلفية خسارة حزب التنمية والعدالة في انتخابات حزيران، حيث فقد الحزب لاول مرة الاغلبية البرلمانية التي كانت له على مدى 13 سنة.
التقديرات والاعتبارات السياسية والعسكرية بعيدة عن مخاوف يوسف سنوات ضوئية، الذي انتظر الحافلة في المحطة المركزية في كيلس، التي ستعيده إلى مخيم اللاجئين «كيلس 1» الذي أقيم على الحدود. يوسف من مواليد مدينة العزاز التي يسيطر عليها جيش سوريا الحر، وقد كان استاذا لعلم النفس في جامعة حلب وهو الآن يسعى لعمل آخر من اجل استكمال المخصص الذي يحصل عليه من الحكومة التركية الذي يبلغ 85 ليرة تركية شهريا لكل لاجيء في المخيم.
«هذا المبلغ لا يكفي ثمنا للسجائر»، قال يوسف، «سمعنا ايضا أن هناك مساعدة من منظمات دولية، لكن القليل منها يصل إلى مخيمات اللاجئين. وفي كل الاحوال نحن نشكر الله على بقائنا أحياءً. لقد رأيت كل شيء. وضعت أشلاء الجثث في أكياس في العزاز، دفنا أعزاءنا في مقابر جماعية، شاهدنا بيوتنا مدمرة وركضنا بين اطلاق الرصاص وهربنا من براميل المتفجرات التي ألقتها علينا الطائرات السورية. منذ مجيئي إلى تركيا لم أزر العزاز لأنني لا استطيع مواجهة الذاكرة».
يوسف لا ينفصل عما يحدث في مدينته. «المدينة التي يبلغ عدد سكانها 35 ألف نسمة، ضاعفت نفسها»، قال، «أبناء القرى الذين تم قصفهم من داعش وقوات النظام فروا إلى العزاز لأنه يوجد فيها أمن نسبي. جيش سوريا الحر يقوم بتدبر الامور، توجد مدارس دينية وعيادات والسكان يعيشون على زراعة الحقول. لكن طالما أنه ليس هناك حل فلن أرجع».
يوسف يعتبر نفسه محظوظا حيث يسكن في مخيم اللاجئين في كرفان بارد نسبيا. أما أديب فيسكن في خيمة قد تصل درجة الحرارة فيها إلى خمسين درجة مئوية. «في هذه الايام أفضل النوم في الخارج، في الاماكن العامة أو في الساحات» قال أديب وأضاف «أنا ملزم بالعودة إلى المخيم كي لا أفقد الهبة». أديب يبلغ 70 سنة من العمر وهو يضع كوفية حمراء وهرب من مدينة كوباني التي سيطر عليها داعش وتحررت فيما بعد من الاكراد. في هذه الاثناء هو يأسف على أمر واحد: «عندما هربت من كوباني أضعت أرقام هواتف بناتي، واحدة طبيبة والثانية صيدلانية، وهما تعيشان في برلين. ولا أعرف كيفية الاتصال بهن وهن لا يعرفن رقم هاتفي، لكنني أثق أن الله سيجمعنا أخيرا».

هآرتس 26/7/2015

تسفي برئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية