الحديدة: رهان الإمارات للسيطرة على مدن اليمن الإستراتيجية والسعودية للأدوار الخلفية تنتكص

حجم الخط
0

الدوحة ـ «القدس العربي»: تمضي الإمارات العربية في مخططها الإستراتيجي، وهدفها المرسوم منذ سنوات خلت، للسيطرة على مدن اليمن، وتحديدا الواقعة على السواحل، ووضع يدها على الموانئ التي تحرك خطواتها، وترسم وفقها خطتها التوسعية، فارضة على حليفتها السعودية الالتزام بالأدوار الثانوية، ومسايرتها.
الحديدة، المدينة الاستراتيجية الواقعة على البحر الأحمر، تغازل بسحرها أطماع حكام الإمارات المتنفذين، ويدفعون بقواتهم، لشن معارك مستعرة على طول السواحل المطلة على البحر الأحمر، مدججة بترسانة عسكرية.
خطة ولي عهد أبو ظبي للسيطرة على المطار، وترويج ماكينة الدعاية الإعلامية لقوات التحالف بالسيطرة على المدينة، تنطلق من هوس بتحقيق مكسب سريع، لمحو خيبات متعددة منيت بها القوات المشاركة في حرب اليمن.
الإمارات تدفع بقواتها، مدعومة برشاشات مدفعيتها، وماسورة دباباتها، مسنودة بطائراتها المقاتلة، نحو حدود مطار الحديدة، من دون استثناء لتجمعات المدنيين، مع ما كل ما تخلفه العمليات من تدمير للبنية التحتية في بلد يعاني سكانه من فقر.
العمليات التي تقودها قوات التحالف، تسبب في قطع المياه، وعزل السكان، ومنع وصول المساعدات، التي كانت تعبر لمختلف مناطق اليمن من المدينة.
عمليات التحالف المدعوم من الغرب، على الحديدة منذ 12 حزيران/يونيو تهدف لتغيير الموازين في حرب الوكالة، بين السعودية والإمارات، ضد إيران نتائجها الحالية، تساهم أكثر، في تفاقم حدة الاضطرابات في الشرق الأوسط.

المدنيون الضحايا

الأمم المتحدة تعبر عن خشيتها أن يؤدي الهجوم إلى استفحال أزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم، حيث يعتمد 22 مليون يمني على المساعدات المتعطلة، كما أن هناك 8.4 مليون على شفا المجاعة.
ووفقا لتقديرات الأمم المتحدة، يعيش 600 ألف شخص في المنطقة، وعلى أسوأ تقدير، يمكن أن يسفر القتال عن مقتل ما يصل إلى 250 ألفا، إلى جانب قطع المساعدات والإمدادات عن الملايين، إذ تعتبر الحديدة أكبر ميناء في اليمن وشريان حياة لأغلبية سكان البلاد الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون.
المتحدثة باسم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، أعلنت من جنيف «إن ميناء الحديدة هو مصدر توزيع ونقل الغذاء لستة ملايين شخص في اليمن».
ومنظمة «أنقذوا الأطفال» أعلنت أن نحو 300 ألف طفل يمني عالق، ومهدد بالقتل في الحديدة. وقالت إنها تشعر بالقلق الشديد من إغلاق الميناء، وطالبت بإبقائه مفتوحا، مضيفة أن المجاعة «أصبحت وشيكة بشكل حقيقي».
كما تحذر المنظمة من أن معركة الحديدة ستؤدي إلى خسارة كبيرة في أرواح المدنيين وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الحيوية. وطالبت باتخاذ جميع الاحتياطات لحماية الأطفال وأسرهم، وتوفير ممرات آمنة، وضمان وصول المساعدات والإمدادات الطبية.

لا سلام مع صوت المدافع

لكن الإمارات لديها وجهة نظر أخرى تتجاوز مخاوف المنظمات الأممية وتضع خلف مخططاتها تقاريرها.
أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية يتلافى أي حديث عن المصاعب الإنسانية ويرمي الكرة في ملعب خصمه قائلا: «نحن ننتظر أن يدركوا (الحوثيون) الضربة العسكرية والنفسية التي تلقوها في المطار. نمنحهم بعض الوقت حتى يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في إنقاذ المدينة والانسحاب».
ولكن لماذا تريد الإمارات السيطرة على ميناء الحديدة؟
موقع أنباء إماراتي «الإمارات 7» يجيب أنه: «الحوثيون يستخدمون الميناء لاستقبال أسلحة إيرانية مهربة» مع أن نائب رئيس هيئة موانئ البحر الأحمر ينفي ذلك ويوضح أن الحملة العسكرية التي تستهدف الحديدة هي من أجل الميناء، مشيرا إلى أنه لا نشاط عسكريا في الميناء، ولا يجري فيه تهريب للأسلحة.
وفي الرواية الإماراتية الجديدة حسب المصدر ذاته، فإن الميناء لا يستخدم فقط لتهريب الأسلحة، وإنما هو مصدر دخل أساسي للحوثيين الذين يحصلون على ملايين الدولارات مقابل الرسوم على السلع التي تعبر منه، وما يلاحظ في الروايتين هو غياب البعد الإنساني، ولذلك لم تلتفت الرياض وأبو ظبي إلى مناشدات دولية عديدة تحذرهما من كارثة قد تلحق بالمدنيين إن هما نفذتا هجوم الحديدة، وفق ما قاله وزير الشؤون الخارجية أنور قرقاش في مؤتمر له الاثنين في دبي.
وفي محاولة تفكيك الموضوع، لابد من الانطلاق من حقيقة أساسية وهي أن ميناء الحديدة هو الشريان الوحيد الذي يمد اليمنيين بالمساعدات الإنسانية والغذاء والدواء، وما يزيد من أهميته أن ثلثي اليمنيين يحتاجون مساعدات اليوم، وبالتالي فاستهداف الميناء لن يشكل خطرا على سكان المحافظة فقط ولكنه يهدد ثلثي اليمنيين. وتقول الأمم المتحدة إن الوضع في اليمن يشكل أسوأ كارثة إنسانية في العالم.
أما في ما يتعلق بدوافع هذه العملية العسكرية فإن هناك عاملين رئيسيين: أولهما الصراع السعودي الإماراتي مع إيران، ومصالح إستراتيجية أخرى، والثاني صورة قادة هذه العملية، وتحديدا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان «الحاكم الفعلي للسعودية».
وخلف المشهد تظهر نوايا أبو ظبي المتحكمة في القرار اليمني، وسياساتها التوسعية، وعينها التي لا ترمش دون موانئ اليمن، والدول المحيطة بها وهي جيبوتي وإريتريا وأرض الصومال.
التحالف السعودي الإماراتي يقدّر أنه ربما يستطيع تغيير الأوضاع على الأرض بعد فترة طويلة من الجمود، ويرى أن الحديدة ستكون انتصارا سهلا نسبيا، بغض النظر عن العواقب التي قد تجرها العملية على المدنيين.
ويشير عدد من المصادر الغربية وفق روايات نقلتها الصحف الأجنبية، إلى أن الرياض وأبو ظبي ربما تتشاركان الموقف نفسه في معاداة طهران، لكن تعقيدات الميدان أظهرت تضاربا في مصالحهما.
صحيفة «غارديان» البريطانية في افتتاحيتها تعلن، إن أوراق التوت التي لم تكن أصلا تستر كثيرا من سوءات الغرب في حرب اليمن، تسقط تماما جراء عملية التحالف السعودي الإماراتي في الحديدة، ولم يعد هناك شك في تواطؤ الغرب.
فهذه العملية – التي ستعمق أشد أزمة إنسانية في العالم- تنفذ بأسلحة من صنع بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، وبتدريبات ومشورة عسكرية غربية، إذ يجلس ضباط بريطانيون وأمريكيون في غرفة قيادة الغارات الجوية.
وأوردت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية أن هناك قوات خاصة فرنسية على الأرض في اليمن.
وتشير «غارديان» إلى أن هذا الدعم العسكري الغربي في الميدان جاء رغم تحذير بريطانيا وفرنسا العلني للسعودية من مغبة شن الهجوم، ورغم رفض الولايات المتحدة طلبا من الإمارات لدعمها في العملية بإزالة الألغام. وتقتبس تعليق مسؤول إماراتي قال إن «امتناع الولايات المتحدة عن تقديم دعم عسكري لا يعني أنها تطالبنا بعدم تنفيذ العملية».
وفضلا عن المعطيات العسكرية، ترى الصحيفة أن عملية الحديدة تجري بغطاء دبلوماسي غربي، وتستدل على المعلومة، بعرقلة بريطانيا والولايات المتحدة محاولة من السويد لاستصدار بيان من مجلس الأمن الدولي يطالب بوقف إطلاق النار، بل إن بريطانيا تأخذ موقفا «سافرا» في تأييد السعودية في هذا الصراع كما يقول وزير التنمية الدولية البريطاني السابق أندرو ميتشل.
وحسب الصحيفة، تبدو عملية الحديدة محاولة سعودية إماراتية لاستباق طرح خطة سلام من قبل مبعوث الأمم المتحدة مارتن غريفيث. وتتشاءم بشأن فرص تسوية هذه الأزمة، والمحادثات الجارية لإقناع الحوثيين بتسليم إدارة ميناء الحديدة – الذي تمر عبره 70 في المئة من المساعدات، وأعربت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» عن قلقها البالغ إزاء الأثر الذي ستخلفه الحرب في الحديدة على الأطفال. وقالت في بيان لها إن هناك 11 مليون طفل بحاجة إلى مساعدات إنسانية، مطالبة بحمايتهم وضمان وصول المساعدات إليهم.
ويأتي تضارب المصالح بين العاصمتين من محاولات أبو ظبي استبعاد الرئيس عبد ربه منصور هادي على حساب نجل علي عبد الله صالح، وتمت العمليات من دون معرفة الحكومة اليمنية.ويشير موقع «ميدل إيست آي» عن مصدر يمني مطلع أن دولة الإمارات أجبرت الرئيس اليمني هادي على إعلان دعمه للهجوم على ميناء الحديدة غربي اليمن خلافا لإرادته.
وأضاف المصدر أن السعوديين تدخلوا فجأة ورتبوا اجتماعا بين هادي ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في الرياض، في محاولة لضمان تأييد هادي للهجوم، وذلك بعد أن تراجع الدعم الدولي للهجوم على الحديدة.
وأشار الموقع، إلى أن هادي توجّه لاحقا إلى أبو ظبي للقاء ولي العهد محمد بن زايد حيث أذعن الرئيس اليمني للمطالب الإماراتية، موضحا أن الهجوم بدأ في اليوم الثاني لهذا اللقاء. ويقول المصدر إن الإمارات كانت تسعى في بادئ الأمر إلى استعادة الحديدة من الحوثيين دون دعم هادي، لكنها وجدت أنها في حاجة لورقة الشرعية التي يمثلها الرئيس اليمني الذي لم يكن لديه أي خيار آخر إلا القبول.
وحاولت الإمارات الحصول على دعم واشنطن في هجومها على الحديدة، لكن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو أصدر بيانا أكد فيه على الحل السياسي للأزمة في اليمن، ودعا إلى ضرورة تدفق المساعدات الإنسانية.
وقال المصدر إنه يخشى أن تصبح الحُديدة – التي يدخل عبرها نحو 80 في المئة من الغذاء والدواء والوقود والسلع للبلاد – خاضعة لسلطة الإمارات بشكل كلي بدل خضوعها للسلطة اليمنية.
السيطرة على ميناء الحديدة، وفق هذه المعادلات، ستكون نصرا كبيرا للإمارات التي خططت لبسط نفوذها، على الموانئ على طول الساحل اليمني من بينها جزيرتا سقطرى وميون.
وتتجه التوقعات إلى اعتبار الحديدة، مستنقع الإمارات الجديد بعدما أطقت حصارها على عدن.

انسداد الأفق

المنظمات الأممية تنتقد صمت المجتمع الدولي أمام حالة الانسداد التي يشهدها اليمن، وعدم ثني الإمارات عن تنفيذ مخططاتها التوسعية هناك وعرقلة الحلول الدبلوماسية.
وعاد مارتن غريفيث مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن، إلى صنعاء مؤخرا، بعد أربعة أيام من بدء هجوم الحديدة بهدف وقف القتال، لكنه غادر دون أن يدلي بتعقيب تاركا التساؤلات عن أي تقدم من دون أجوبة.
وتصطدم التحذيرات الإنسانية، بخطط الإمارات، في حين أن السعودية، تلتزم تنفيذ تفاصيل أجندة حليفتها، لتختار المقاعد الخلفية.
وحتى الآن سدت الدروب أمام أي حل سياسي ينهي المعاناة مع ارتفاع أصوات الرصاص، وعلو شظايا القاذفات على لغة الحوار، في مسار فرض أبو ظبي خطتها للسيطرة على الحديدة التي تشكل أحد أهم الموانئ البحرية اليمنية وتعمق من جراح اليمنيين.

الحديدة: رهان الإمارات للسيطرة على مدن اليمن الإستراتيجية والسعودية للأدوار الخلفية تنتكص

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية