الحذر بين العدوين

حجم الخط
0

عند منتصف الليل بين الثلاثاء والأربعاء، حين كانت صليات الصواريخ تتواصل الإنطلاق نحو إسرائيل، أعلن الناطقون بلسان حماس والجهاد الاسلامي أنه تحقق وقف للنار. نفت مصادر سياسية وأمنية ذلك على الفور، وواصل سلاح الجو الهجوم في غزة وكأنه كي يري من يقول الكلمة الأخيرة. ولكن النفي لم يكن حتى الحقيقة في ساعتها. فمنذ تلك اللحظة كان رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الدفاع ليبرمان ووزراء الكابنت يعرفون الحقيقة.
واصل الكابنت النفي يوم الاربعاء ايضا، حين كان واضحا للجميع بأنه ساد الهدوء. صحيح، لم يوقع اتفاق رسمي لوقف النار، ولكن تحققت تفاهمات واضحة. في الانجليزي يوجد لهذا كلمة (tacit) أو ضمنا، وهي كلمة لا يستخدمها الناس كثيرون. والمعنى هو أنه يوجد توافق وتفاهم بين الطرفين ولكنهما لا يعلنان عنه. هكذا تتصرف حكومة إسرائيل. توافق وتقبل وقف النار ولكنها تخشى أن تقول ذلك بالفم المليء لاعتبارات داخلية، خشية أن يفسر الامر، ولا سيما في جمهور مؤيديها (قاعدتها) كضعف وكاستسلام.
وكان بلور التفاهمات مندوبو المخابرات المصرية، الذين التقوا مع مندوبي حماس وتحدثوا هاتفيا مع مندوبي إسرائيل ـ الجيش الإسرائيلي، الموساد، الشاباك ووزارة الدفاع. لإسرائيل توجد تجربة طويلة في إدارة الاتصالات والمحادثات مع حماس. هكذا تحقق في القاهرة اتفاق وقف النار الذي انهى حملة الجرف الصامد في صيف 2014. مندوبو إسرائيل كانوا يجلسون في الغرف في طابق ما، وفي الوساطة كان مندوبو المخابرات المصرية وفي الطابق الأدنى كان مسؤولو حماس والجهاد الإسلامي. بشكل مشابه، في تبادل الرسائل من خلال الوسطاء المصريين، القطريين والأوروبيين، تحققت صفقة جلعاد شاليط في 2011.
اتفاق التفاهمات لا يتحدث فقط عن العودة إلى تسوية وقف النار من العام 2014 بل وأيضا عن صيغة تستهدف تعزيز التهدئة بحيث تستمر اشهر طويلة. ولهذا الغرض وافقت إسرائيل على تسهيل الحصار الذي تفرضه على غزة. يدور الحديث عن خطوة تكتيكية. في الأسبوع القادم أو في غضون أسبوعين سينعقد الكابنت ويقبل توصيات جهاز الأمن عن سلسلة خطوات تستهدف التسهيل على الضائقة الاقتصادية مليونين من سكان غزة. سيتم ادخال المزيد من البضائع، الأدوية، مولدات الكهرباء تطيل وتزيد توريد الكهرباء، ويبدأ مشروع بنى تحتية بل وربما أيضا يسمح بدخول عدد قليل من العمال من غزة للعمل في إسرائيل.
يمكن ان نسمي هذا «هدنة صغيرة». حماس وإسرائيل، اللتان لا تريدان الحرب، كل واحدة لاعتباراتها، تفهمان بأن من الأفضل الاكتفاء بها مما بلا شيء. إسرائيل لا تريد الخروج إلى حرب بسبب الثمن الدموي الذي ستدفعه. وحماس يخشونها لان زعماءها يعرفون بان الحرب التالية سيكونون فيها هم شخصيا الأهداف، وغايتها ستكون اسقاط حكمهم.
كان الطرفان يودان لو توصلا إلى «هدنة كبيرة» تستمر بضع سنوات، ولكن الفجوات في المواقف تكاد لا تكون قابلة للجسر. إسرائيل لا يمكنها أن تدير مفاوضات مباشرة مع حماس، لانها ترى فيها منظمة إرهابية لا تعترف بحقها في الوجود، وان كانت حماس في واقع الامر هي حكومة بكل معنى الكلمة، تحتفظ بجيش يعد نحو 40 الف لابس بزة وحامل سلاح. اما إسرائيل فغير مستعدة لأن تبدأ بإعادة بناء استراتيجية لغزة بحجم مليارات الدولارت، تتضمن إقامة ميناء، مطار، محطة توليد كهرباء، محطة تحلية وما شابه (لا مشكلة في الحصول على المال من الدول العربية والاسرة الدولية)، طالما كانت حماس غير مستعدة لان تنزع سلاحها. وحماس لن توافق على ذلك ابدا. وبدون جيش إرهاب وكفاح عنيف ضد إسرائيل، فانها لن تكون حماس. ستفقد حقها في الوجود، كما تراه.
عائق آخر في الطريق إلى الهدنة الكبيرة هو مسألة الأسرى والمفقودين. حكومة إسرائيل تسعى إلى صفقة تريد فيها جثماني هدار غولدن واورن شاؤول والمدنيين المحتجزين في غزة، أبرا منغستو وهشام السيد. ولكن الثمن الذي تبدي استعدادها لدفعه بالمقابل هو في الحد الأدنى: جثامين مخربين وبضع عشرات سجناء فلسطينيين ليس لهم دم على الايدي. يرون بلو، منسق الموضوع عن رئيس الوزراء، يواصل المساعي ولا سيما في مساعدة رجال المخابرات المصرية والقطريين ـ ولكن الفجوات هائلة. مطلب الحد الأدنى لدى حماس اكبر على الأقل بعشرة أضاف من الحد الأقصى الذي تبدي إسرائيل استعدادها لاعطائه.
وهكذا، بعد جولة النفي هذا الأسبوع ـ كان هذا يوم القتال الأكبر منذ الجرف الصامد (في يوم واحد اطلق من غزة صواريخ وقذائف هاون اكثر مما في الـ 46 شهرا أخيرا) ـ مريح للطرفين العودة إلى سياق الحياة العادية. كل واحد من الطرفين يشعر بانه تسبب «بكي» في وعي الآخر ونزع من خصمه، هكذا يؤمن، الشهية للحرب. مريح لإسرائيل ان يكون عنوان في غزة على أن يكون هذا حماس ضعيفة، اما حماس فيمكنها أن تقول لنفسها: أثبت مرة أخرى اني صاحب السيادة والحاكم، المبادر والمملي على إسرائيل مستوى اللهيب.

معاريف 1/6/2018

الحذر بين العدوين
إسرائيل وحماس فضلتا «هدنة صغيرة» على المخاطرة بالحرب
يوسي ملمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية