في العملية الإرهابية في بئر السبع مساء يوم الاحد، والتي قضى فيها نحبهم ثلاثة اشخاص، ارتبطت عدة احداث قد يكون بوسعها ان ترمز إلى انعطافة في الثورة الفلسطينية الجديدة. بالصدفة ايضا شهدنا ظاهرة مقلقة لجنود مسلحين بالسلاح بدوا يفرون من مكان العملية بدلا من الوقوف إلى جانب رجال الشرطة والحراس والمساعدة في مطاردة المخرب. ينبغي الافتراض بأن يعطي قادة الجيش الرأي في ذلك.
ويشير اطلاق النار على المواطن الارتيري البريء هبتوم زرهوم كم هي هزيلة اعصاب الجمهور الإسرائيلي بشكل عام، ولكن اعصاب الحراس وحملة السلاح ايضا. فقد كانت هذه المرة الثانية في غضون يوم واحد والتي يقتل فيها مواطنان بريئان بسبب الاصبع الرشيقة على الزناد. في المرة الاولى، يوم السبت، اطلق شرطي في بات يام النار على شاحر ممان الذي ركض نحوه مع سكينين. ولا تزال الحالة قيد التحقيق لدى الشرطة. ولكن واضح منذ الان بان الشرطي ورفاقه كانوا يعرفون بان هذا نزاع عنيف بين جيران ولا شبهة بحدث إرهابي ـ ومع ذلك انتهى هذا بالمأساة.
ان مقتل زرهوم، الذي اخطأ ضابط أمن المجمع التجاري في تشخيصه واطلق النار عليه وعندها ضربه جموع الغاضبين حتى الموت في ضوء هتافات «الموت للعرب»، هو نتيجة لروح سيئة، خوف وحماسة نوازع تهب على وجه البلاد. وكل شيء موثق في كاميرات الحراسة وكاميرات مصوري الصحافة والتلفزيون. وعلى أي حال الشبكات الاجتماعية ـ التي ليس فيها يد موجهة او مسيطرة ـ تبث السم، التحريض وعري الصورة الخاطفة ولكن ليس متأخرا بعد على الإعلام الجدي، ولا سيما محطات التلفزيون والراديو ان تكبح جماح نفسها وان تكف عن هوس الموت الذي تبثه. ليست هذه هي المرة الاولى التي تجري فيها عملية فتك لاناس أبرياء في لحظات رعب الإرهاب. في إسرائيل كانت حالات مشابهة من قبل ـ احراق جثث المخربين الذين نفذوا العملية الدموية في بيسان 1974، عبر احداث الانتفاضة الاولى الثانية. هذه الظواهر تتغذى بالاجواء العامة، ولكن ايضا بتصريحات الشخصيات العامة ورجال جهاز الأمن في الحاضر وفي الماضي ممن يتحدثون عن أن «المخربين لا يجب أن يخرجوا احياء».
عندما ينكل أعداء إسرائيل بالجثث او ينفذون عملية فتك ـ والكل يذكر الحالة في رام الله في بداية الانتفاضة الثانية في العام 2000 والتي قتل فيها جنديان ضلا الطريق على ايدي شرطة فلسطينيون ـ يصاب الجمهور بالصدمة. إذا كنا لا نريد ان نشبه اعداءنا، فحذار علينا ان نهبط إلى مستواهم الدون. دولة إسرائيل لا تزال دولة قانون وفيها قواعد واضحة لتعليمات فتح النار. واذا لم نحرص عليها ونطيعها، ستصبح إسرائيل دولة انفلات وستتدهور إلى الفوضى. الفزع والهستيريا ـ بل ومن جانب رجال قوات الأمن والحراس المسلحين ـ ليسا خطة عمل لمكافحة الإرهاب. وفي مثل هذه الاقوات بالذات مطلوب رباطة جأس.
جدير ايضا بالاشارة إلى زعماء الجمهور البدو في النقب والعرب ممن شجبوا العملية بلغة حادة، وكذا رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقادة كبار في الشرطة ممن شجبوا عملية الفتك ودعوا المواطنين إلى الكف عن الحماسة وترك قوات الأمن ليقوموا بمهامهم. خير فعلت قيادة الشرطة حين قررت فتح تحقيق ضد المشبوهين بعملية الفتك.
لقد تميزت العملية في بئر السبع بحقيقة أن المخرب كان مواطنا إسرائيليا من شتات حورة البدوي في النقب. وهذه هي الحالة الثالثة التي يشارك فيها عربي إسرائيلي، بعد المهاجمة مع السكين من العفولة، الشاب من ام الفحم الذي طعن في مفترق غان شموئيل، في اعمال إرهابية في هذا الوقت. وفضلا عن ذلك، فان مهند العقبي البدوي، مثل المهاجم من غان شموئيل، هما نتيجة لم شمل عائلات بين عرب إسرائيليين وفلسطينيين من غزة أو من الضفة. ثمة من يسارع إلى استخلاص الاستنتاجات واعتبار لم شمل العائلات جذر المشكلة، ولكن محظور أن ننسى أن عشرات الاف الفلسطينيين من الضفة ومن القطاع استقروا في إسرائيل نتيجة لسياسة اعادة التأهيل التي اتبعتها المخابرات أو لم شمل العائلات. مهما يكن من أمر، فالحديث يدور عن حالات فردية وشاذة ليس فيها ما يشهد على ميل. فالغالبية الساحقة من عرب إسرائيل هم مواطنون مخلصون ومستقيمون، مثل معظم اليهود الإسرائيليين.
وثمة شيء ما آخر في العملية في بئر السبع يجدر الانتباه اليه: فقد جرى فيها استخدام السلاح النار للمرة الثانية منذ بدء موجة الإرهاب الحالية. هنا ايضا من السابق لاوانه استخلاص الاستنتاجات بالنسبة للمستقبل، واذا كانت ثورة السكاكين، الزجاجات الحارقة، الحجارة والدهس بالسيارات سترتفع إلى مرحلة الاستخدام للسلاح الناري. حماس تشجع استخدام السلاح الناري، وربما ايضا تتآمر في الخفاء على ارسال مخربين انتحاريين ـ ليس من غزة بل من الضفة. من جهة اخرى، فان زعماء السلطة الفلسطينية وعلى رأسهم ابو مازن يعارضون هذا التصعيد لعلمهم أنه سيوقف العطف الدولي لقضيتهم.
وملاحظة اخرى للختام. العملية في بئر السبع قد تشير إلى انعطافة ما منذ بدء موجة الإرهاب والعنف قبل نحو ثلاثة اسابيع ـ لاول منذ العملية في بئر السبع مرت 24 ساعة دون أن تسجل حادثة واحدة اكبر من سابقتها.
معاريف 20/10/2015
يوسي ملمان