الحراك الشبابي في المغرب يطلق مبادرات من رحم «فيسبوك»: حلم مروان الناجي بإنشاء مكتبة للأطفال يتحقق عبر مشروع «الدخلة بكتاب»

حجم الخط
0

الرباط – «القدس العربي»: كثيرة هي الأفكار التي بدأت بذرة صغيرة ضئيلة وسرعان ما أينعت وتشعبت فروعها وأزهرت وأعطت ثمارا. فلم يكن الشاب مروان الناجي ذي الـ19 عاما يعلم أن حلمه بإنشاء مكتبة لأطفال إحدى القرى النائية سيتحول إلى واقع ملموس، بل سيتفرع أحلاما وأفكارا جديدة ويكبر المشروع أكثر فأكثر إلى أن يصبح التزاما ومواعيد.
البداية كانت في شتاء العام الماضي. أخبار كثيرة كانت تصل من قرى جبال الأطلس المغربي حول معاناة سكان الفجاج والمداشر الجبلية مع وعورة الجغرافيا وبرودة الطقس الشديدة التي أودت بحياة أطفال صغار في قرى مثل أنفكو وتفونيت التي تصدرت صورها وصور البؤس والفقر والبرد الذي يعيشه أطفالها مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب. قسوة المشاهد الآتية من مغرب عميق، عن حضارة المدن الكبرى وساكنة الفيسبوك ولد مبادرات إنسانية من رحم «السوشيل ميديا» فهبت قوافل مساعدات وتبرعات نحو تلك القرى النائية وتحركت الآلة الإعلامية وكان طبيعيا أن يتحرك نتيجة لذلك المسؤولون الرسميون.
كان مروان حاضرا بشكل كبير في جل الصفحات التضامنية الداعية لجمع التبرعات. فزار قرى بعيدة ووقف بنفسه على مشاهد البؤس والأمية والإهمال الذي يعانيه أطفال أقصى ما يحلمون به هو قصص جحا المصورة، فالتكنولوجيا الرقمية والألواح الالكترونية الذكية وآخر مستجداتها تبقى حلما بعيد المنال عن هؤلاء.

«شي حاجة»… شيئا ما

عاد مروان إلى الرباط وهو عاقد العزم على ضرورة التحرك: «دير شي حاجة» أي «افعل شيء ما» غير واقعا، هكذا خاطب نفسه، فهو قبل أن يلمس بنفسه معاناة أطفال المغرب العميق لم يؤمن يوما بما يسميه «النضال المخملي» أو نضال «الهاشتاغات» على مواقع التواصل الاجتماعي خصوصا ذاك الذي لا يتجاوز عالم النت الافتراضي نحو مشاكل الواقع الحقيقية. يقول: «توجيه سهام النقد تجاه الظواهر المجتمعية السلبية أو تقصير الدولة عبر منشورات فيسبوكية أو تعليقات أو نشر صور هو مجرد ثرثرة لا تجدي نفعا إذا لم تواكبها محاولات جادة للتغيير». فمروان جرب الانخراط في صفوف حركة «20 فبراير» التي هبت بها رياح الربيع العربي إلى المغرب. الحركة التي شكلت حدثا سياسيا مفصليا في تاريخ المغرب أخرجت شبانا وشابات في أكثر من 50 مدينة مغربية لأجل المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية رفعت كثيرا سقف مطالب أحزاب سياسية عتيدة في المغرب من قبيل المطالبة بملكية برلمانية ومحاسبة ناهبي المال العام والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتغيير الدستور وعددا من المطالب الاجتماعية والسياسية التي استجاب لها العاهل المغربي في خطاب شهير في التاسع من شهر اذار/مارس بعد أقل من شهر على ميلاد الحركة ودعا فيه إلى مراجعة شاملة لدستور المملكة وهو ما تم فعلا عبر استفتاء تلته انتخابات مبكرة أفرزت حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامي.
يتذكر مروان تلك الفترة بكثير من الحماس ويقول أنه شعر حينها أن التغيير ممكن إذا رافقه النضال والعمل الدؤوب والتكاتف. «بمستطاعنا التغيير حين نقرر نفض غبار الكسل وتأسيس مبادرات حقيقية ملموسة ذات تأثير ومنفعة» وهكذا سبق وانخرط في مبادرات لإفطار رمضان لصالح المعوزين ومبادرات لجمع الملابس والأغطية للفقراء والمهمشين.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 أنشأ صفحة على الفيسبوك عنونها بـ»دير شي حاجة» وأطلق حملته الأولى الرامية لجمع كتب وقصص ومجلات بهدف السفر نحو قرية بعيدة وإنشاء مكتبة لأطفالها. لم يجد نداؤه الأول الاستجابة المطلوبة ولم يتفاعل زوار الموقع الاجتماعي بشكل قد يساعد على جمع عدد كبير من الكتب واحتياجات بناء مكتبة، لكن مروان يؤمن كثيرا بمقولة الفيلسوف الفرنسي فولتير :»لا توجد مشكلة تستطيع مواجهة هجوم التفكير المنظم» فنظم أفكاره وأشرك معه أصدقاءه في عملية عصف ذهني أفرزت فكرة مبتكرة أسماها «الدخلة بكتاب».

«الدخلة بكتاب» … سعر التذكرة كتاب

يقول مروان: فكرنا في ضرورة جلب الانتباه لمشروعنا بطريقة مبتكرة عبر إدماج ما هو عمل تطوعي بما هو ترفيهي وثقافي وفني، فكانت النتيجة مشروع «الدخلة بكتاب» حيث نعمل على تنظيم حفل ينشطه شباب الفيسبوك ممن يمتلك مواهب في الغناء أو الشعر أو الموسيقى أو المسرح أو الفكاهة على أساس أن يكون سعر الدخول للحفل عبارة عن كتاب. هذا شرطنا الوحيد ليحضر من يشاء فعاليات الحفل الذي نظم أول مرة في قاعة مقهى «لاغونيسونس» في شارع محمد الخامس في الرباط.
وحالا انطلقت صفحة «الدخلة بكتاب» على الفيسبوك وحدد موعد الحفل وبدأت تظهر تباعا المواهب الشابة الراغبة في الحضور والمشاركة يقول مروان «فوجئنا بالعدد الكبير من الراغبين في اكتشاف سر الدخول بكتاب» وبالعدد الكبير من المواهب والقدرات الشابة المختفية وراء شاشات الكمبيوترات ضمن حياة افتراضية قزمت كثيرا من التواصل الإنساني المباشر والمبادرات الحقيقية الملموسة التي تعود بالنفع الذي يشمل الجميع.
في النسخة الأولى من «الدخلة بكتاب» استطاع مروان ورفاقه اللقاء المباشر بعشرات الأصدقاء الذين جمعهم سابقا الفيسبوك واكتشاف الكثير من المواهب ثم والأهم جمع 200كتاب من كل التخصصات، أدب، سياسة، شعر، فلسفة، قصص أطفال… ارتفع العدد إلى 250 كتابا بعد انتهاء الحفل الأول حيث تهاطلت رسائل واتصالات من سمعوا بالمبادرة ولم تتح لهم الفرصة لحضور الحفل. حصيلة لم يكن يتوقعها مروان فشجعته على إطلاق نداء النسخة الثانية من «الدخلة بكتاب» في مدينة مراكش بناء على طلبات الكثير ممن راقتهم الفكرة التي حققت أكبر عدد من «المشاركة» و»اللايكات» على موقع فيسبوك. في مراكش تمكن مروان من جمع 200 كتاب إضافي. فقرر حالا الإنتقال إلى الخطوة التالية وهي حلم بناء مكتبة.

المكتبة

بعيدا عن الرباط بأكثر من 600 كيلومتر في مدينة بوزيكارن في الصحراء جنوب المغرب. حطت قافلة مروان ورفاقه الرحال، أعين الأطفال متلهفة لما تحويه «صناديق» الشباب القادمين من العاصمة. هناك وبتعاون مع إحدى الجمعيات المحلية أنشئوا المكتبة ولونوا الجدران والطاولات وزينوها برسومات مبهجة زرعت البسمة على شفاه أطفال المنطقة.
عاد مروان للعاصمة منتشيا بحلمه الذي تحقق منطلقا بحماس كبر بداخله نحو تحقيق المزيد، انتشرت فكرة «الدخلة بكتاب» في كل المدن المغربية، استطاع لوحده تنظيم عشر نسخ جمع خلالها 4000 كتاب، فيما تبنى الفكرة غيره من عشرات شباب الفيسبوك الذين نظموا حفلات ساعدت أيضا على إخراج مواهب كثيرة من بوتقة الافتراضي في الشعر والمسرح والتقليد والعزف والغناء و»الراب». وصلت حفلات «الدخلة بكتاب» إلى مدن بعيدة جدا كوجدة شرق المغرب والعيون وفاس واغادير وطنجة … يقول مروان: أعتقد أنني أحييت الأمل الذي خبا في نفوس الكثير من أصدقائي الشباب الذين لم يقنعهم كثيرا ما تحقق بفضل هبة الربيع العربي والمظاهرات الداعية إلى الإصلاح والتغيير والتي دفع ثمنها الكثير من الشبان الذين سجن بعضهم وقتل بعضهم في دول عربية أخرى بالآلاف. ويضيف: لقد أثبتنا للعالم أننا لسنا تافهون ولم تستلبنا صرعات الموضة والأغاني السطحية، بل لدينا وعي سياسي وحس مواطنة وفهم عميق للديمقراطية ومبدأ تكافؤ الفرص الذي ينبغي أن يسود أبناء الوطن الواحد، والتغيير لا يأتي إلا من نخبة مثقفة واعية قارئة وهذه النخبة لا تقوم لها قائمة بدون «ذخيرة» الشباب المتعلم الذي يتخذ من الكتاب ونيسه.

منغصات

مروان الطالب في السنة الأولى من مدرسة إعداد الاساتدة يتقن اللغة العربية والفرنسية والانكليزية وقارئ نهم لروائع الأدب العالمي وما أنتجه الفكر الإنساني والفلسفة وهو لم يتجاوز بعد عقده الثاني، يقول أن التجربة لم تخل من منغصات :»اصطدمنا في أسفارنا بعقلية المسؤولين المحليين والإجراءات الرسمية المملة والدخول في متاهات سين وجيم من لدن السلطات في عين المكان، فهم لم يعتادوا زيارة غرباء يحملون كتبا للتبرع، كان الأمر يستلزم منا استصدار تراخيص لإنشاء المكتبات وهو ما لم يخطر لنا على بال قبل خوض المغامرة لكنه لم يحط من عزيمتنا، ويضيف مروان أن قنوات أجنبية معتمدة في المغرب اهتمت بتغطية المبادرة ورافقته مما خلق استنفارا لدى السلطات التي وجدت نفسها فجأة أمام شباب متحمس يريد بناء مكتبة وقناة دولية تغطي الحدث في قرية نائية اعتاد مسؤولوها المحليون السلام والاستكانة من زيارة الغرباء.
ومن قرية في مدينة بويزكارن في الصحراء جنوب المغرب، إلى مدشر أوطاط الحاج في مدينة بولمان في مقدمة جبال الأطلس، إلى قرية «موقريصات» ضواحي مدينة شفشاون في جبال الريف، أسس مروان ثلاث مكتبات والتحضير جاري لأخرى والطلبات تتزايد، يقول «خطوة بعد أخرى أغوص أكثر في مشاكل المغرب العميق هؤلاء الأطفال ينتظرون من يمد لهم اليد، من يسمعهم ويؤطرهم ويدعم أحلامهم ويشجعهم على استكمال الدراسة خصوصا في ظل ارتفاع نسبة الهدر المدرسي التي تعانيها المناطق النائية لوعورة المسالك وصعوبة الأوضاع الاجتماعية التي تجبر الأهالي على تشغيل أطفالهم الذين يتركون مقاعد الدراسة في مراحل مبكرة». ويضيف، أنه تجاوز فكرة بناء المكتبة إلى الحديث مع الأهالي والآباء وإشراك الأطفال في أنشطة إضافية كصباغة جدران المكتبات وتنظيف المساحات المحيطة بها.

مبادرات أخرى

فضاء الانترنت المغربي لم يتوقف عند حد مبادرة مروان بل شجعت فكرته رفاقا آخرين له على إنتاج أفكار أخرى خلاقة سرعان ما انضم لها مروان كعضو فعال والهدف دائما وضع «لوحة مفاتيح الكمبيوتر» جانبا لأجل تحقيق انجاز ملموس وفعلي، فمروان الأعرج مثلا شاب أخر أسس مبادرة « مقهى ج20» التي تضع كل أسبوع موضوعا آنيا وحديثا للنقاش وتحدد تاريخ اللقاء لأجل تبادل الآراء والأفكار مع استدعاء شخصيات وباحثين معنيين في الموضوع بشكل مباشر وهكذا جلبت «مقهى ج20» جمهورا كبيرا من الشباب والباحثين في مواضيع من قبيل: «مشكل التحرش الجنسي جذوره ومقترحات للحد منه» «و»دور المواطن في المجتمع مسؤولياته بعيدا عن لوم الدولة فقط ومحاسبتها» و»مشكل التعليم وسوق الشغل» وغير ذلك من الأسئلة المجتمعية «الحارقة» والحديثة. مبادرة «الفلسفة في الزنقة» أيضا انطلقت من رحم الفيسبوك إلى الشارع والهدف جعل النقاشات الفلسفية في متناول الجميع وكسر فكرة النخبوية التي تطبع الفلسفة، فتم طرح مواضيع من قبيل «الأخلاق والتدين» «المثلية الجنسية» في الشارع والحدائق العامة، ومع أن الفكرة لقيت قمعا من السلطات ورجال الأمن الذين فرقوا التجمعات إلا أنها فرضت نفسها واستمرت بل وأخذها عن مروان شباب من دول أخرى كتونس ومصر.
يقول مروان أنه سعيد جدا لهذا الحراك الشبابي الذي من شأنه نشر وعي مجتمعي بات قادرا في حالات كثيرة الضغط على المشرع لتعديل قوانين أو سن أخرى، فأصوات نخبة الفيسبوك باتت مسموعة وأخذت بعين الاعتبار في العديد من المناسبات والقرارات السياسية والاجتماعية التي اتخذت في البلاد، وان بشكل محدود لكنه أول الغيث. والأمل قائم وما زال الكثير مما يستوجب فعله وتحقيقه فلم يكن مشروع «الدخلة» بكتاب» وإنشاء المكتبات سوى الخطوة الأولى في مشوار الألف ميل في حياة مروان.

فاطمة بوغنبور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية