الحراك المدني في الشارع اللبناني بين حرية التعبير والفوضى المنظّمة

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:التوترات المتسارعة على الساحة اللبنانية ولاسيما التحرّك التصاعدي لما يعرف بالحراك المدني في الشارع الذي انطلق احتجاجاً على أزمة النفايات وصولاً إلى المطالبة بإسقاط النظام وتحرير البلد من الطاقم السياسي الفاسد على حدّ قولهم وما رافقه من أعمال شغب وعمليات كرّ وفرّ بين المعتصمين والقوى الأمنية، طرحت جملة تساؤلات حول حقّ الناس بالتظاهر وحرية التعبير عن الرأي ضمن حدود القانون والانتظام العام الذي حكم العلاقة بين السلطة والشعب بعيداً عن الاخلال بالأمن وأعمال الشغب والتعديّ على الأملاك العامة والخاصة.
هذه الاحتجاجات والتظاهرات فتحت الباب على مصراعيه حول الحقّ بالتظاهر الذي هو مكفول في الدستور اللبناني وأيضاً في الإتفاقيات الدولية التي يلتزم بها لبنان ويكرّسها في مقدمة الدستور، وفي إعلانات حقوق الإنسان، حيث يتمّ تنظيم فعل التظاهر في لبنان وفقاً للقرار رقم 1024 الذي بموجبه يخضع حقّ التظاهر أو التجمع أو الإعتصام إلى «عِلمٍ» يقدم إلى المحافظ في المحافظة التي سيتم ضمنها التظاهر أو الاعتصام وذلك قبل موعد التظاهرة بـ3 أيام على الأقل، ووفقا ًللقرار نفسه فانّ «العِلم» يختلف عن الترخيص، وهو مجرد بلاغ عن وجود قرار بالتظاهر، خلافاً للترخيص الذي يفترض إنتظار رد بالقبول أو الرفض من قبل الجهة المختصة.
ويفترض بالعلم أن يتضّمن «سبب الدعوة إلى التظاهر، إسم وصفة الجهة الداعية لها والشعارات الأساسية التي ستطلق، أسماء المنظّمين، وهم بالضرورة لبنانيون لا يقّل عددهم عن 3 مع تحديد مكان إقامتهم، وعدد المشاركين التقريبّي، مكان وساعة الإنطلاق ومكان التفرق، خط سير التظاهر المقترح، كما يتضّمن «العلم «أيضاً تعّهدا بالمسؤولية الكاملة عن أيّ ضرّر قد تسبّبه التظاهرة للأشخاص والممّتلكات الخاصة والعامة موقّعا من مقدمي الطلب.

الرأي القانونّي بشأن المواجهات

وكانت هذه المواجهات التصعيدية والدورّية في وسط بيروت كفيلة لاستنباط رأي قانونّي بشأنها إذ أيّدّ المرجع الحقوقيّ سليم حبيقه مبدأ التظاهر السلمّي وحريّة التعبير عن الرأي ضمن إطار القوانين المرعية الإجراء والمكفولة أساساً في الدستور اللبناني، لكنّه رفض في المقابل رفضاً قاطعا كلّ المحاولات الرامية إلى الإخلال بالأمن وتعريض الاستقرار والسلم الأهلي إلى الاهتزاز والاعتداء على الأملاك العامة والخاصة بما فيها المحاولات الحثيثة لاقتحام الأملاك العامة والمباني والإدارات الحكومية ولاسيما ما حصل في كلّ من وزارة البيئة والعمل والمالية والزيتونة باي من قبل مجموعات «طلعت ريحتكم «و»بدنا نحاسب» و «29 آب».
وحول رأيه في الشعارات التي رفعت من قبل المحتجيّن ومطالبتهم بإسقاط النظام اعتبر ان المطالبة باسقاط النظام خاطئة لأنّ ما يجب ان يحصل هو تطبيق النظام وليس تغييره أو إسقاطه معللاً قوله بانّ النظام القائم في لبنان من حيث النصوص الموضوعة هو الأنسب للبلد، غير انّ عملية التطبيق هي السيئة سواء في ما يتعلق بالدستور أو بأبسط القوانين. ورأى اننا في حاجة إلى تغيير في النهج والذهنية والعقلية وضبط الأداء على إيقاع النظام وليس لتغيير النظام برمّته.
وعلى وقع الاعتصامات والتحركات المتنقلة والمفاجئة التي يمارسها المعتصمون في وسط بيروت وما يرافقها من مواجهات وحدّة بينهم وبين القوى الأمنية المكلفة حمايتهم ، سؤال طرح نفسه هل هناك تأييد مطلق لهذه الحركة الشعبية التي انطلقت على خلفية أزمة النفايات وتوّسعت إلى مطالب أخرى منها استقالة الحكومة واسقاط النظام، أم هناك معارضين للشعارات المطلوبة، وهل أتت هذه الحركة بالنتيجة المرّجوة؟ أسئلة طرحتها «القدس العربي» على عيّنة من المواطنين الذين التقيناهم وبدت آراؤهم متباينة في ما بينهم، منها من هو مؤّيد ومنهم من أيّد التحرك الشعبي لتغيير الطاقم السياسي والمحاسبة غير أنه رفض ما ترافق من أعمال شغب ومنهم من اعترض كليّاً على هذه التحركات التي تخفي شيئاً ما من ورائها، وجاءت الردود كالتالي:
رولا بارود رحبّت بهذه الحركة الشعبية التي اعتبرت انها وقفت بالمرصاد في وجه السلطة السياسية التي لم يكن أحد يجرؤ على مواجهتها ومحاسبتها.
واشاد رامز بزيّ بالتحرك وقال إنّ هذه التظاهرات هي في المبدأ مشروعة ومبرّرة واستطاعت أيضاً ان تستقطب العديد من المواطنين الغاضبين.
أما نتالي معوّض فرأت انّ التظاهرات أتت بالنتيجة المرجوة منها وهي قد حققت انجازاً في ما خصّ النفايات حيث تمّ رفض عروض المناقصات التي تراجع عنها مجلس الوزراء على حدّ تعبيرها .
وأيدت وفاء بيضون من جهتها المطالب المشروعة والمحقة للحراك المدني، وأشارت إلى أنّ الشعارات التي هتفوا بها فيها الكثير من الصحّة لجهة الوضع المعيشي المتردّي الذي وصل إليه البلد، لكنها أعربت في الوقت عينه عن خشيتها من أن تفقد الحركة المدنية الشعبية زخمها كما بوصلتها تحت وطأة الارتباك في كيفية توظيف الانجاز الذي تحقّق لها في موضوع النفايات.
وداد بعينو رفضت في هذه التحركات أعمال الشغب التي اقترفها بعض المتظاهرين والتي ارتدّت سلباً على لبنان واللبنانيين مشيرة إلى انه في حال تمّ الاستمرار بها فقد تسيء بشكل مباشر إلى سمعة لبنان في الخارج ومحيطه العربيّ. ولم يجد احمد مزهر في هذا التحرك أيّ فائدة مرجوة منه بل تخوفّ في حال تطورّت أعمال الشغب إلى تهديد الوضع في لبنان والانزلاق في مشكلة كبيرة قد لا تحمد عقباها في حال لم يتمّ تدارك الأمر بسرعة.
وانتقد فادي ابو جودة تساهل القوى الأمنية مع المتظاهرين الذين تمادوا في تهجمهم عليها وعلى الأملاك العامة والإساءة إلى الرموز الوطنية في البلد وطالب الأجهزة الأمنية ان تحزم أمرها في منع القيام بأعمال الشغب.

التعبير عن الرأي حق مشروع

وقال وسام رعد إنّ التعبير عن الرأي هو حق مشروع لكل اللبنانيين صانه الدستور وأكدت عليه شرعة حقوق الإنسان على أن يمارس هذا الحق تحت سقف احترام القوانين السارية واحترام حرية الآخرين وحياتهم وسلامتهم وسلامة ممتلكاتهم. وأشار إلى انّه سريعاً جرى استغلاله من قبل مجموعات اندست بين مجموعات المجتمع المدني وهي ترفع شعاراتها وعباراتها وأهدافها غير المؤتلفة مع الغايات الأساسية لهذا التحرك.
وشكك فؤاد حمدان بنوايا المتظاهرين ومن خلفهم وقال أنّ هذا الاعتصام ترافق مع قيام مجموعات أخرى مدفوعة لغايات سياسية وأهداف حزبية استعملت أساليب العنف من أجل حرف هذا التعبير الديمقراطي والسلمي عن أهدافه وجّر البلاد إلى حالة الفوضى العارمة والمصير المجهول.
آراء الناس هذه تطابقت مع مواقف الجهات السياسية اللبنانية ومنها كتلة المستقبل النيابية التي رأت أن «استغلال التظاهرات السلمية واستعمالها منصّة من قبل بعض الأحزاب للاعتداء على كرامات الناس وعلى الممتلكات العامة والخاصة وعلى وسط العاصمة بيروت والتعدّي على مؤسسّات الدولة والقوى الأمنية هو أمر مستنكر ومرفوض، ولا يمكن القبول به تحت أي مسوغ أو مبرّر كان»، واعتبرت أن «هذه الاعتداءات فيها الكثير من الرعونة والخطورة التي قد تجّر البلاد إلى المزيد من شحن الأجواء وزيادة حدّة التطرّف والعنف».

ممنوع التعرض لقوى الأمن

القوات اللبنانية وعلى لسان رئيسها سمير جعجع أكّدت «انّ للمتظاهرين ولاسيما وأنّ الحكومة فشلت في إيجاد حلّ فوري لمشكلة النفايات» ولكنها حذّرت في الوقت عينه من الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة.
وحذّرت القوات من الشعارات التي اطلقتها حملة «طلعت ريحتكم» باسقاط النظام والتعرّض للقوى الأمنية بالقول «ممنوع التعرض لقوى الأمن الداخلي حتى لا يُهدّ الهيكل على رؤوسنا فحين ينهار النظام العام جراء تحركاتكم المباركة ستأتي بعدكم جحافل من الحراميّة وقطاع الطرق وعندها لن يقوى أحد على ضبطهم». ورأت أنّ «المطالبة باسقاط النظام والحكومة من دون انتخاب رئيس للبلاد هو انتحار سياسي للبنان ككل، لأنه إذا سقطت الحكومة، يصبح لبنان من غير رئيس ولا حكومة ولا مجلس نواب».
النائب وليد جنبلاط أيّد في البدء التحّرك الذي نظمّته حملة «طلعت ريحتكم» في الشارع الاّ أنه سرعان ما غيّر موقفه بعدما أخذ التحرّك منحى تصاعديّاً، وقال جنبلاط في الموقفين:»غالب الشعارات التي رفعت محقّة لكن يبقى دراسة آلية التنفيذ وعلى المسؤولين عن حراك «طلعت ريحتكم» ان يدرسوا الأمر بدقة من أجل منع الأحزاب، كل الأحزاب دون استثناء من استغلال هذا التحرك العفوي وإجهاضه، لان التحرك الامس خلافاً لتحرك الأسبوع الماضي عبّر عن الأوجاع الحقيقية للمواطن اللبناني التي لا يملك أو لا يتجرأ حزب من الإجابة عليها، ناهيك عن معظم الطبقة السياسية» ولاحقاً استغرب جنبلاط في تغريدة له ما اسماها بالفوضى المنظمة محذّراً من أيّ تدميرٍ للبلد: «انّ هذه الفوضى المنظمة التي تستعملها بعض من وسائل الإعلام في تحطيم الدولة والمؤسسات، قد تكون لحدث كبير خارج معرفة البعض على الأقل، لحدث أمني يدمّر البلاد» مضيفاً: لذلك انتبهوا على لعبة الدول من تدمير لبنان تحت شعار النفايات».
أعمال شغب

وتقاطعت المواقف السياسية بشأن ما ترافق من أعمال شغب في التحركات الاحتجاجية مع مواقف الجهات الأمنية التي استغربت ما وصلت إليه الأحداث الميدانية في ساحة الشهداء ورياض الصلح من عنف وتهجمّ غير مبّرر على القوى الأمنية مبديةً اسفها لما أسمته «الغوغائيّة» واستغربَت في الوقت عينه الدعمَ الإعلاميّ الذي تتلقّاه وتحديداً من بعض المحطات، واصفةً هذا الدعم بأنّه غير طبيعي ومشبوه وأنّ هناك خطّة ممنهَّجة لكسرِ صورة الأمن اللبناني من خلال تصوير عناصره بأنّهم قتَلة ومعتدون، عِلماً أنّ العكسَ هو الصحيح.
ونقل عن مراجع أمنية مختصّة استهجانها «لتصرّفات المتظاهرين التي لم تدلّ منذ اليوم الأوّل للحراك على أنّهم من المجتمع المدني الذي يضمّ عادةً خِيرةَ الشباب المحاور والمثقّف والمسالم وليس العدواني والشرِس والمعتدي، والوقائع أثبَتت أنّ شباب «طِلعت ريحتكم» لم يدركوا إلى أين سيصل حراكهم وسط المطالب الكثيرة المحِقّة التي تضغط على اللبنانيين فاندَفع الشعب وراءهم، وتناولت هذه المراجع الأمنيّة التي واكبت ميدانيّا مجريات الأحداث في وسط بيروت انّ الشباب من مجموعة طلعت ريحتكم أرادوا منذ اليوم الأوّل إزالة الأسلاك الشائكة ودخول السراي الحكومي غير انّ القوى الأمنية قد منعتهم ولكنّهم أصرّوا ورموا أفراد القوى الأمنية «بـالبويا» هازئين منهم ومن ثيابهم التي اتسّخت بها والتي من الصعب ازالتها، واستوعبت القوى الأمنية تصرّفات المتظاهرين التي طلبت منهم مرّة أخرى التراجع إلى الوراء وعدم الاقتراب، فلم يرتدعوا بل ازدادوا اصراراً وتعنتّاً وكرّروا محاولتهم بالتقدم وازالة الأسلاك الشائكة عبر استخدامهم آلة لقصّ الشريط وكلّ ذلك أمام عدسات الكاميرات التي كانت معظمها منحازة اليهم إذ قامت بتصويرهم على انّهم الضحية والقوى الأمنية على أنّها الجلّاد، وترافقت أعمالهم هذه مع استفزازات جمّة للقوى الأمنية، وفي اليوم التالي أضافت الجهات الأمنية أنّ المتظاهرين أصرّوا على دخول مجلس النواب فمنعَتهم شرطة المجلس، عِلماً أنّ عددَ أفرادها قليل ولا يمكنهم إلّا الحزم أمام مجهولين وغرَباء لا يملكون تصريحاً بالتظاهرة على حدّ قولها. ورأت انّه من حقّ الشرطة استعمال القوّة أمام إصرارهم وعنفهم وأمام الشغَب وعدم وقف رمي الحجارة وبعد وصول شبان عمدوا إلى تخريب المحالّ التجارية والتكسير، فلم يكن أمام شرطة المجلس سوى إطلاق النار في الهواء لابعادهم واستخدام خراطيم المياه من أجل حمايتهم قبل حماية نفسها.

احترام القانون

وعليه فقد ذّكرت وزارة الداخلية المواطنين الذين يرغبون بالتظاهر لأيّ سبب كان إلى ضرورة احترام القانون والاستحصال على الترخيص المسبق من الوزارة وتحديد المكان والزمان وخطّ سير التظاهرة والمسؤولين عنها لتتمّكن القوى الأمنية من تأمين الحماية اللازمة للمتظاهرين وكذلك للمواطنين الآخرين كما جاء في بيان صادر عن وزير الداخلية نهاد المشنوق اكّد فيه أنّ التظاهر تحت سقف القانون حقّ مشروع لكل اللبنانيين.
ولاحقاً أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي سلسلة بيانات أعربت فيها عن «حرية التعبير والتظاهر الحضارّي وتكفّل قوى الأمن الداخلي بحمايتهم وإحترام اي تحرك سلمي وديمقراطي، وأنها أبدا لم ولن تكون في موقع الخصم، إلا أنها تقوم بممارسة واجباتها وفقاً للقانون في حفظ الأمن والنظام».
وفي الختام ماذا بعد هذا الحِراك المدّني؟ وهل نحن اليوم أمام التحدّي الأكبر حتى يظلّ لبنان بلد الحُريَّة وموئل عبقريَّة الإنقاذ وعلى أمل في ان تحمل الأيَّام المُقبلةُ آمالاً وإصلاحاً حقيقيَّاً للبلد نسأل لماذا أخفقت السلطة إلى هذا الحدّ المخيف بالتعامل مع أزمة النفايات؟ وهل اخطأ المتظاهرون أم لا؟

ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية