كل شخص نزيه يرغب أن يعاقب بشار الأسد على قتل الاطفال بالكلور. ولكن هل يمكن ألا نخاف حقاً من حرب في منطقتنا حين تدعى إسرائيل إلى العلم الأمريكي؟ هل الخوف من حرب كهذه حتى لو كان جزءاً من أسباب اندلاعها المحتمل مبرر أخلاقياً لا يبعث القشعريرة في ظهر بنيامين نتنياهو؟ وأكثر من ذلك ألا يرى أحد الصلة التي بين الحرب الاقليمية والخطر لانهيار النظام في دولة إسرائيل؟
لقد استغل نتنياهو خطابه في «يد واسم» هذه السنة كي يهدد إيران ألا تضع «تصميم دولة إسرائيل قيد الاختبار». ولكن ليس استفزازه المتواصل لإيران وحده هو الذي يبعث القلق من حرب اقليمية بل الخليط الذي بين تأييده للموقف الأمريكي وبين الشكل الذي يدفع فيه النظام الإسرائيلي إلى الحائط. ففي خطابه ذكّر نتنياهو بالصليب المعقوف الذي رآه مرفوعا على حدود غزة، وكأن بؤساء غزة، الذين تظاهروا على مسافة بضع مئات الامتار عن الجدار وأطلق القناصون النار عليهم، هم لإسرائيل مثل البرت شبار وغوبلس وهس ليهود اوروبا. فالاخلاق المزدوجة والمبالغات لدى نتنياهو بالنسبة للفلسطينيين تجاوزت منذ زمن بعيد الديماغوجيا، والمفارقة لم تعد تختفي عن ناظر أحد حين يأتي التعظيم الوهمي لقوة المحبوسين في غزة على لسان من لتوه سحب موافقته على الاتفاق لاستيعاب اللاجئين برعاية الامم المتحدة. غير أن هذه المقايسة بين الفلسطينيين والنازيين، مهما كانت ديماغوجية، هي مجرد مدماك في الخطر الذي في امكانية اندلاع الحرب. صحيح أن إسرائيل قادرة على الدفاع عن حدودها، وان لها وسائل دفاع برية، جوية، بحرية واستخباراتية، ولكن يجدر بالذكر بأن المشروع الإسرائيلي المركزي لقمع الفلسطينيين حتى درجة التحطيم الفعلي لحل الدولتين يمس بقدرتها على توجيه المقدرات للحرب الاقليمية. وبخلاف فكرة الجبهتين لدافيد بين غوريون ـ وبموجبها نقاتل ضد الانتداب وكأنه لا يوجد هتلر، ونقاتل هتلر وكأنه لا يوجد انتداب ـ فإن وضع إسرائيل اليوم يختلف جوهريا.
ان الخطر ببساطة كبير للغاية. ليس فقط المادي، بل أساساً الداخلي. والخطر الأكبر هو خطر انهيار النظام الديمقراطي في إسرائيل بقوة أنظمة الطوارىء في ظل سحب واسع للحقوق، قبل كل شيء حقوق العرب، وبعد ذلك حقوق الاعداء السياسيين ومن ثم جماعات أخرى، والانتاج الفعلي لنظام ليس ديمقراطيا. وبعد أن يقام مثل هذا النظام، لأغراض الطوارىء، لن يكون ممكنا التراجع فيه إلى الوراء، ومن يطلب التراجع عنه إلى صيغته السابقة سيعلن عنه كخائن.
ثمة صلة وثيقة بين الخطوات الحقيقية للبيت اليهودي، يريف لفين ونتنياهو لجعل محكمة العدل العليا عدو «الشعب»، والتراجع إلى الوراء في «الثورة الدستورية»، التي ليست «ارادة الشعب»، من دون اقتراح دستور، وبين إمكانية أن تكون نضجت الظروف وتهيأت القلوب واتخذت الوسائل لأن تميل كفة الميزان في إسرائيل عند الطواريء أخيراً يمينا وإلى الاسفل.
مع حلول يوم الاستقلال السبعين لإسرائيل، فإن المستقبل المظلم الذي كان بانتظارها في يوم اغتيال رابين بات هنا. في ظل العقاب الجماعي الوحشي على حدود غزة، المعاملة العنصرية للاجئين، التحريض الخطير ضد الفكر اليساري وعقدة الملوكية لدى نتنياهو ليست لإسرائيل قدرة على التصدي للحرب الكبرى. فالتآكل المتواصل، وحيد الاتجاه والحاد في القيم الليبرالية، الديمقراطية، كرامة الانسان والسعي إلى الحرية والمساواة هو خطر داخلي حقيقي. وفي ظروف الحرب الاقليمية، فإن الحصانة الديمقراطية لإسرائيل لن تقف إلى جانبها. إذ ان اليوم الذي تتطاير فيه هنا الصواريخ ـ الروسية، الإيرانية أو غيرها ـ سيكون اليوم الذي يصبح فيه نظام الطوارىء أمنية الشعب ولن يكون هناك مزيد من الاسئلة الصغيرة كما لن تتبقى لنا أحلام كبرى.
هآرتس 18/4/2018