أخيراً طفح كيل الصبر لدى قيادة اقليم كردستان على حليفها التركي بعد مقتل نحو خمسة مدنيين، في قرية زنكنة، بسبب غارات الطيران التركي على جبال قنديل. مسعود بارزاني الذي كان سارع إلى إدانة اغتيال حزب العمال الكردستاني لشرطيين تركيين «ثأراً لمجزرة سروج»، حمّل الطرفين، الحكومة التركية والعمال الكردستاني، لاحقاً، مسؤولية انهاء وقف إطلاق النار المستمر منذ عامين والعودة إلى التصعيد العسكري، ليصل أخيراً إلى إدانة قتل المدنيين بقنابل الطائرات التركية.
لنلاحظ أن قيادة الاقليم الكردستاني هي الصديق الوحيد المتبقي لتركيا في جوارها الاقليمي، بعدما انتهت سياسة «تصفير المشكلات مع دول الجوار» المسجلة باسم رئيس الوزراء التركي المستقيل أحمد داوود أوغلو، إلى الانهيار التام منذ اندلاع ثورات الربيع العربي. أما الحليف الأمريكي فقد بدأ بتأييد الضربات الجوية التركية ضد مواقع الكردستاني في شمال العراق، لينتقل بعد ذلك إلى دعوة متزامنة للكردستاني إلى وقف العنف، وللحكومة التركية إلى الاكتفاء باستخدام «متكافئ» للقوة. بالمقابل كان الأمريكيون واضحين في مواصلة دعمهم للفرع السوري للكردستاني (PYD) وذراعه المسلحة المعروفة بوحدات حماية الشعب، في صراعهما ضد داعش، انطلاقاً من قاعدة انجرليك التركية بالذات، مكذبين ما قاله وزير الخارجية التركي مولود شاويش أوغلو بهذا الخصوص.
الخلاصة أن التأييد الذي حظيت به الحكومة التركية من حلفائها في بداية «حربها على الإرهاب» أخذ يتآكل بسرعة بعدما اتضح أن هدف هذه الحرب هو العمال الكردستاني وليس تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأنها تجاوزت الرد المحدود على اغتيال الشرطيين إلى حرب شاملة على الكرد والسياسة الكردية بصورة عامة.
فالحرب الجوية التي يشنها الطيران التركي على مواقع الحزب الكردستاني في شمال العراق، تكملها حملة سياسية ـ أمنية – إعلامية ضد الممثل السياسي للكرد في البرلمان التركي المعروف باسم حزب الشعوب الديمقراطي (HDP). حملة الاعتقالات الكبيرة التي يشنها جهاز مكافحة الإرهاب في الشرطة التركية، وقالت الحكومة إنها موجهة ضد كل من داعش وpkk ومنظمة يسارية متطرفة معاً، شملت أكثر من 1300 شخص، منهم 143 فقط متهمين بعلاقتهم بداعش مقابل غالبية ساحقة من أنصار «الشعوب الديمقراطي». ويشن الإعلام الموالي لرئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان حملةً كبيرة على الحزب السياسي الكردي ورئيسه صلاح الدين دمرتاش بدعوى «تأييدهما للإرهاب»، في حين يتم العمل على مشروع لنزع الحصانة البرلمانية عن دمرتاش ونواب آخرين للحزب تمهيداً لتجريمهم وتجريم الحزب من خلالهم، وصولاً، ربما، إلى حل الحزب بقرار قضائي إذا أمكن.
بالمقابل، لا يمر يوم إلا ويسجل فيه تنفيذ عمل عسكري أو أكثر للعمال الكردستاني ضد أهداف عسكرية وأمنية، في مناطق الجنوب والجنوب الشرقي من الأناضول بصورة خاصة حيث الغالبية السكانية الكردية، بما في ذلك عمليات انتحارية. لماذا عادت تركيا إلى أجواء الحرب الداخلية كما في تسعينات القرن الماضي، بعد سنوات من الهدوء النسبي، وسنتين كاملتين من وقف إطلاق النار في إطار ما سمي بمسار الحل السلمي؟
من جهة الرئيس أردوغان والحكومة التركية، يمكن الحديث عن سببين، داخلي وخارجي. أما السبب الداخلي فهو نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في السابع من شهر حزيران / يونيو الماضي وفقد فيها حزب العدالة والتنمية الحاكم الغالبية المطلقة التي تخوله تشكيل حكومة بمفرده. وكان السبب الرئيسي لفقدان الحزب الغالبية هو نجاح حزب الشعوب الديمقراطي في تجاوز حاجز العشرة في المئة ودخوله البرلمان بثمانين نائباً. خاصةً وأن الشعار ـ الوعيد الذي أطلقه دمرتاش، أثناء الحملة الانتخابية، كان بصدد عدم تمكين أردوغان من تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي، وقد أكسبه ذلك الكثير من أصوات الناخبين الأتراك، من ديمقراطيين وليبراليين وعلمانيين، ممن يريدون التخلص من الحكم المديد لأردوغان وحزبه الإسلامي بأي ثمن. وهو ما لن يغفره له أردوغان، وسيؤدي إلى هذه الحملة الكبيرة ضده بالذات في إطار الحملة الشاملة على الحزب الكردي.
غير أن الأمر لا يتعلق فقط بمجرد الانتقام، بل يتعداه إلى خطة عملية متكاملة للذهاب إلى انتخابات مبكرة يأمل فيها أردوغان فوز «العدالة والتنمية» بنسبة أعلى من الأصوات تمكنه من تشكيل الحكومة على الأقل، إن لم تمكنه أيضاً من تغيير النظام السياسي. ولهذا السبب، كان الغزل يدور بحرارة بين الحزب الحاكم والحزب القومي المتطرف بقيادة دولت بهتشلي، في الوقت الذي تستمر فيه المفاوضات مع حزب الشعب الجمهوري على تشكيل حكومة ائتلافية. إن تخلي السلطة عن الحل السلمي وإطلاق حرب على «الكردستاني» وحملة أمنية وسياسية على «الشعوب الديمقراطي» هي مما يسر الحزب القومي المتشدد ويرضي حماسته الشوفينية ضد الكرد.
كذلك هي حال الشائعات الافتراضية الدائرة حول «المنطقة الآمنة» التي من المفترض أن تقطع الشريط الحدودي الكردي في سوريا بين منطقتي كوباني وعفرين، في إطار صفقة إنجرليك مع الأمريكيين. كل هذه المستجدات في موقف الحكومة التركية مما يرضي التيار القومي المتشدد من جهة والمؤسسة العسكرية، بعد تغييبها مطولاً، من جهة ثانية. ينطبق على الحكومة التركية هنا ذلك المثل القائل «يشير إلى اليمين، وينعطف يساراً». فهي تتفاوض مع الحزب العلماني وتغازل الحزب القومي الذي بات يصوت في البرلمان دائماً مع نواب الحزب الحاكم في الاتجاه نفسه. والغاية المزدوجة من ذلك هي كسب أصوات من ناخبي الحزب القومي لمصلحة الحزب الحاكم، من جهة أولى، وعدم تمكين إنشاء حكومة ائتلافية مع الشعب الجمهوري، من جهة ثانية.
أما السبب الخارجي الذي دفع الحكومة إلى شن هذه الحرب، فهو يتعلق بمواجهة التحالف غير الرسمي بين الولايات المتحدة وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي قام بمناسبة معركة كوباني. وهي نفسها المناسبة التي بلغت فيها العلاقات الأمريكية ـ التركية مستوى الحضيض. من هذا المنظور يبدو حزب العمال الكردستاني، باغتياله للشرطيين، وكأنه أعطى الذريعة المناسبة لشن الحرب التركية عليه. فلماذا فعل ذلك وهو الحزب المعروف ببراغماتيته ومرونته الشديدة؟
تتحدث تحليلات مراقبين متعاطفين مع القضية الكردية في تركيا عن وجود جناح «صقور» داخل قيادة الكردستاني رأى في الصعود اللافت لحزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات العامة، كما في الرأي العام التركي، خطراً يتهدد مصالحه، فأراد أن يضعف من نفوذه الإيجابي بحشره بين خيارات مرة ليس بينها خيار إيجابي: فإما أن يدين إرهاب «الكردستاني» كما تطالبه الحكومة كل يوم، فيصطدم بالحزب المسلح ويخسر قسماً من التأييد الشعبي الكردي، أو يبرر هذا الإرهاب فيخسر الكثير من جمهوره الجديد التواق إلى السلام من أتراك وكرد. ولا يخلو الأمر من تحليلات، في الإعلام، تلمّح إلى اختراق أمني محتمل لـ»الدولة العميقة» في جسم الحزب الكردستاني، هو المسؤول عن عملية اغتيال الشرطيين التي قلبت كل شيء رأساً على عقب في المشهد السياسي المضطرب في تركيا.
٭ كاتب سوري
بكر صدقي