الحرب الجزائرية على… جسد المرأة

حجم الخط
5

انتهى مونديال روسيا، أعاد بوتين ترقيع صورته إلى حين، واكتشفنا لاعبين جددا، وخاب ظننا في آخرين. حققت كرواتيا معجزة ـ لم تكتمل ـ وفرضت فرنسا واقعيتها وتوجت بالكأس.
وأي كلام عن هذا الحدث الكروي لن يخرج بالضرورة، عن التعليق على النتائج ومردود الفرق، واستغلال الكرملين لما جرى، عدا في الجزائر، التي لم تتأهل ولم يهتم فيه بعض الناس بمتابعة ما يدور في أرضية الميدان بقدر اهتمامهم بالمباريات التي لُعبت في المُدرجات، وتحول في نظرهم المونديال إلى قضية سياسية، وأثار جدلاً، من نوع آخر، بعد اكتشافهم كوليندا غرابار رئيسة كرواتيا، التي لم تتوان في توزيع ابتسامات مجانية، في الرقص والهتاف، وفي التقاط ما لا يُحصى من صور «سيلفي»، وأحس بعض من هؤلاء الجزائريين بالغيرة من الكروات، لا سيما أن بلدهم لا يظهر فيه الرئيس سوى في رسائل تنشر في وكالة الأنباء، أو في صور خاطفة، على التلفزيون الرسمي، وبلغ الأمر بأحدهم أن تمنى أن يكون كرواتياً.
انتبه الجزائري، الذي كلما حل الصيف أدرك حجم العزلة التي يعيش فيها، وأن فصل العطل فرصة أخرى للتأكد من فشل التسيير المركزي للبلد، أن هناك رؤساء من نوع آخر، ظرفاء وحيويين ويبتسمون، وأنهم لا يخجلون من الظهور وسط العامة، على عكس الحال في الداخل، وأكثر من ذلك، ألهمتهم فكرة أن يكون الرئيس امرأة، كما لو أن لسان حالهم يقول: «جربنا رجالاً، منذ الاستقلال، ولم ننجح، ماذا لو جربنا امرأة؟». ذلك الجزائري، المستلقي أمام تلفاز، الذي يستفيق، كل يوم على رتم الخطابات والبيانات المؤيدة لترشح الرئيس نفسه إلى عهدة خامسة، ويقضم ما وصلت إليه يداه، وهو يُغير القنوات، كي لا يضيع على نفسه لقطة من المدرجات، لا يهتم بالحصيلة المخيبة لكوليندا في بلدها، ولا سخط شعبها منها بسبب تراكمات الضرائب وتقلص سوق العمل، ولا أنها فقدت قطعة من ساحل وطنها لصالح سلوفينيا، ولا يهمه أن الشرطة الكرواتية، هي الوحيدة، التي تطلق ناراً حياً على لاجئين عرب، بل تهمه فقط الصورة، وحبذا أن تكون صورة مركزة، أن يمعن النظر في الوجوه الضاحكة، ويتمتع بمشاهدة امرأة بهية، ولو للحظات، وهي تحتفل وتفرح، في المدرجات، ويتخيل لو أنه يعيش في بلد تحكمه امرأة مثلها.
ولكن بمجرد ما يُطفئ التلفاز، تنتهي صور المدرجات والابتسامات الملونة، ويخطو إلى الشارع، سيضرب أول امرأة يلتقيها على قفاها. هكذا هو الجزائري، في صنعته السيكولوجية، وفي عجينته التي تختلط فيها الثنائيات المتناقضة، التي ورثها وتربى عليها، لا يضيع فرصة لإثبات فحولته النسبية، وفي اختراع خصوم له، يميل إلى التعلق بصور وأصوات نساء أجنبيات، ولا يتورع في سحل وسجن والإساءة لمواطنته. إن عنف الجزائري على المرأة، ورغبته الدفينة، التي صارت أمراً عادياً، في امتلاك جسدها، كما لو أنه واحد من ممتلكاته الشخصية، في حجزها في الظلمة، التي يُريدها، لم تعد استثناءً، كما إنها ليست ظاهرة جديدة، لكن من اللافت أن الأمر قد تحول إلى «إدمان»، في السنين الأخيرة، انقسم المجتمع بين كتلتين غير متساويتين: أقلية مُدافعة عن حريات المرأة، دائماً ما تُوجه لها تهم «التغريب» مع أوصاف أخرى مُخلة، وغالبية تظن أن وجود المرأة تهديد للعقلية البطريركية. وأن عزلها هو الخيار الأمثل للحفاظ على توازن مغلوط. وبدأنا نتعود في لامبالاة، على تكرار سماع وقائع وأحاديث عن تعنيف متفق عليه لجسد المرأة، باعتبارها حقاً رجولياً، ويزداد الأمر سوءًا أن نجد نساءً يقبلن «العبودية الجديدة» التي أُلقين فيها.
في تلك الحرب الجزائرية، الخفية، على جسد المرأة، في السباق نحو السيطرة عليه وتطويعه، يبحث البعض عن أسباب لتبرير العنف المتزايد، ولإيجاد مسوغات له، للرد على الأقلية، التي ستعترض على فعلهم. ومن القصص الاجتماعية الشائعة، هي موضوع الشغل، وخرافة أن تحرر المرأة سيترتب عليه اتساع حضورها في أمكنة العمل، بينما يضطر الرجل لقبول العطالة. ومن المحير أن هناك خطاباً دينياً، يستغل الفجوات القانونية، يتقاطع مع هذه الأسطورة الاجتماعية، في كبح رغبة المرأة في الخروج، في امتصاص حاجتها إلى التحرر من التبعية للرجل، وفي العمل وكسب قوتها بيدها. فكلما علت المرأة، وارتفعت قليلاً، بفضل تعليمها وتعبها، طالت اليد الرجل، امتدت إليها ودفعتها للانحدار، في الجهة الأخرى. وكلما اتسعت الفوارق التعليمية، والتحصيل، بين امرأة ورجل، زاد منسوب العنف الاجتماعي، الموجه ضدها، وألبست جبة الضحية، رغم أنفها، وتزايد الضغط عليها، كي تتخلى عن الحظوة الاجتماعية، التي وصلت إليها.
هذه الرغبة البدائية في ترويض المرأة، في مجتمع جزائري يرفض الانفتاح، ويخشى الاصطدام بكل ما هو مختلف عن تنشئته، ويستأنس بتدوير الملل، الذي يحيا فيه، أفرزت ردود فعل فطرية، في مخيلة المرأة، التي ما إن تخرج، إلى الفضاء العام، حتى تحضر ما تسنى لها من «مخالب» و«أنياب» افتراضية، تلبس درع «الاستنفار»، دفاعاً عن جسدها المنتهك، فهي لم ولن تشعر بأمان. تحس وهي تمشي، بأن الضربة قد تصلها في أي لحظة، ومن أكثر الأمكنة غير المتوقعة، وأن الأعين تترصدها في كل حركاتها، لهذا فهي تكيف نفسها على «ردة الفعل»، تحسباً لأي طارئ، فنظرة الجزائري تجاهها تغيرت كثيراً، في العقدين الأخيرين، لم يعد يمسك بوميض من الرومانسية، ولا يثق في لغة العاطفة، تغلبت النزعة الفردية على روحه، لم يعد يؤمن بخصوصية المرأة، وحقها في التمتع بجسدها، بل يرى فيه «حقاً له»، يقبل بكل شيء لامتلاكه، يخوض على جسدها غزواته، ينزع إلى مخاصمته، كي يتحرر مما تراكم في عقله من عقد، أورثتها اهتزازات الحياتين الاجتماعية والسياسية، وتناقضاتهما.
لا يمكن أن نتحدث عن «نسوية»، في الجزائرية، بمفهومها العلمي، فهي من القضايا المنبوذة، تمت شيطنتها، بل إن سلوكيات عدائية، تمكنت من فبركة المفاهيم، وربطت النسوية بطبقية اجتماعية، كما لو أن من تُدافع عن المرأة، وتجاهر بذلك، هي فقط فئة من البورجوازية الصغيرة، وأن الغالبية من النساء، المغلوبات على أمرهن، راضيات، في الأسفل، بما يعشنه. في ظل هذا التخبط الاجتماعي، تزايد العدائية الذكورية وتشديد الحصار على جسد المرأة، باعتباره أرض المعارك، التي لا نعرف متى تنتهي، سيصعب أن نطبق تعريفات المجتمع على الحالة الجزائرية. المجتمع يستلزم جملة من الأفراد يعيشون ضمن قناعات مشتركة، تربط بينهم علاقات ثابتة، ومنظمة، وهو ما لا ينطبق على حالتنا، فالفصل بين الجنسين تحول إلى واقع، لا ننكره، وبالتالي لا يمكن أن نفكر في قيم مشتركة، ولا نستطيع العمل على تثبيتها. هكذا هي رغبة الرجل، عموماً، الذي له مواقف صريحة، في الغالب، بعلوية جنس على الآخر، وبدونية المرأة، وقصر نظرها، وعدم قدرتها على تحمل الأشغال الأساسية، ومع ذلك وبينما هو يستبسل في تعنيف جسد مواطنته، ويظهر ما استطاع إلى ذلك سبيلا من جسارة وجرأة، لا ينسى أن يصفق لكوليندا غرابار، أن يفرح لفرحها، ويكتشف أن له جينات تحثه على تشجيع كرواتيا، ويرى فيها نموذجاً للمرأة الحديثة، يتمنى لو أن بنات مجتمعه وصلن إلى ما وصلت إليه، وفي كل مرة، يظهر لهن صورتها (التي نجحت في تزييفها والترويج لها)، ويذكرهن بنجاحها وفشلهن – الذي كان هو سبباً فيه.

٭ كاتب من الجزائر

الحرب الجزائرية على… جسد المرأة

سعيد خطيبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية