سيذكر التاريخ الرئيس الأمريكي باراك أوباما بانه صاحب نظرية الحرب على الإرهاب من الجو عن طريق الدرونز (الطائرات من دون طيار). فكثير من الرؤساء الأمريكيين يخلدهم التاريخ بحادثة ما أو سياسة حكيمة أو غير حكيمة تذكر كلما ذكر الرئيس. فأبراهام لنكولن أول من حاول تحرير العبيد، والرئيس ولسون أول من طرح فكرة حق تقرير المصير للأراضي والشعوب المستعمرة، وروزفلت هو من انقذ الاقتصاد الأمريكي بعد الانهيار، ونكسون اخترق المحظور وزار الصين، وكارتر فشل في تحرير الرهائن الأمريكيين من إيران، وريغان انهك الاتحاد السوفييتي وأوصله إلى حالة الانهيار التي وقعت في عهد خلفه بوش الأب الذي سيرتبط اسمه بتحرير الكويت وجمع أكبر تحالف عسكري في التاريخ ضد العراق حيث بدأ في عهده مشوار تدمير العراق واحتلاله على أيدي ابنه جورج والذي شهد كارثة 11 أيلول/ سبتمبر التي أطلقت ما سمي إلى يومنا هذا «الحرب على الإرهاب».
يقول أوباما ومستشاروه ان من مزايا الحرب عن طريق الجو باستخدام الدرونز ان بساطير العساكر لا تطأ الأرض وان نسبة المخاطرة بأرواح الجنود الأمريكيين تكاد تكون معدومة بالإضافة إلى الرضى الشعبي الذي تلقاه مثل هذه السياسة لدى الشارع الأمريكي الذي يقارنها بألعاب الفيديو الذي يقوم فيها البطل بإبادة الأعداء ويرجع منتصرا مكللا بالغار والأوسمة. كما ان هذه الحرب تعيش في الغياب فلا يشعر الأمريكي العادي لا بضراوتها ولا بأنات الضحايا من الأبرياء الذين تتصيدهم القذائف العمياء والتي كثيرا ما تخطئ هدفها لتصيب أبرياء صدف وكانوا في المكان الخطأ لحظة انفجار القذيفة.
طوال فترة حكم بوش الابن التي استمرت ثماني سنوات لم يفوض استخدام الدرونز إلا نحو خمسين مرة. أما أوباما فقد فوض استخدام الدرونز لأكثر من 400 مرة منذ وقع التفويض الأول بعد ثلاثة أيام فقط من جلوسه رئيسا في البيت الأبيض. ففي 23 كانون الثاني/يناير 2009 انطلقت قذيفة من درون تابعة لوكالة المخابرات المركزية لتدمر منزلا في منطقة القبائل بباكستان وقيل يومها ان الغارة كانت ناحجة تماما فقد اصطادت عددا من قادة القاعدة «من بينهم هدف على قدر كبير من الأهمية». لكن تبين بعدها ان الذين قتلوا كانوا تسعة من عائلة واحدة ولم ينج منهم إلا فهيم قريش الذي أصيب إصابات بالغة. ورغم هذه البداية غير الموفقة إلا ان أوباما توسع في استخدام الدرونز لتشمل بالإضافة إلى أفغانستان وباكستان، اليمن والصومال وشمال مالي وليبيا والآن العراق وسوريا. وقد دخلت القوات الجوية العادية اليوم مرحلة الحرب على داعش وأخواتها لتكون السنة السادسة من رئاسة أوباما سنة الحرب الجوية الشاملة على الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد وأكثر من ساحة. فهل ستأتي هذه السياسة بأية نتيجة وتهزم الفصائل التي توصف بالإرهاب كالقاعدة وداعش والنصرة وغيرها؟
يقول مؤيدو الحرب باستخدام الدرونز انها فعالة وقليلة التكلفة في نفس الوقت. فقد قتل من بداية التوسع في استخدام الدرونز 3.300 عنصر من القاعدة وطالبان والشباب في الصومال وأنصار الشريعة في اليمن. ومن بين هؤلاء، حسب تقرير «نيو أمريكان فاونديشن»، خمسون من قادة هذه الجماعات أبرزهم عطية عبد الرحمن الذي اصطادته الدرونز في منطقة وزيرستان بالباكستان. وقد أدى قطع رؤوس القيادات الكبرى إلى صعود قيادات متوسطة عديمة الخبرة وضعيفة التخطيط والقيادة وخائفة على رؤوسها. استطاعت الدرونز ان تدمر خطوط الاتصالات وطرق التموين ومخابئ التدريب ومخازن السلاح. وقد وجدت رسالة خلفها عناصر متطرفة في مالي تقول «حافظوا دائما على الصمت المطلق بعدم استخدام وسائل الاتصال اللاسلكية». لقد ألغت القاعدة من برامجها عمليات التدريب والاتصالات بالقيادات في حالة الوقوع في مأزق لأن هذا يعني ان هجمات الدرونز ستصل مباشرة.
ويتابع أنصار استخدام الدرونز ان حكام الدول التي تستخدم فيها هذه الطائرات لا يجدون حرجا كبيرا مثلما لو كان هناك جنود أمريكيون على الأرض يقاتلون ويعتقلون ويحققون مع المعتقلين. فانتهاك السيادة في هذه الدول لا يكون مفضوحا بطريقة رعناء ووقحة مثلما لو كانت العمليات تشمل جنودا على الأرض ومعدات قتالية واعتقالات واشتباكات.
ان أكبر عملية نقد يتعرض لها أوباما وإدارته من قبل مناهضي الحرب على الإرهاب عن طريق استخدام الدرونز هي سقوط المئات من المدنيين الأبرياء الذين لا دخل لهم بتلك الحرب. وتقر إدارة أوباما بسقوط مدنيين لكن لا تجد ما تبرر ذلك إلا ان البدائل معدومة وان أي حرب في النهاية لا يمكن إلا ان يسقط فيها مدنيون وان الحرب بمفهومها التقليدي لو شنت ضد الإرهابيين فستشمل مخاطر سقوط عدد أكبر من المدنيين.
يقول «مكتب الصحافة الاستقصائية»، المتخصص في متابعة الحروب المخفية وتوثيق خسائر المدنيين، ان إدارة أوباما قد شنت 390 غارة عن طريق الدرونز في باكستان واليمن والصومال في السنوات الخمس الأولى من حكمه أدت إلى مقتل 2.400. وفي سنة 2011 وحدها قتل على الأقل 900 شخص من غير المحاربين من بينهم 200 طفل. ويصل مجموع المدنيين الذين قتلوا في الغارات نحو 500 مدني. ففي اليمن مثلا وعندما بدأت إدارة أوباما بمهاجمة مناطق القاعدة أصاب صاروخ منطقة فقيرة في المجالا، جنوب اليمن، وخلف 41 قتيلا من المدنيين من بينهم 21 طفلا و 12 امرأة. وفي 12 كانون الأول/ديسمبر 2013 أصابت أربعة صواريخ أطلقتها طائرات الدرونز موكب عروس مكونا من 14 سيارة و 70 راكبا متوجها نحو بيت عريسها في عقبة زعج بمحافظة البيضاء فقتلت 15 مدنيا. وبعد ان ادعت حكومة عبدربه هادي منصور ان القاعدة قامت بالعملية تراجعت وسوّت القضية مع العائلة بمبلغ قيمته 140.000 دولار و100 بندقية.
وتتهم جماعات حقوق الإنسان وخاصة في باكستان ان الولايات المتحدة وباكستان تتستران على مجموع الضحايا من المدنيين وكما «تسمي الولايات المتحدة كل شخص قتل طالبان فانا أسمي كل شخص قتل مدنياً»، يقول زيشان الحسن عثماني الذي يشرف على منظمة غير حكومية تسمى «باكستان بودي كاونت، أو عدّ القتلى من الباكستانيـين». وتثبت هذه المنظمة على موقعها ان عدد الذين قتلتهم غارات الدرونز 3.315 والجرحى 4.590.
ان غياب العنصر الإنساني في محاربة الإرهابيين والاعتماد على ضربهم من الجو عن طريق الدرونز أو الغارات الجوية يفقد الولايات المتحدة وحلفاءها عنصر جمع المعلومات وتحليلها والاستفادة منها في إفشال مخططات مستـقبلية لهذه الجماعات. وللانتصار عليهم لا بد من قيام مواجهة معهم على الأرض. ان تصيدهم بالصواريخ والقذائف والتي تؤدي إلى قتل المدنيين لا بد إلا ان يكون لها رد فعل مساو من الغضب ضد الولايات المتحدة وحلفائها من أهالي الضحايا والفئات الشعبية البسيطة والبريئة التي لا دخل لها في الجماعات المتطرفة التي فرضت نفسها عليهم بالقوة وحولتهم إلى ما هو أقرب إلى الرهائن أو دروع بشرية يختبئون وراءهم حماية من الغارات القادمة. ويشير أنصار نظرية عدم فاعلية الدرونز إلى ان عملية تصيد أسامة بن لادن تمت عن طريق العامل البشري وليس الدرونز. فالدرونز لا تعتقل أحدا ولا تستولي على ذاكرة كمبيوتر ولا تعود برزمة من الأقراص المدمجة أو المخططات والخرائط والمراسلات السرية.
ان التوسع في استخدام الدرونز أثار حفيظة الدول حول انتهاك الولايات المتحدة للقانون الدولي بقيامها بانتهاك سيادة الدول وقتل المئات من المدنيين دون ان تنجح في جعل تلك الدول أكثر أمنا. على العكس تماما فقد ساهمت ملاحقة الإرهابيين عن طريق الدرونز في انتشارهم في رقع جغرافية واسعة من جهة واندساسهم بطريقة خفية بين الناس.
ان دور الدرونز في الحملة الجوية التي تشنها الولايات المتحدة ضد مواقع الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» غير واضحة، إلا ان هناك تقارير تؤكد قيام طائرات درونز بالتحليق ليس فقط فوق العراق بإذن من الدولة لكن فوق سوريا بدون إذن من الدولة. ومن المتوقع ان يتم إدخال عنصر الدرونز في المعركة بشكل واسع في الأشهر القادمة لتساند الطائرات الحربية والطائرات العمودية أباتشي التي قررت الإدارة الأمريكية الاستعانة بها لملاحقة عناصر داعش الذين بدأوا يتمددون في مناطق أكراد سوريا بعد ان توقف زحفهم نحو كردستان العراق. الشيء الذي يتفق عليه الأكاديميون ودور البحث ان الحرب مع داعش ستأخذ وقتا طويلا ولا يمكن حسمها من الجو حتى باستخدام الأباتشي والدرونز والطائرات الحربية وان فاعلية الجو ستتلاشى في حالة تشابك قوات داعش على الأرض مع المدنيين لتحولهم رهائن وفي نفس الوقت دروعا بشرية يحتمون خلفها لسنين طويلة في غياب قوات برية تأتي للمنازلة.
فهل تعول الولايات المتحدة على تركيا للقيام بهذا الدور أو تفتح خطوطا للمصالحة مع النظام السوري ومهادنته مؤقتا من أجـــل القضاء على العدو المشترك للطرفين على اعتبار ان عدو عدوي هو الان صديقي؟
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام