الحرب ضد الإرهاب… ليست أهلية

رد الرئيس السيسي بصورة ضمنية على فيديو تلويث سمعة الجيش المصري، وأعلن ـ في مؤتمر الشباب بالإسماعيلية ـ تحفظه على فكرة تشكيل «لجان شعبية» لمساندة الجيش في الحرب ضد الإرهاب، وهذا موقف صحيح تماماً، فالجيش المصري لا يحتاج إلى معونة أحد في منطقة عملياته الجارية بحيز محدود أقصى شمال شرق سيناء، ثم أن أحداً لا يضمن انضباط السلوك الحربي للأهالي، خاصة في بيئة بدوية بطبيعتها، فيها الكثير من السلاح، ومن خشونة التصرفات، ومن حزازات قبلية لا تصح استثارتها، وقد تقود إلى عمليات انتقام وهمجية بدائية، تخل بمعنى الأمن العام الذي تسأل عنه الدولة وحدها. نعم، لا يصح لأحد أن يصور ما يجري هناك كحرب أهلية، ولا حتى أن يفرح بصدامات قبائل مسلحة مع جماعات الإرهاب، فتلك ليست مهمة القبائل، بل لا وجود للقبائل أصلاً في معنى النظام العام، والكل مواطنون تسأل عنهم الدولة، ولا فارق موضوعياً بين جرائم خرق النظام العام بالتهريب وتجارة المخدرات وغيرها، وبين جرائم الجماعات الإرهابية، ومرتكبوها غالباً من أبناء قبائل، وإجرامهم شخصي لا قبلي، وأوزارهم في رؤوسهم، وفي يد الذين يمولونهم ويدعمونهم بالسلاح وأعمال المخابرات الوضيعة، بهدف تفكيك وحدة مصر، أو اقتطاع شبر من أرض سيناء، وهو ما لن يحدث أبداً بإذن الله، بوجود شعب عظيم التجانس، وجيش فائق الانضباط، حتى لو وقعت أخطاء أو خطايا ممارسة، يحسن تصحيحها والمساءلة الفورية عنها، وقطع دابر أي انفلات في السلوك، يسيء لشهداء الحرب المقدسة ضد الإرهاب، ويخصم من جهد المعركة الأهم لكسب عقول وقلوب الأهالي على تواضع أعدادهم نسبياً في المنطقة المحصورة المضطربة نسبياً، ويسرع بمعدلات كسب الحرب والاجتثاث النهائي للإرهاب وصناعه ومخططيه.
وربما لا يكون أحد في احتياج لتكرار السؤال، ولا البحث عن صاحب المصلحة في مد أجل حروب جماعات الإرهاب في سيناء بالذات، وشغل الجيش المصري، وربما السعي لإنهاكه سنين في حروب صغيرة مرهقة بطبيعتها، فقد وفّرت علينا إسرائيل نفسها عناء السؤال، والإلحاح على تكراره، وقدم الجنرال موشيه يعالون البرهان ساطعاً، حين أعلن اعتذار «داعش» عن إطلاق نار بالخطأ باتجاه الجيش الإسرائيلى في الجولان العربي السوري المحتل، وبالطبع لم يصب أي إسرائيلي في الحادث، بل وجدتها إسرائيل فرصة للرد بقصف موقع للجيش السوري، وهو ما يكشف هوية صاحب المصلحة، وبغير حاجة إلى كثير أو قليل من التأويل والاستنتاج، فلم يحدث أبداً في سيرة جماعات الإرهاب شرق سيناء أن قتلت جندياً إسرائيلياً واحداً، وإن لجأت أحياناً، وعلى سبيل التعمية، إلى قذف صواريخ أشبه بلعب الأطفال، لم تقتل مرة سوى مواطن عربي على الجانب الآخر، وهذه نقطة اتفاق حاسمة بين الإسرائيليين والداعشيين، فليس بين الطرفين عداوة، بل هناك تفاهم وتحالف وثيق، يجر إليه جماعات اليمين الديني الإسلامي الهاربة إلى كهوف السلاح والتفخيخ، وليست مصادفة أبداً، أن إسرائيل كانت هي الطرف الذي يعلم مسبقاً ويقيناً بالحوادث الإرهابية الكبرى في مصر، وأنها أطلقت ما تسميه «تحذيرات» لمواطنيها قبل عملية إسقاط الطائرة الروسية المدنية فوق سيناء، وقبل كل عملية كبرى ضد الجيش المصري، وصولاً إلى تحذيراتها العلنية قبل وقوع عملية تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، وأغلقت حدودها قبل أيام من حدوث العملية الخسيسة، وبما دفع إلى تطورات جديدة من نوع إعلان حالة الطوارئ، وتكثيف اللجوء إلى الجيش المصري في حفظ الأمن الداخلي، وقد يقال لك أن المخابرات الإسرائيلية أنشط وأذكى، وتعرف أكثر من غيرها، وتطلق التحذيرات مسبقاً، لأنها تعلم ما لا يعلم الآخرون، وهو تفسير لا بأس به، لكن السبب كامن في «تفسير التفسير» إن جاز التعبير، وهو لا يخرج عن كونه واحداً من اثنين، فإما أن تكون المخابرات الإسرائيلية قد اخترقت جماعات الإرهاب ـ المدعية للإسلام، وإما أن تكون بعض هذه الجماعات نفسها من صناعة المخابرات الإسرائيلية رأساً، وفي الحالين، يتوافر العلم المسبق الدقيق، ثم الاتفاق الظاهر على عدم المساس لا بالكيان الإسرائيلي ولا بجيشه. وقد يبدو هناك تناقض صوري في القصة، أو في تفسيرها، فبين مصر وإسرائيل معاهدة سلام رسمية هي الأقدم عربياً، ولا يخلو السطح الدبلوماسي من تصريحات ومجاملات ودية، ومن أحاديث متواترة عن التطبيع والسلام والقمم السرية في «العقبة» وغيرها، وكلها مما قد يوحي بدفء ما في علاقات القاهرة مع تل أبيب، وما قد يستدعي تعاوناً من إسرائيل في حفظ أمن مصر لا التآمر عليها، وهو ما لا يحدث فعلياً، بل ما يجرى في خلاصته هو العكس بالضبط، وما يدور تحت السطح الخادع مختلف تماماً، فقد سُحب السفير الإسرائيلى مع طاقمه من القاهرة لشهور طويلة، وبدا اختناق المسالك الأمنية ظاهرًا بين الطرفين، فقد أدركت إسرائيل متأخرة ـ على ما يبدو ـ طبيعة الخدعة التي تعرضت لها من المصريين، والتي انتهت إلى وضع عسكري غير مسبوق في سيناء، منذ ما قبل هزيمة 1967، فقد صارت قوات الجيش المصري، وبكامل هيئتها القتالية، ولأول مرة منذ خمسين سنة، على حافة الحدود التاريخية بين مصر وفلسطين المحتلة، وهو الكابوس الذي لم تتصور إسرائيل أنه سيعود يوماً، فهي تتخوف من عقيدة الجيش المصري الراسخة في العداء لإسرائيل، وقد احتلت إسرائيل سيناء لمرتين في 1956 و 1967، وسعت لتجنب كابوس الجيش المصري، ودفعه بعيداً إلى الخلف، وأصرت على نزع سلاح معظم سيناء، وتفريغها من وجود الجيش في الملاحق الأمنية لما يسمى معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، والتي عقدت برعاية وضمانات أمريكية لإسرائيل، وتضمنت وجود الجيش المصري حصراً غرب خط المضايق الحاكم استراتيجياً في سيناء، وبالدقة في المنطقة (أ) طبقاً لنصوص المعاهدة، الممتدة بعمق 59 كيلو متراً فقط شرق قناة السويس، والتي تقرر تقليص وجود الجيش المصري فيها إلى فرقة مشاة ميكانيكية واحدة، فيما لم يسمح في المنطقة (ب)، والممتدة بعرض 109 كليومترات في وسط سيناء، سوى بأربع كتائب حرس حدود، والحظر التام لأي وجود للجيش المصرى في المنطقة (ج)، الممتدة بعرض 33 كيلومتراً إلى خط الحدود المصرية الفلسطينية، وضمنها منطقة المتاعب المتصلة إلى الآن، إضافة لحظر الطيران الحربي المصري والموانئ الحربية البحرية في سيناء كلها، وهو ما يعني وضع سيناء بالكامل تحت رحمة إسرائيل، وتسهيل غزوها بلا عوائق في أي وقت تختاره مجدداً. كان ذلك أسوأ قيد وضعته المعاهدة المشؤومة على الإرادة المصرية، وهو ما سعت الإدارة المصرية إلى التخلص منه في السنوات الأخيرة، وبذكاء وطني براغماتي لافت، وباستثمار ظاهر لورقة الحرب ضد الإرهاب، وبطلب استثناءات من إسرائيل الطرف الآخر في المعاهدة، سمحت بوجود متدرج للجيش المصري في شرق سيناء، وبتزايد الوجود العسكري وتنويعه، وإلى أن صارت نصوص المعاهدة الأمنية حبراً يجف فوق الورق، ومع تصميم مصري متزايد على جعل وجود الجيش دائماً لا موقتاً، وطلب «تعديل» المعاهدة على نحو يعترف نهائياً ورسمياً بحقائق الأمر الواقع الجديدة، ولا تريد إسرائيل الموافقة على التعديل بالطبع، ولا تريد إنهاء مكاسبها الاستراتيجية بدفع الجيش المصري بعيداً إلى الخلف، وهو ما لن يحدث ثانية أبداً، ولن يسمح به الشعب المصري، وهو ما يفسر التحولات العملية العدوانية لإسرائيل ضد الجيش المصري، وسعيها بكل طريقة، لإشغاله وإنهاكه، والتماس التحالف والتنسيق الظاهر والباطن مع جماعات الإرهاب، التي تسعى مثل إسرائيل وراء هدف فصل سيناء عن مصر، أو على الأقل اقتطاع جزء من شرق سيناء، ليخدم خطط إسرائيل المعلنة في ضمه إلى غزة ككيان فلسطيني بديل، يسهل ويبرر مهمة ضم القدس والضفة الغربية نهائياً لكيان الاغتصاب الإسرائيلي، وبرغم التوافق الفلسطيني المصري على رفض خطط إسرائيل، إلا أن القوة الحاسمة في القصة كلها هي وجود الجيش المصري على كامل أرضه، وقيادته لحرب تحرير وتطهير سيناء من الإرهابيين «حصان طروادة الإسرائيلي»، وهو ما يؤكد طبيعة الحرب الجارية ضد الإرهاب بصفتها حرباً وطنية، وليست نزاعاً أهلياً ولا حرباً أهلية كما تريد إسرائيل وغيرها تصويرها، وهو ما يستدعي اليقظة التامة، وردع أي تصرفات ظالمة بحق أهلنا في سيناء، وكسب معركة العقول والقلوب، فانفصال الوجدان أخطر من انفصال الجغرافيا المستحيل في سيناء.
كاتب مصري

الحرب ضد الإرهاب… ليست أهلية

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية