تدور حرب كلامية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وقد تنتقل إلى حرب حقيقية في منطقة من العالم مرشحة لتكون البديل مستقبلا للغرب، أو العلاقات التي هيمنت على العالم، انطلاقا من ضفتي شمال المحيط الأطلسي. وهناك تحاليل سياسية وعسكرية، منها ما ينطلق من معطيات سطحية، وأخرى تعتمد معطيات واقعية، كاستحالة صمود كوريا الشمالية في وجه الآلة العسكرية الأمريكية في حالة الحرب، وقد نكون أمام سيناريو جديد للعراق ولكن هذه المرة سيؤثر على الصين أساسا.
ويعود الخلاف بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى البرامج العسكرية لهذه الأخيرة لتكون قوة نووية، وتنطلق الأولى (الولايات المتحدة) من ما تعتبره حرصها على منع انتشار الأسلحة النووية والصواريخ الطويلة المدى، أي تلعب دور دركي العالم في مواجهة انتشار هذا النوع من السلاح. وتهدد كوريا الشمالية بضرب مدن في الولايات المتحدة مثل، سان فرانسيسكو وشيكاغو وجزيرة غوام في المحيط الهادي، ولا يتأخر الرد الأمريكي بالتهديد بالرد بقوة نارية بغضب لم يتم تسجيله من قبل، كما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. والمتأمل في الواقع العسكري سيكتشف الحديث المرعب للإدارة الأمريكية في وصفها لسلاح كوريا الشمالية، مستعملة أوصاف التضخيم.
وعلى ضوء معطيات الواقع والتاريخ، قد لا يتعدى الأمر تهويلا وتضخيما لتبرير استعمال قوة نارية خطيرة ضد كوريا الشمالية، في حالة اندلاع الحرب، ومنها تجريب أسلحة جديدة. وسيناريو التهويل والنفخ في قوة الخصم، تقنية تستعملها الولايات المتحدة للتمهيد لتبرير استعمال أسلحة فتاكة ضد الدولة المستهدفة. وجربت هذا التكتيك في مواجهة أفغانستان، ثم في مواجهة العراق، كما جربته ضد اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية. ولنستحضر كيف بالغت واشنطن في تضخيم قوة العراق إبان حكم صدام حسين لتعمل لاحقا على تدمير نظام، بل تدمير شعب يعاني وسيعاني لأجيال من مخلفات حربي 1991 و2003. حدث هذا بعدما كان العالم يعتقد في امتلاك العراق قوة حقيقية للمواجهة، الأمر الذي تبين أنه كان خطأ.
ومن خلال استعراض صناعة الصواريخ لكوريا الشمالية ومنها صاروخ تايغ بودونغ 2، سيتضح أنها دولة متقدمة نسبيا في هذا المجال، ولكنها لا تمتلك تجربة الدول الكبار مثل، روسيا والولايات المتحدة والصين. ولم يتعد استعمال كوريا الشمالية في تجربة الصواريخ بحر اليابان المجاور لها، ولم يسبق أن وجهت صاروخا نحو وسط المحيط الهادي، الذي يبعد آلاف الأميال. وعليه، لا يمكن لكوريا الشمالية حاليا خلق المفاجأة ومهاجمة الأراضي الأمريكية، بل في حالة اندلاع الحرب ستكتفي بالهجوم على كوريا الجنوبية وعلى اليابان، حليفي واشنطن في المنطقة. وقال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس «حاكم كوريا الشمالية يجب أن لا يقدم على أي قرار قد يؤدي إلى نهاية نظامه وتدمير شعبه». هذه الجملة تحيلنا إلى تصريح الرئيس الأمريكي ترومان عندما قال «إذا لم تقبل اليابان شروط الولايات المتحدة للاستسلام، فعليها انتظار أمطار من الدمار من السماء، شيء لم يسبق أن شهدته الكرة الأرضية». وكان يعني استعمال القنبلة الذرية ضد اليابان سنة 1945، وهو السلاح الذي جرى استخدامه لأول مرة في التاريخ. وتكررت هذه الجملة بصيغ مختلفة من طرف الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب سنة 1991 وجورج بوش الابن سنة 2003 ضد العراق، وكان تدمير بلد عربي باستعمال أسلحة مخصبة نوويا مخلفة مئات الآلاف من الضحايا وحكمت على أجيال بالتشوه الجيني.
وبدأت الإدارة الأمريكية تعتقد أن الطريقة الوحيدة لوقف برنامج كوريا الشمالية هو إنهاء النظام الشيوعي في هذا البلد، وهو ما يؤكد عليه بشدة تيار المحافظين الجدد، الذي مازال له تأثير في صناعة القرار العسكري في واشنطن. لكن الأمر يتعدى كوريا الشمالية إلى رغبة واشنطن التحكم في منطقة المحيط الهادي، لاحتواء العملاق الصيني. وعمليا، القضاء حربيا على نظام كوريا الشمالية سيجعل الصين أكثر اعتدالا في سياستها مستقبلا. ولهذا ليس من باب المفاجأة تصويت الصين ضد كوريا الشمالية في مجلس الأمن مؤخرا، لدفع هذا النظام وقف تحديه لواشنطن ومنه، وقف التجارب الصاروخية. في الوقت ذاته، قامت سفينة حربية أمريكية «جون ماكين» يوم 10 أغسطس الجاري بالاقتراب من جزر تعتبرها الصين ضمن سيادتها، بحجة حرية الملاحة الدولية. ويفسر المحللون العسكريون التحدي بكونه رسالة أمريكية للصين مفادها أن شظايا الهجوم على كوريا الشمالية سيصيبها إذا عارضت الحرب أو دعمت نظام بيون يانغ.
قد يشكل ملف كوريا الشمالية البوابة التي تنتظرها الولايات المتحدة للتحكم في منطقة الهادي المرشحة لتكون بديلا تجاريا للغرب ابتداء من العقد المقبل، وهذا يمر عبر محاصرة الصين المرشحة لتكون القوة الفاعلة، والبداية تنطلق من إنهاء نظام كوريا الشمالية. لا يتعلق الأمر بملف يهم الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، بل قرار عسكري استراتيجي لا يهتم باللون السياسي لمن يوجد في البيت الأبيض.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»