لم تأت استجابة التحالف الدولي الذي شكلته الولايات المتحدة الامريكية، سريعا في مواجهة سرعة تقدم
تنظيم داعش في العراق، بعد سيطرته على الموصل وأجزاء كبيرة من محافظات الانبار وصلاح الدين وكركوك وديالى في حزيران/يونيو 2014.
فقد انتظرت الولايات المتحدة شهرين تقريبا لتعلن عن مواجهة التنظيم، حيث أعلن الرئيس أوباما في السابع من شهر آب/ أغسطس تدخل القوات الأمريكية بعمليات عسكرية مباشرة. وقد اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية التي اعلنت في التاسع من تشرين الثاني/ نوفمبر، ركيزتين أساسيتين: ضربات جوية منهجية، ودعم قوات محلية «سنية»، مع استبعاد تام لأية مشاركة برية مباشرة من القوات الأمريكية.
لقد كانت المقاربة الامريكية تقوم على أساس أن سقوط الموصل كان نتيجة مباشرة للسياسات الطائفية التي مارسها رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، والتي خلقت بيئة مواتية لظهور تنظيم داعش في العراق، من هنا اعتقد الامريكان انه لا بد من التزام الحكومة العراقية بمقاربة سياسية تعيد ثقة الجمهور السني بالدولة العراقية، حكومة وقوات امنية وقضاء ومؤسسات، كمقدمة ضرورية لهزيمة داعش. وكانت الفكرة الرئيسية في هذا السياق تشكيل قوى محلية، بقيادات محلية، يمكن ان تكون مقدمة لمعالجة ازمة الثقة القائمة بين جمهور المحافظات الخاضعة لسيطرة داعش والحكومة العراقية والقوات العسكرية والأمنية التابعة لها فيما سمي بالـ «الحرس الوطني».
في المقابل لم تعترف الحكومة العراقية، التي تهيمن عليها الاحزاب الشيعية، في أي لحظة من اللحظات، بأن ما حصل كان نتيجة لسياساتها الطائفية والتمييزية، ومحاولة لفرض رؤية احادية على الدولة. وكان الخطاب الرسمي يسوق لفكرة ان «الإرهاب» هو نتيجة لمؤامرة دولية على العراق، وان داعش ليس تنظيما عراقيا وإنما هو تنظيم «أجنبي» فرضه الصراع في سوريا! ومن ثم كانت الاستراتيجية التي اعتمدتها الحكومة العراقية تتحرك باتجاه مختلف تماما، فبعد سيطرة تنظيم داعش على الموصل، وبعد فتوى المرجع الاعلى للشيعة في العراق السيد علي السيستاني بـ»الجهاد الكفائي»، والتي دعا فيها كل المواطنين القادرين على حمل السلاح للتطوع في القوات الأمنية، عمد المالكي، ثم العبادي، ومن خلفهما القوى الشيعية المختلفة، إلى «إستخدام» هذه الفتوى لتسويق الميليشيات العقائدية الشيعية لكي تكون الحاضنة الوحيدة المتاحة لاستقبال المتطوعين بموجب هذه الفتوى من جهة، واستخدامها اداة لفرض أمر واقع وتكريس الرؤية الأحادية نفسها لشكل وطبيعة الدولة في العراق من جهة اخرى.
وما يؤكد هذا التوجه، ان الحكومة العراقية قبلت التعاطي مع فكرة «الحرس الوطني»التي اقترحها الامريكيون، وجعلتها أساسا في البرنامج الحكومي الذي تقدم به حيدر العبادي لنيل الثقة في شهر ايلول/ سبتمبر 2014، لكنها وئدت الفكرة مبكرا، وتحولت تدريجيا إلى محاولة لاعطاء شرعية لميليشيا الحشد الشعبي من خلال إعادة إنتاج القوى السنية التي كانت حليفة للمالكي واقحامها ضمن هذا الحشد كغطاء سني لا غير، من خلال تسويف أكثر من مسودة للقانون تم تداولها، إلى أن تم صرف النظر عن الفكرة تماما، مع تحول الميليشيات العاملة تحت مسمى الحشد الشعبي إلى أمر واقع، وتخصيص ميزانية رسمية لها دون أي إطار دستوري او قانوني.
اضطر الامريكيون، نتيجة لضغط داعش، وانهيار المؤسسة العسكرية العراقية، إلى التخلي تدريجيا عن مقاربتها السياسية، والخضوع لوجهة النظر العراقية، وذلك بالتركيز أكثر فأكثر على المقاربة العسكرية. وفي النهاية أصبحنا امام استراتيجية أمريكية تقوم على المقاربة العسكرية وحدها لهزيمة داعش، من خلال اعتماد القوات العسكرية والامنية العراقية والميليشيات عند الحاجة، والبيشمركة الكردية دون التنبه للحساسيات السياسية والاجتماعية التي ترتبت على الدعاوى الكردية الخاصة بملكية الأرض في المناطق التي تتم استعادة السيطرة عليها، و من خلال اعتماد المجموعات السنية نفسها التي كانت حليفة للمالكي سياسيا، أو التي اعاد المالكي انتاجها عسكريا تحت مسمى «الصحوات الجديدة» في بداية عام 2013 لمواجهة حركة الاحتجاج في الجغرافيا السنية، والتي تمثل بندقية للايجار ولا تملك اية رؤية سياسية تختص بها.
في الواقع ان ما أشار اليه ديفيد بترايوس، القائد السابق القوات الامريكية في العراق، والرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، هو ما حدث بالفعل، حين حذر مبكرا من تحول الطائرات الامريكية الى غطاء جوي لميليشيات عراقية تديرها ايران! لقد حاول الامريكيين أكثر من مرة اتخاذ موقف صارم نوعا ما تجاه هذه الميليشيات، كما حدث في معركة تكريت مثلا، عندما اشترطت الادارة الأمريكية توفير الدعم الجوي للمعركة في مقابل منع الميليشيات من دخول تكريت، بعد الجرائم التي ارتكبتها هذه الميليشيات في جميع المناطق التي استعادتها من داعش، فضلا عن عمليات التغير الديمغرافي التي قامت بها في بعض هذه المناطق، كما في ديالى، وجرف الصخر، وسليمان بك.لكن هذا الموقف لم يدم طويلا، فقد وفرت القوات الامريكية دعما جويا للميليشيات في معركة بيجي لاحقا! وتكرر الامر نفسه في معارك محافظة الانبار، على الرغم من الفيتو الأمريكي المعلن تجاه مشاركة الميليشيات في معارك الرمادي وهيت مثلا، فقد قبل الامريكيون بمشاركة هذه الميليشيات في معارك الكرمة والصقلاوية والفلوجة، على الرغم من حساسية هذه المعركة وتوقعات بحدوث انتهاكات ضد المدنيين هذه المناطق.
في سياق آخر قبل العراق بالاستراتيجية الامريكية التي أسميناها بـ «نقلة الفرس». والتي تقوم على طرد تنظيم داعش من المدن من دون أية محاولة لملاحقة عناصر التنظيم التي تنسحب باتجاه محيط تلك المدن. هكذا وجدنا المعارك تنتقل من مدينة إلى أخرى، ثم الانتقال من محافظة إلى اخرى، من دون تحقيق نصر حاسم يضمن هزيمة نهائية لداعش! إنها ببساطة استراتيجية للاستثمار السياسي السريع، وهو المطلوب أمريكيا بسبب قرب الانتخابات الرئاسية، والمطلوب عراقيا لدعم الوضع السياسي الهش للعبادي.
في المقابل بدا واضحا ان قدرات داعش الدفاعية لا توازي قدراتها الهجومية، وان وجودها في المدن حولها إلى أهداف ثابتة سهلة تحت ضغط الضربات الجوية الأمريكية من جهة، وجعلها تفقد قدرتها الاستثنائية في المناورة والحركة السريعة من جهة ثانية. خاصة في ظل الاستراتيجية التي اعتمدتها القوات العراقية في الهجوم على هذه المدن بقوات كبيرة، وكثافة نارية تدميرية، من دون أي اعتبار للمدنيين او البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة، كما حدث في بيجي التي تم تدميرها بنسبة 100٪، والرمادي التي دمرت بنسبة 80٪. من هنا وجدنا داعش هي الاخرى تغير استراتيجيتها، لاسيما أنها منذ البداية لم تكن تقاتل على الجغرافيا. فباستثناء بيجي لأهميتها كعقدة مواصلات بالنسبة لداعش، انسحبت داعش من جميع المدن بعد معارك تكتيكية لتعطيل تقدم القوات المهاجمة، ففي الرمادي قاتلت داعش على مدة أربعة أشهر تقريبا في حي التأميم غرب المدينة، وعندما سقط انسحبت من الرمادي مع ترك مفارز صغيرة وبعض القناصة والانغماسيين والانتحاريين للتعويق وليس الصد. وتكرر السيناريو نفسه في الكرمة، بعد قتال استمر على مدى أكثر من عشرة أشهر،حيث انسحبت داعش من المدينة بعد أن تمكنت الميليشيات والجيش العراقي من اقتحام خطوط الصد الرئيسية للمدينة، وتكرر السيناريو نفسه في الفلوجة، فبعد قتال على مدى أكثر من ثلاثة اسابيع من القتال في حي الشهداء، انسحبت داعش من المدينة بعد أن تمكنت قوات مكافحة الارهاب من اقتحام الحي. وتقوم استراتيجية داعش الجديدة على اللجوء إلى معارك استنزاف مع القوات العسكرية والامنية العراقية، في المقتربات الطويلة الفاصلة بين المدن، والتي ما زالت داعش تسيطر عليها عمليا، حيث تحدد هي الزمان والمكان والهدف بسبب الانتشار الواسع للقوات العراقية الذي يسهل عملية استهدافها ذلك أن هذا الانتشار يفقد القوات العراقية ميزتها الرئيسية المتمثلة بالحشد الواسع والكثافة النارية. ويبدو أن داعش قد نجحت حتى اللحظة في هذه الاستراتيجية.
د. يحيى الكبيسي