المشروع الوطني الفلسطيني هو مشروع الثورة الفلسطينية التي انطلقت عام 1965 رافعة شعار التحرير، وهو وطني فلسطيني لأنه قرر انتزاع القضية الفلسطينية من إطارها العربي الإسلامي ووضعها في يد الشعب الفلسطيني ليقرر مصيره بيده و يتحمل مسؤولية قضيته بنفسه، و أرى أن التقييم الواقعي لحرب غزة لا يتحقق إلا في إطار رؤية شاملة تعيد موضعة هذه الحرب هذه في سياق المشروع الوطني ككل. أما الجدل الدائر حول انتصار غزة او عدم انتصارها فهو جدل ليس بذي جدوى كبيرة ولا يقدم منظورا حقيقيا و مفيدا لتقييم الوضع الفلسطيني عموماً.
بعد واحد و خمسين يوما من المعارك نستطيع أن نقول نعم، لقد صمدت المقاومة الفلسطينية و اثبتت جدارة عالية في الإعداد و التخطيط و إدارة المعركة عسكريا و سياسيا و اعلاميا، لكن ذلك لا يجب ان يثنينا عن مراجعة هادئة و ربما محاكمة موضوعية، لا لغزة و صمودها، انما لأنفسنا كشعب فلسطيني و قيادة فلسطينية و تجربة فلسطينية طويلة و معقدة.
إن الصمود امام العدوان هو بمعنى من المعاني انتصار، لكنه ليس انتصارا ناجزا و ليس نهاية المعركة، و لعل من آفات العقل العربي النبيلة هي تلك التي ترى في التضحية انتصارا… نعم هي انتصار للروح و هي انتصار للفكرة و المبدأ ، لكن الانتصار الفعلي يحتاج إلى مراجعات و حسابات باردة و دقيقة وربما قاسية و جريئة.
لقد حاربت غزة منفردة… هذه هي الحقيقة الأولى و الخلاصة الأولى للمراجعة المطلوبة.. حاربت غزة لوحدها بمعنيين، المعنى الأول هو أن غزة وجدت نفسها في مواجهة منفردة مع جيش اسرائيل في ظل تخاذل بعض الدول العربية، بل و تواطئها المعلن و شراكتها المباشرة.
وحاربت غزة منفردة بالمعنى الاخر .. بمعنى اننا كنا جميعا نرى أنها حرب غزة لتحقيق اهداف غزة و مطالب غزة المشروعة حتما .. لكنها كانت حرب غزة. كنا كفلسطينين في مخيم اليرموك نتعاطف مع شعب غزة و لم نكن معا في معركة الوجود الفلسطيني.. وقد كنا قبل ذلك في مخيم اليرموك نواجه مصير مجموعة من اللاجئين المحاصرين و لم نكن شعب فلسطين المحاصر. بل إن الفلسطيني في الضفة الغربية كان يجد في نفسه و ربما لأول مرة هذا الأحساس الغريب بضرورة الوقوف إلى جانب مطالب غزة المشروعة و التضامن معها و لم يكن يرى انها معركته الخاصة .. فهو له معركة أخرى بعناوين اخرى و مطالب أخرى، كان عليهم أن يخرجوا لتأييد غزة لا نصرة لأنفسهم.
هذه الحقيقة المؤلمة الجارحة لا يتحمل مسؤوليتها أهل غزة من مدنيين و مقاتلين ، لكن مسؤوليتها حتما تقع على عاتق القيادة السياسية الفلسطينية التي اوصلت الشعب الفلسطيني إلى هذا المشهد الغريب.
منذ انطلاق المشروع الوطني الفلسطيني عام 1965 وقعت القيادة الفلسطينية في مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية التي تحكمت بمصير النضال الفلسطيني على مدار العقود الخمسين الماضية، و تحولت هذه الأستراتيجية في أطوار عدة أولها كان استراتيجية التحرير و التي امتدت حتى عام 1971 و خروج المقاومة من الأردن. هذا الأمر بحد ذاته ، و نعني به انطلاق و تبلور مشروع وطني فلسطيني منفصل و مستقل عن الإطار القومي و الإسلامي لمعركة فلسطين كان خطأ استراتيجياً، لأنه يضع الشعب الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني بقدراته العسكرية و السياسية و تحالفاته الدولية و الإقليمية المتفوقة، وبالتالي فهو بالمعنى الإستراتيجي يخوض معركة خاسرة لعدم تكافؤ القوى.
طبعا لا ننسى هنا ان الشعب الفلسطينيى اضطر لمثل هذا الخيار بسبب تقاعس الأنظمة العربية و عجزها و كذلك لا ننسى انه خاض تجربة نضالية فريدة و غنية وقد سطر سجلا من المواقف البطولية و قدم التضحيات الكبيرة ، و لا ننسى كذلك ان هذا الخيار كان يقدم في إطار من فلسفات ثورية ترى في المقاومة الفلسطينية طليعة لحركة تحرر عربية و غير ذلك من مفاهيم المرحلة التاريخية و السياسية و الفكرية المرافقة لكن هذا في إطار المراجعة لا يغير من حقيقة الوضع شيئا ، لقد كانت اسرائيل تتمتع في هذا المواجهة بقدرات وامكانيات تتيح لها التفوق الاستراتيجي وهذا ما اثبتته الوقائع .
الطور الاستراتيجي الثاني الذي دخل فيه العمل الوطني الفلسطيني هو طور التسوية السياسية، او استراتيجية الدولة، فعلى إثر حرب تشرين الأول/اكتوبر لعام 1973 تقدم الاتحاد السوفييتي حينها بمشروع بريجينف لتسوية القضية الفلسطينية، هذا المشروع تمت الموافقة عليه في الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، وقد لقي في حينها معارضة من بعض الفصائل الفلسطينية التي ما لبثت أن توافقت عليه في صيغة البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير المتمثل في حل الدولتين عام 1979.
مع انهيار الاتحاد السوفييتي وقيام نظام عالمي جديد أحادي القطبية، لم ينهر مشروع التسوية ظاهريا، إنما تم تعديل مرجعياته الدولية في مؤتمر مدريد، لتصبح رغبة النظام الدولي الجديد في فرض نموذجه للعلاقات الدولية و تصوره لحل النزاعات الإقليمية هي مرجعية أتفاق أوسلو التي لم تجد نفعاً خلال ما يقارب عقدين من الزمان.
مع الانتفاضة الثانية برزت قوى إسلامية جديدة أرادت إحياء مشروع المقاومة و التحرير في إطار ايديولوجي جديد (إطار إسلامي) لكنها لم تخرج بطروحاتها الإسلامية من ضيق أفق المشروع الوطني إلى سعة الفضاء الإسلامي، ولكنها بالأحرى قزمت هذا الفضاء في إطار ظاهرة جديدة هي الإسلاميات الوطنية وإعادت انتاج معادلة الصراع نفسها التي يبدو التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي الصهيوني فيها واضحا و جليا. و من الملفت للانتباه في هذه المرحلة أن الفصائل الإسلامية الفلسطينية الوطنية أختزلت مفهوم الوطنية الفلسطينية بفلسطينيي الضفة و القطاع، و اختزلت بذلك المشروع الوطني الفلسطيني، و كانت تتعامل بمنطق نفعي توظيفي مع فلسطينيي اللجوء بل و كانت تتثاقل منهم ومن متطلباتهم و تعرض عن إشراكهم في بنيتها التنظيمية الحزبية على الرغم من حديث هذه القوى الدائم عن حقهم في العودة كشعار اعتراضي على مشروع الطرف الآخر، مشروع التسوية السياسية.
د.محمد نور الدين الوفائي