الحركات القومية في الغرب قنابل داخلية بدون تأثير خارجي

حجم الخط
4

تفاجأ الرأي العام في العالم العربي بملف كتالونيا الراغبة في الانفصال عن إسبانيا، التي أجرت استفتاء تقرير المصير الأحد الماضي، فاز فيه أنصار الاستقلال. واعتبر الكثيرون أن الظاهرة وليدة السنوات الأخيرة، لكن التاريخ يكشف تجذر مطالب الحركات القومية في كتالونيا وباقي إسبانيا، بل وفي الغرب بشكل قوي بما فيه الولايات المتحدة، لكن هذه الظاهرة تغيب في الإعلام العربي بشكل ملحوظ، هذا الإعلام الذي ما زال حبيس أحداث الخريطة العربية عموما.
وغياب التحليلات والمقالات حول كتالونيا والحركات القومية الراغبة في الاستقلال في دول الغرب، يعود الى طبيعة أجندة الإعلام العربي بشقيه الرسمي أو الآخر الخاص. والإعلامي العربي مثل المبدع العربي، خاصة المقيم في الغرب. الإعلامي المقيم في العالم العربي أو في الغرب يهتم ويتابع فقط ما يجري على الخريطة العربية من تطورات، بينما باقي الأحداث ينقلها عن وكالات الأنباء. وهذا عيب كبير خاصة بالنسبة للإعلاميين المقيمين في الغرب، حيث يلاحظ غياب واضح في متخصصين في قضايا دولية مثل، الشأن الداخلي في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا،إضافة إلى دول أخرى. ويتم الاقتصار على متابعة سياستها الخارجية، ولاسيما تلك التي تهم العالم العربي، ويجري التركيز على قضايا داخلية في مناسبات محدودة مثل الانتخابات التشريعية أو الرئاسية. وغياب الاهتمام بالشأن الداخلي للغرب، جعل الإعلام العربي قاصرا على فهم الكثير من القرارات الخارجية أو منعطفات منها، البريكسيت البريطاني وانتخاب دونالد ترامب في الولايات المتحدة الأمريكية وأخيرا ملف القوميات مثل كتالونيا.
والاقتصار على العالم العربي لا يقتصر فقط على الإعلامي بل يتعداه الى المبدع، أكان روائيا أو شاعرا أو فنانا تشكيليا، ونجد روائيا يعيش في الغرب وهو يستمر في الكتابة عن العالم العربي، بدون اهتمام بجعل فضاء روايته وشخصياتها غربية. ويتكرر الأمر نفسه مع الفنان التشكيلي الذي يعيش في كبريات العواصم الغربية، ولكنه مازال يرسم أزقة المدن العربية.
وعلاقة بملف كتالونيا، فهو عنوان مطامح الانفصال أو الاستقلال في عدد من دول الغرب، ويتعلق الأمر بظاهرة ذات جذور تاريخية تظهر بين الحين والآخر الى مستوى أن أغلب الدول الغربية تشهد مطالب استقلالية لمناطق إثنية معينة. وتبقى إسبانيا الدول الغربية التي تسجل مظاهر بارزة لهذه الظاهرة لسببين، الأول وهو استعمال الإرهاب من طرف إيتا، ما جعلها حاضرة دائما في الإعلام الدولي، وثانيا قرار تسريع حكومة الحكم الذاتي في كتالونيا للاستقلال عن إسبانيا، وهذا ما جعلها تحضر في الإعلام الدولي مثل حالة الاستفتاء يوم الأحد الماضي. ولائحة الحركات القومية في الغرب كثيرة، وتبرز بين الحين والآخر بسبب تظافر عوامل سياسية واقتصادية، أو وقوع أزمات، وتصبح حدثا دوليا. وإذا كان هناك اهتمام في حده الأدنى بالشأن الداخلي للغرب في الاعلام العربي، لما كانت هذه الحركات حدثا مفاجئا للرأي العام العربي. ونجد في إسبانيا، ملفات قومية إقليمية أخرى شائكة، فبلد الباسك يرغب في الانفصال نهائيا عن إسبانيا، ويعتبر الثلاث سنوات المقبلة حاسمة، كما تنتعش القومية في إقليم غاليسيا.
وفي حالة الانتقال إلى فرنسا، وهي الدولة المعروفة بمركزية سلطتها الوطنية، فهي تشهد مطالب الحركة القومية في كورسيكا، التي تنادي بالانفصال عن فرنسا، وكانت بعض الحركات القومية في هذه الجزيرة تلجأ إلى العنف حتى الأمس القريب. وغير بعيد عن المنطقة، ونعني إيطاليا، يشهد هذا البلد الأوروبي بدوره بعض الحركات القومية الانفصالية القومية في الشمال على رأسها رابطة الشمال التي ترغب في تأسيس دولة جديدة تحت اسم «بادانيا». وتعاني الدولة التي تحتضن مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بلجيكا، بدورها عملية انفصال حثيثة، إذ يرغب الشمال المتحدث اللغة الفلامانية والمعروفة بفلاند، الانفصال عن الشق الفرانكفوني الذي يتحدث اللغة الفرنسية.
وتابع الرأي العام العربي منذ ثلاث سنوات استفتاء اسكتلندا الراغبة في الانفصال عن بريطانيا، وهو عنوان من عناوين التطاحن القومي التاريخي في جزر بريطانيا الكبرى، ومرشح للتكرار خلال السنوات الأخيرة بحكم رغبة ساكنة اسكتلندا في الانفصال.
وإذا قطعنا المحيط الأطلسي، مازالت المشاعر القومية الراغبة في انفصال إقليم كبيك عن باقي كندا متأججة. فقد شهد الإقليم استفتاء للرأي سنتي 1980 و1995، وفاز الوحدويون بفارق ضعيف للغاية. ويرغب حزب كبيك في إجراء استفتاء جديد خلال السنوات المقبلة.
وفي الولايات المتحدة التي تبدو دولة متماسكة سياسيا، توجد حركات قومية قوية في بعض الولايات تهدد بالانفصال. وقد ساهم وصول دونالد ترامب الى الرئاسة في تعزيز هذه المشاعر. وكتب الإعلام العربي عن رغبة كاليفورنيا في الانفصال بعد فوز ترامب، ولكن بدون التعمق في هذه النقطة. ومن ضمن التعابير السياسية الأكثر تداولا في كاليفورنيا وهي «كالكسيت»، أي إجراء استفتاء تقرير المصير للبت في إقامة الجمهورية الكاليفورنية. ويناضل دعاة الاستقلال عن الولايات المتحدة من أجل استفتاء تقرير مصير ملزم سنة 2019. ويتكرر السيناريو نفسه في ولاية تكساس، التي تعتبر الأكثر راديكالية في شأن الانفصال عن باقي الويات المتحدة، حيث توجد فيها حركات قومية، وعلى رأسها الحركة القومية لتكساس التي ترغب في الانسحاب من اتحاد الولايات المتحدة. وانتعشت المشاعر القومية في كل من ولايتي ألاسكا وهاواي للانفصال عن الولايات المتحدة.
وجود أحزاب قومية راغبة في الاستقلال هي من سمات المشهد السياسي في الغرب، ويحدث أن تبرز أحيانا وتخفت في مناسبات أخرى، لكنها حاضرة وقادرة على إحداث تغييرات داخلية، ولكن بدون إحداث تغييرات جوهرية، لأن الأقاليم التي قد تنفصل ستبقى ضمن منظومة الغرب، ولن تنضم إلى منظومات منافسة مثل روسيا أو الصين مستقبلا. وتعتبر الحركات القومية في الغرب قنابل داخلية ولكن بدون تأثيرات أو شظايا خارجية.
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»

الحركات القومية في الغرب قنابل داخلية بدون تأثير خارجي
 
د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية