إسطنبول ـ «القدس العربي»: بشكل مبكر ومفاجئ أعلن دولت بهتشيلي، زعيم حزب الحركة القومية المعارض أن حزبه لن يُقدم مرشحاً للانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2019، مشيراً بشكل شبه حاسم ـ إلى أنه سوف يدعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات التي توصف بـ«المصيرية».
ومن المقرر أن تجري في آذار/ مارس 2019 انتخابات بلدية «محلية»، تتلوها في نهاية العام انتخابات برلمانية ورئاسية تجري لأول مرة بشكل متزامن بموجب التعديلات الدستورية التي أقرت في الاستفتاء الذي جرى نيسان/أبريل الماضي، وسيتم بموجبها التطبيق الرسمي للنظام الرئاسي الذي يوليه الرئيس رجب طيب أردوغان أهمية خاصة ويرى فيها انتخابات تاريخية ومصيرية بالنسبة للبلاد والحزب الحاكم ومستقبله السياسي شخصياً.
وعلى الرغم من أنه بهتشلي، الذي بات مقرباً جداً من أردوغان خلال السنوات الأخيرة أكد أنه لم تجر بعد أي جلسة مباحثات بين الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية الحاكم حول إمكانية عقد تحالف انتخابي واسع بينهما، إلا أنه حسم نية حزبه عدم المنافسة بالانتخابات الرئاسية بمرشح مستقل ودعم أردوغان ـ في كل الأحوال ـ سواء باتفاق وتحالف موسع أو بدون ذلك.
وقال: «لن يكون هناك مرشح لحزب الحركة القومية للانتخابات الرئاسية، الحركة القومية سواء باتفاق (مع العدالة والتنمية) أو بدون سيخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة، ونتخذ قرار بدعم الرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية، قرارنا واضح ونهائي إلى هذا الحد».
ولأول مرة منذ وصوله وتفرده بالحكم في تركيا قبيل 15 عاماً، يجد حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة أردوغان نفسه مضطراً للبحث بقوة وجدية غير مسبوقة في إمكانية عقد تحالف انتخابي رسمي مبكر مع حزب الحركة القومية لتجنب الخسارة وضمان الفوز في الانتخابات المصيرية المقبلة.
ومنذ تمكنه من التفرد في حكم البلاد عام 2002، يرفض حزب العدالة والتنمية الائتلافات الحكومية أو التحالف مع أحزاب أخرى معتبراً أن ذلك يضعف عمل الحكومة ويعيد تركيا إلى سنوات الحكومات الائتلافية الضعيفة التي تسببت في تراجع اقتصاد البلاد واستقرارها السياسي.
ولكن ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل الذي يوصف بـ«المصيري» و«الأصعب» يبدو أن أردوغان يفضل اللجوء إلى التحالف مع حزب الحركة القومية بقيادة دولت بهتشيلي على «المغامرة» في الانتخابات المقبلة ومواجهة سيناريوهات الفوز الضعيف بأقل من 50٪ من أصوات الناخبين أو خسارة الانتخابات لصالح المعارضة التي تحاول استعادة عافيتها والتحضير بشكل أقوى للانتخابات المقبلة.
هذا التوجه جاء في الدرجة الأولى عقب الاستفتاء الذي جرى بداية العام الجاري والذي تمكن خلاله العدالة والتنمية من حسم التأييد بنعم للتعديلات الدستورية بأغلبية طفيفة لم تتجاوز الـ2٪ مع خسارة أغلبية الحزب في المحافظات الكبرى لا سيما إسطنبول والعاصمة أنقرة وهو فتح الباب واسعاً أمام مراجعات كبيرة داخل الحزب.
أبرز هذه المراجعات تمثلت في لجوء أردوغان إلى عقد مؤتمرات عامة للحزب في جميع المدن والمحافظات التركية الـ81 مع إجراء تغييرات كبيرة في جميع الأطر القيادية وصولاً للجنة المركزية أعلى سلطة فيه، كما شملت التغييرات عددا من رؤساء البلديات الكبرى ومنها إسطنبول وأنقرة وبورصة وغيرها، وسلسلة طويلة من الإجراءات تهدف إلى استعادة ثقة الشارع التركي في الحزب.
ويتوقع مراقبون نجاح مساعي عقد تحالف انتخابي بسبب ما يرون أنه حاجة مشتركة تتمثل في حاجة العدالة والتنمية لأي دعم جديد في الانتخابات المقبلة لضمان أصوات الـ50٪ من الناخبين، فيما تبرز مخاوف الحركة القومية من عدم إمكانية قدرة الحزب على تجاوز الحاجز الانتخابي ـ يجب على أي حزب أن يتجاوز حاجز الـ10٪ من أصوات الناخبين لكي يتمكن من الدخول للبرلمان ـ.
ومنذ محاولة الانقلاب التي جرت منتصف العام الماضي، قدم القوميون الأتراك دعماً كبيراً لأردوغان والحكومة التركية في الحرب على حركة الخدمة وزعيمها فتح الله غولن المتهم بقيادة محاولة الانقلاب، وأيد الحزب حرب الحكومة على الجماعة التي وصفها بهتشيلي بالخائنة والمنظمة الإرهابية.
وتقليدياً، يعتبر حزب الحركة القومية أقرب إلى الحكومة وحزب العدالة والتنمية حيث يدعم توجهاتها في الحرب على المنظمات الإرهابية والحملة ضد المتمردين الأكراد وفتح الله غولن. وسعى أردوغان خلال السنوات الأخيرة إلى اجتذاب أصوات القوميين الأتراك من خلال تشديد الحرب على المتمردين الأكراد واستخدام الخطاب القومي، خاصة عقب محاولة الانقلاب.
وبدلاً من خطابه الديني المعتاد بات أردوغان يركز على استخدام الشعارات القومية، ويؤكد على وحدة الأرض التركية، حيث أدى تشدد الحكومة التركية في الحرب على حزب العمال الكردستاني خلال السنة الأخيرة إلى تعزيز دعم القوميين للحكومة حيث أعلنوا مراراً وقوفهم بشكل تام إلى جانب الحكومة وأردوغان في الحرب على المتمردين الأكراد.
لكن التطور الأبرز كان موافقة القوميين ودعمهم لمساعي أردوغان لتغيير الدستور وتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي، حيث تم صياغة التعديلات بشكل مشترك والتصويت عليها في البرلمان وفي الاستفتاء، وحالياً يسعى أردوغان لاستمرار دعم حزب للتعديلات الدستورية التي ستتواصل حتى الانتخابات المقبلة في البرلمان من أجل تهيئة الدستور التركي لعملية الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي.
وطوال السنوات الماضية تراوحت شعبية العدالة والتنمية في الشارع التركي ما بين 40 إلى 50٪ من أصوات الناخبين، بينما تراجعت شعبية الحركة القومية من قرابة 17٪ إلى قرابة الـ10٪، ويعتقد العدالة والتنمية أن حصوله على 40٪ في أسوأ الأحوال مع قرابة 10٪ من الحركة القومية، ربما يضمن له تجاوز حاجز الـ50٪ والفوز المريح بالانتخابات.
لكن يبدو أن متاعب أردوغان لم تتوقف عند هذا الحد، لا سيما مع تزايد الأحاديث خلال الأيام الماضية عن وجود توجه قوي لدى الرئيس التركي السابق عبد الله غُل لمنافسة أردوغان في الانتخابات المقبلة، وما رافق ذلك مع خلافات علنية لأول مرة بين الرفيقين السابقين في تأسيس الحزب.
وبعد أن ضلت الخلافات المتفاقمة بين أردوغان وغُل طي الكتمان طوال السنوات الماضية، انفجرت مؤخراً ولأول مرة بشكل علني بعدما وجه عبد الله غُل انتقادات مباشرة لقانون جديد أعلنت عنه الحكومة يتعلق بمنح الحصانة لمدنيين شاركوا في إفشال محاولة الانقلاب وأثار جدلاً واسعاً في البلاد، وهو ما قابله أردوغان بانتقادات لاذعة وغير مسبوقة للأخير.
وغُول الذي يلتزم الصمت منذ أشهر طويلة، لا يشارك في أي فعاليات سياسية بصفته أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية ولا بصفته الرئيس السابق للجمهورية كما أنه لا يبدي آراءه في الأحداث السياسية الداخلية والخارجية المتلاحقة، لكنه كسر هذا الصمت مؤخراً بالحديث بشكل مباشر عن القانون الجديد.
وعلى الرغم من أن عبد الله غُل يعتبر من أبرز المؤسسين الأوائل لحزب العدالة والتنمية إلى جانب أردوغان، إلا أنه أبدى العديد من المواقف في السابق تعبر عن رفضه لبعض السياسات التي يتبعها أردوغان خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المعارضين لسياساته سواء من خارج أو داخل الحزب.
ويقول كتاب أتراك كبار مقربون من الحكومة إن أردوغان غاضب جداً من غُل لإيمانه بأنه صوت ضد التعديلات الدستورية التي جرى استفتاء عليها العام الماضي، لكن الغضب الأكبر تصاعد مع وجود مؤشرات قوية لدى أردوغان وأركان حزبه عن إمكانية ترشح غُل للانتخابات الرئاسية المقبلة سواء بشكل مستقل أو حتى إمكانية التحالف مع المعارضة التركية لا سيما عقب اتخاذه قرار بالعودة تدريجياً إلى الحياة السياسية والبدء في توجيه انتقادات متصاعدة ضد أردوغان.
والاثنين، كتب «عبد القادر سيلفي» في صحيفة «حرييت» مجدداً عن هذا الجدل، لافتاً إلى أن هناك اعتقاد لدى أردوغان ودائرته المقربة داخل الحزب إلى أن «البعض وربما من قيادات «العدالة والتنمية» يفكرون في تغيير أردوغان، ولأجل ذلك لا بد من رجل قوي، وكل الأنظار تتجه إلى عبد الله غُل الذي لم يعرف لحتى الآن ما إن كان داخل هذه التحركات أم لا، لكنه لم يؤكد ولم ينفي ذلك أيضاً للآن، لافتاً إلى أن «غُل لم يتوافق مع أردوغان في أي قضية هامة مرت بها البلاد سوى محاولة الانقلاب».