الحروب المقدسة والإرهاب

حجم الخط
2

■ أذكر أنني قرأت، منذ سنين طويلة، في المرحلة الثانوية من الدراسة، أو ربما في المرحلة الإعدادية، كلمات لأم قُتل ابنها في إحدى الحروب، فقالت «لماذا لا تكون الحرب مقدسة وقد مات فيها ابني؟» في ذاك الوقت المبكر من العمر، لم أفهم المعنى العميق الكامن في كلمات تلك الأم الثكلى، أما الآن، وبعد كل هذه السنين، وما عايشناه فيها من حروب وثكالى، فأظن أنني قد فهمت وتفهمت، قول تلك المرأة التي فقدت ابنها في الحرب، أي حرب.
فمهما كانت طبيعة الحرب التي خاضها ابنها، وسواء خاضها بإرادته أو رغماُ عنه، وسواء كانت الحرب عادلة أم ظالمة، فهي لا تعرف عنها، ولا تريد أن تعرف عنها، وربما لا تستطيع أن تعرف عنها سوى أنها حرب مقدسة، ما دام ابنها قد مات فيها.
فقداسة الحرب، بالنسبة للأم التي فقدت ابنها فيها، عزاء لها وسلوان، ويخفف من الألم والأسى، كون ابنها لم يمت هباءً، ولا مجرماُ أو معتدياُ، بل مات دفاعاً عن حق أو وطن أو قيم سامية. والدول أيضاً، كتلك الأم، تحاول أن تضفي القداسة على حروبها دوماً، من أجل التعبئة المعنوية، ولتشجيع ابنائها على التجنيد، والقتال بروح معنوية عالية، وأيضاً لتقديم التبريرات لشعوبها وللعالم، بأنها تخوض حربا عادلة.
ولو أخذنا الحرب العالمية الثانية مثلاً، لوجدنا أن جميع الجيوش المتحاربة، كانت عقيدتها العسكرية تقوم على الاقتناع، إن لم يكن الإيمان، بأن كلا منها، كان يخوض حرباً عادلة ضد أعدائه. ومع انتهاء الحرب الباردة، وسقوط حائط برلين، وانهيار الاتحاد السوفييتي، احتاج القطب الواحد، وهو الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، إلى عدو جديد يحافظ من خلالة، على قداسة حروبه، لتحقيق مصالحه وأهدافه الإستراتيجية، بما في ذلك، بقاء الماكنة الهائلة للسلاح والتصنيع الحربي، والميزانيات الضخمة للجيوش، فكانت نظرية صراع الحضارات، التي روج لها كثير من المفكرين والسياسيين الغربيين، وفي طليعتهم، صامويل هنتنغتون، وبرنارد لويس. وتبنتها وروجت لها، الجامعات ومراكز الدراسات والأبحاث، ووسائل الإعلام الغربية، التي اختارت الإسلام عدواُ بديلا للشيوعية التي سقطت بسقوط الاتحاد السوفييتي، ولكن، ورغم هيمنة اليمين المتصهين المعروف بحقده وعدائه الشديد للإسلام، على صنع القرار، إلا أن المراجعات المتعمقة والدراسات الواعية في الدوائر الغربية، رأت أن إعلان حرب مكشوفة على الإسلام، سوف تكون له تداعيات سلبية خطيرة على الغرب، وسوف تؤدي هذه الحرب إلى دفع المسلمين إلى التضامن وإعلان الجهاد، ما سيجعل النتائج عكسية تماماُ، حيث أن المسلمين يشكلون ربع سكان العالم، ويملكون المواقع الإستراتيجية، والموارد الطبيعية الهائلة، خاصة النفط والغاز، والإمكانيات المادية الضخمة، إضافة إلى رصيد بشري ضخم، شاب ومتجدد، على عكس الدول الغربية التي تتجه نحو الشيخوخة، وكانت الإستراتيجية التي تم الاتفاق عليها، هي اعتبار ان العدو هو الإرهاب الإسلامي، وليس الإسلام، مما سيسمح بشق العالم الإسلامي، وتوظيف بعضه ضد بعض بذريعة محاربة الإرهاب.
وكانت أحداث 11 سبتمبر 2001، التي ما زالت لغزاً لم تفك طلاسمه، رغم كل ما قيل فيها أو كتب عنها من تقارير وتحاليل، كانت إعلاناً رسمياً للحرب «المقدسة» من قبل الرئيس بوش الابن، ضد الإرهاب الإسلامي، أو بالأحرى الإسلام الإرهابي، فتم غزو أفغانستان وتدميرها فوق رؤوس أهلها الأبرياء، وحتى لو كان من ارتكب جريمة برجي التجارة في نيويورك، مقيماً أو مختبئاً في أفغانستان، فليس هناك أي قانون أو منطق على ظهر الأرض يعطي لأمريكا ومن تحالف معها الحق في إعلان الحرب على الشعب الأفغاني وقتله وحرق سهوله وجباله وتدمير ممتلكاته، بجريمة غيره، وباتهام لم يثبت يقيناً ضد أي طرف، ثم كان غزو العراق سنة 2003 وتدميره، بذريعة محاربة الإرهاب، وامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، التي ثبت زيفها، سبباً مباشراً لما حل بالمشرق العربي من انهيار وفوضى وتفسخ للكيانات السياسية وانتشار التنظيمات والجماعات المسلحة جهادية كانت أم إرهابية.
وجاء الربيع العربي، ليكشف ويُعري الانحياز الغربي لأنظمة القهر والاستبداد العربية، في مواجهة شعوب تناضل من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، والأمثلة على ذلك حية وظاهرة للعيان، منها دعم نظام السيسي الذي انقلب على الشرعية، واغتال ثورة الشعب المصري، وارتكب المجازر الدموية، كمجزرة رابعة والاتحادية، ومنها العمل على إجهاض جميع ثورات الربيع العربي، بشتى الوسائل والطرق.
وكان الموقف الغربي من ثورة الشعب السوري ضد نظام الأسد الدموي الطائفي، موقفاً منحازاً ومنافقاُ ومتآمراُ على الشعب السورى، الذي يتعرض على امتداد خمس سنوات متواصلة، لجرائم الحرب والإبادة، وباستعمال جميع الأسلحة، بما في ذلك البراميل المتفجرة والأسلحة الكيماوية… ثم وبذريعة محاربة «داعش»، انهالت قوى التحالف على الشعبين السوري والعراقي، بغارات جوية مكثفة، للقضاء على الثورات السنية، في مواجهة الحكم الطائفي البغيض، في كل من سوريا والعراق، الذي يحظى بالدعم المطلق من إيران وحزب الله اللبناني. وها هي روسيا بطائراتها وأساطيلها وصواريخها العابرة للقارات، تنضم، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، لتحالف الدول الغربية، الذي تتصدره الولايات المتحدة وفرنسا، لضرب الإسلام السني، وتحجيم دوره، ومنع وحدته، وإجهاض ثورته، في سوريا والعراق، وبذريعة محاربة الإرهاب، ممثلاً بـ»داعش»، التى لا يقع عليها، بشهادة وإقرار ساسة غربيين، سوى 10٪ من الضربات الجوية، وبالتالي من حقنا أن نسأل وبصوت عالٍ «أين تذهب 90٪ من الغارات الجوية والصواريخ العابرة للقارات في سوريا والعراق؟ وباعتبار أن العالم أصبح فعلاً قرية كونية، من حقنا جميعاُ أن نعيش فيها بأمان، فإن الإرهاب المتوحش الذي ضرب باريس، والذي أسقط الطائرة الروسية فوق سيناء، ومن قبل فجّر برجي التجارة في نيويورك في سبتمبر 2001، يفرض علينا ان نتصارح في بحث هذا الموضوع المصيري الذي يهددنا جميعا، وأن لا نكتفي بقتل وتصفية من يصاب بهذا الوباء، بل علينا أن نقضى على الوباء أصلاُ باجتثاث أسبابه، وهذا يستدعي بالدرجة الأولى، أن نضع تعريفاً مبدئيا للإرهاب، يحظى بالتوافق والقبول، ومن أكثر التعاريف اختصاراً التي أوردت عددا منها، المحكمة الجنائية الدولية، هو أن الإرهاب «استخدام غير شرعي ولا مبرر للقوة ضد المدنيين الأبرياء من أجل تحقيق أهداف سياسية». وباستعراض جميع التعاريف الخاصة بالإرهاب، نجد أن التوصيف القانوني للإرهاب يقع على الفعل، وليس على الفاعل، بمعنى أنه مادام الفعل إرهاباً، فإن كون الفاعل، مدنياُ أو عسكرياُ أو شرطياُ، أو فرداُ أو جماعة أو منظمة أو دولة، لا يغير أو يقلل من كون الفعل إرهاباً مداناً بجميع الشرائع والقوانين. ومن هنا، ونحن نستنكر وندين بشدة، الأحداث الإرهابية الأخيرة في باريس، وإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء، ومن قبل أحداث 11 سبتمبر في نيويورك، فإننا في الوقت نفسه ندين ونستنكر، غزو امريكا وحلفائها لأفغانستان والعراق، باعتباره إرهاباً، كما ندين ونستنكر غارات التحالف على سوريا والعراق، وقتل المدنيين الأبرياء بذريعة محاربة «داعش»، باعتباره إرهاباُ، ونعتبر أن ما تقوم به روسيا في سوريا من غارات جوية وصواريخ عابرة للقارات، هو إرهاب ضد الشعب السوري والأمة العربية والإسلامية.
إن مكافحة الإرهاب الدولي وإجتثاث اسبابه، تستدعى وضع كل من يرتكب الإرهاب، من أفراد وتنظيمات وجماعات ودول، في قفص الاتهام، أمام المحاكم الوطنية والدولية، خاصة المحكمة الجنائية الدولية، وفي مواجهة الرأي العام العالمي، ومبادئ العدالة القانون. أما إجتثاث أسباب الإرهاب، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فالحل الناجع يكمن، في (1) دعم ومساندة شعوب المنطقة من أجل تحقيق الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، (2) التوقف عن تقديم الدعم والحماية لأنظمة القهر والاستبداد العربية، (3) العمل على فرض حل عادل للقضية الفلسطينية في مواجهة الإرهاب والاحتلال الإسرائيلي، (4) التوقف عن محاربة الإسلام بذريعة مكافحة الإرهاب. وإذا ما التزمنا جميعاُ، قولاُ وفعلاُ، وبلا ازدواجية في المواقف والمعايير، في مكافحة الإرهاب، مهما كان مصدره، فرداً أو جماعة أو دولة أو حتى تحالفا دوليا، وإزالة أسبابه المشار إليها أعلاه، عندها بالتأكيد ستكون باريس ونيويورك وموسكو، وكذلك دمشق وبغداد وطرابلس، وجميع عواصم ومدن الشرق والغرب، أكثر أمناُ وسلاماُ.

٭ كاتب ليبي

سالم القواطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية