الحروب والمصالح في الحديث عن الإرهاب والتطرف

حجم الخط
0

المتتبع للصراعات الدولية والتجارب الإنسانية المختلفة تستوقفه حقيقة لا مهرب منها: تاريخ الحياة البشرية مبني على الحروب والقتل والتدمير مقابل الإنشاء والبناء والتعمير.
فالباحثون، منذ بدء التاريخ، سجلوا ان طبيعة الوجود الإنساني ترتكز على التطاحن والخلق. ثنائية ضدية تتوقف حياتنا عليها قسرا. فلا يمكن ان تتحقق على الأرض حياة هانئة، وأن يتمتع الخلق بالسكينة والاطمئنان والعيش الرغيد. يجب ان لا ننسى ابد أننا حيوانات عاقلة تتعارك من أجل البقاء، والأقوى هو من يتحكم ويستبد.
الحديث عن الإرهاب الدولي تحت لافتة التطرف الإسلامي هو موضوع تتحكم فيه مجموعة من القواعد المرتبطة، أولا، بخصوصية الصراعات الدولية، وبالفوارق الصارخة بين الحضارات والأمم، وبتاريخ الاثنيات والهويات والثقافات والمذهبيات، ويدخل في إطار آلة الحرب الجهنمية.
تتحمل الدول الكبرى النصيب الأوفر في توفير شروط وجود هذا الأخطبوط التدميري بتوفير أدوات تخلقه ونمائه وانتشاره في فترة عرفت فورة الفكر الاشتراكي الشيوعي الذي استطاع ان يتغلغل ويكتسح قسما هاما من جغرافية العالم.
وقد فتحت الدول الغربية الباب للموجة التطرفية الإسلامية كقوى مساعدة لتدمير التجربة الشيوعية والقضاء عليها، مستصغرة قدرة هذه النزعة الصاعدة في التغلغل والتوغل من جهة، ولإيجاد السبل الكفيلة لاختراق واختلاق الصراع للتحكم في الدول العربية الإسلامية الممتلكة لآبار النفط والبترول.. العملة المربحة في العصر الحديث، من جهة ثانية.
ان ما يعرفه العالم من تطاحن مذهل تتضرر منه الدول الفقيرة والعربية والإسلامية بشكل أوفر مؤدية ضريبة الصراعات المصلحية من اجل التحكم في مسار الاقتصاد الدولي والسيطرة على الخيرات والثروات باعتبارها الحلقة الأضعف.
قبل ان تنطلق موجة الإرهاب – المدعو إسلامي – كان الصراع بين الاتجاه الاشتراكي والرأسمالي، وكانت الأقطاب واضحة. المجرى الاعم اتجه نحو انتصار التيار الرأسمالي، لقوته وتجربته وامكاناته المادية والعلمية والثقافية واسلحته المختلفة.
شجعت الدول الغربية الاتجاه المتطرف الإسلامي للقضاء على الزحف الشيوعي الذي كان جارفا وقتداك. والنتيجة التي نعرفها الان ان هذه الموجة الإسلاموية التطرفية قويت وأصبحت لها إمكانات مالية واقتصادية قوية، وأصبحت محركا لسوق كبير في مجال ترويج السلاح والمؤن وفي الاستهلاك العام الذي يساهم في ضخ ماكينة الاقتصاد الليبرالي المتوحش الجارف. ان وضعية التطرف والترهيب تزكيها آليا، وفي العمق اقتصاديات المال والشركات الكبرى الناهبة التي لا تعرف سوى تنمية الرأسمال والرواج التجاري الكاسح.
لقد أدت حروب المصالح والمواقع على المستوى الدولي إلى انهيار دول امام الأعين في لمح البصر. بلد العراق العريق وقد أصبح حطاما يتضور ولن يتوقف عن التطاحن. وليبيا، تحت دعوى الدكتاتورية، نسفت وتحطم اقتصادها وأمن أفرادها.
مصر، تونس، سوريا، اليمن وكثير من الدول العربية تتدمر من اجل مصالح الدول الكبرى، ولفرض نظام احادي واختيارات اقتصادية وسياسية تسري على المعمور، بذريعة ضرورة فرض حقوق المواطنة والديمقراطية. المفارقات صارخة بين التصورات الخطابات الديمقراطية الإنسانية المغرية لتمرير المواقف ولفرض السيطرة والتحكم في المسارات، وبين الممارسات التي تأتي على الأخضر واليابس للقبض والسيطرة على مصائر وخيرات الشعوب والأمم.
حقيقة ان التطرف، المدعو إسلامي، له جوانب أخرى إلى جانب المعطيات العامة المذكورة. فالدين لله، كما يقال، والأرض يعمرها البشر من أجل الحياة والبقاء. وحين يصبح الدين لابسا لبوس السياسة ويتدخل في الحياة المدنية ويفرض رجالاته التأويل الذي يرونه مناسبا لفرض توجهاتهم ولجر المجتمعات إلى عصور الانحطاط السياسي، يحصل خلط بين العبادة والسعي اليومي في الحياة، وتتقوى النزعات المتشددة والمتطرفة، وتجد الأرضية المناسبة لتفجير أحقادها وعقدها. معضلة عميقة تتقوى بفضل الجهل واستغلال المتطرفين والجشعين لعقول العوام، بشحنها بأفكار لا علاقة لها بالأديان بمفهومها الحقيقي، كدعوة للتسامح والإخاء بين البشر والثقافات والمذاهب والفلسفات. أفكار تنشر الكره وتنبذ المحبة والاختلاف وتهزم الحياة.
ان طبيعة الصراع الدولي وفكرة البقاء للأقوى تفرض وجود طرف نقيض صراعي إسلامي شيوعي عدمي، المهم أن تكون روح الاقتتال سائدة، لتبرز أطراف معادية للتوجه العام، حتى يتسنى للحرب أن تسود وتطغى وليتمكن النافذون في الاقتصادات العالمية وكبريات الشركات ان تتغلغل كما ترى وترغب.
فللاستحواذ على الخيرات والعقول والثروات، تنتشر المذاهب المتطرفة لتزكية التدخل في حياة الأمم الفقيرة، حيث أن رفعة أمة تكون على حساب انهزام ومحق أمم أخرى. والتاريخ البشري شاهد على حقيقة الصراعات الإنسانية وما حصدت من أرواح وقبائل وشعوب. أرواح بريئة جرفتها آلة الحروب والمصالح والأطماع البشرية.
الإنسان كائن يحمل الموت والحياة بكلتا يديه.. والبناء والهدم معضلة بشرية ملازمة لوجوده.

منصف بندحمان – المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية