الحرية لا تختفي دفعة واحدة، والديمقراطية لا تصبح ديكتاتورية بين ليلة وضحاها. فالحرية والديمقراطية تتآكلان وتتقلصان رويدا رويدا في عملية ضم زاحف يحتل باضطراد مجالات حرية التعبير الشخصي والجماعي.
هكذا، مثلا، قانون الجمعيات، الذي يلزم الجمعيات التي تتلقى الدعم من دول أجنبية بنشر مصادر تمويلها، جاء لغرض المس بجمعيات اليسار ويمس بالحق الاساس في حرية التنظيم ومبدأ المساواة. واليه ينضم قانون التنحية، الذي يستهدف تنحية النواب العرب من قبل زملائهم وعلى الطريق يتعارض مع حق الترشيح والاقتراع. وهكذا ايضا مشروع القانون الحكومي الذي يعد هذه الايام، ويسعى إلى جعل نظام الاعتقالات الادارية قانونا دائما يكون جزءا لا يتجزأ من قوانين الدولة ويوسع صلاحيات وزير الدفاع في المس بحرية المواطنين دون إجراء قانوني سليم وعادل.
من أجل تقييد الحرية والديمقراطية لا حاجة إلى خطوات دراماتيكية علنية كتلك التي وقعت في تركيا هذا الاسبوع، حيث اجتاحت الشرطة مكاتب صحيفة المعارضة الاخيرة المتبقية واعتقلت المحرر والمراسلين امام عدسات الكاميرات. يمكن الاكتفاء بخطوات بيروقراطية عادية وغير بارزة للعيان، كشطب كتاب «جدار حي» للكاتبة دوريت ربينيان، بدعوى أنه «يشجع على التمثل»، أو إصدار كتاب تربية وطنية جديد بدلا من ان يربي التلاميذ على المواطنة الديمقراطية ينشئهم بروح حزب «البيت اليهودي».
يمكن تقييد الحرية ايضا على طريقة وزيرة الثقافة والرياضة التي تشترط الحق بالتعبير الفني والثقافي بابداء الولاء السلطوي، والحق في تلقي الدعم المالي العام بتبني ايديولوجيتها. وهكذا فان مؤسسة ثقافية مثل مسرح «الميدان» العربي في حيفا يفقد مقدراته إذا لم يعجب برنامجه الحاكم، وبالمقابل فان مؤسسة ثقافية توافق على ان تعرض في كريات أربع فتنال علاوة في الميزانية. حرية التعبير الفني للمبدعين منوطة بما وصفته الوزيرة بـ «حرية التمويل». بمعنى ان من صلاحياتها من الان فصاعدا أن تقرر أي أعمال فنية واي مؤسسات ثقافية جديرة بتمويل الدولة.
ينبغي أن نقول في الثناء على ريغف انه في مواضيع الحق في حرية التعبير ووجود الديمقراطية التعددية الحرة فان قلبها وفمها متساويان. ففي جلسة الوزراء لشؤون التشريع، قبل ثلاثة اشهر قالت: «ماذا تساوي الهيئة إذا لم نكن نسيطر عليها؟ الوزير يجب أن يحكم. ماذا، هل نقدم المال وهم يبثون ما يريدوه؟ هذا الصدق غائب تماما عن كفاح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومبعوثه للمهام الخاصة، رئيس الائتلاف دافيد بيتان، اللذين يعملان هذه الايام على تضليل الجمهور عن هدفهما المركزي ـ احباط امكانية وجود بث عام مستقل ـ من خلال ستار دخان من الادعاءات الاقتصادية عديمة الاساس في الواقع عن التوفير الهائل في الاموال العامة والذي سيكون كنتيجة اغلاق الهيئة العامة الجديدة والخطوة التي يسميها نتنياهو «اعادة بناء سلطة البث».
الامر الوحيد المؤسف في موضوع اغلاق سلطة البث هو مصير مئات العاملين الذين تركهم السياسيون لمصيرهم ولا يكفون عن التنكيل بهم. من تجربتي المريرة كعضو في لجنة سلطة البث في بداية سنوات الالفين، أعرف بان سلطة البث غير قابلة لاعادة البناء.
لقد حرص قانون سلطة البث من العام 1965 على أن يكون البث العام رهينة في ايدي السياسيين الذين سيطروا عليه بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال المقربين الذين عينوهم في المناصب الادارية وفي عضوية الجمعية العمومية للهيئة واعضاء اللجنة الادارية. احد المستفيدين الكبار من هذا الافساد على مدى السنين كان نتنياهو، وعليه فمهومة ايضا رغبته الشديد في اعادة بناء سلطة البث ـ مما سيعيده إلى الايام الطيبة للسيطرة على جسم إعلامي مركزي، ولكنه سيقلص بخطوة اخرى فاخرى حرية التعبير والنقاش الديمقراطي لنا جميعا.
يديعوت 2/11/2016