■ في أجواء رمضان الإيمانية المباركة، لا يكفي أن نحس بآلام الفقراء، وهم نصف المجتمع المصري في أقل تقدير، بل ثمة مظالم أخرى سياسية لا اجتماعية هذه المرة، تشمل قطاعات من المصريين فقراء وغير فقراء، وتكوي قلوب عشرات الآلاف من الأسر، الذين فقدوا ألفة وحضور وبهجة أبنائهم وبناتهم.
فمنهم من قتل، ومنهم من أصيب بعاهة مستديمة، في وقائع الصراع السياسي، وأغلبهم جرى تغييبهم خلف أسوار السجون، إلى حد أن السجن صار يحوي تشيكلات كاملة لبلد آخر، وضاقت بسكانها أماكن الاحتجاز، وربما لا نعرف الأعداد على وجه اليقين، وإن كانت التقديرات تذهب بمبالغاتها إلى رقم الأربعين ألف محتجز، بينهم حوالى 12 ألف شخص قيد الحبس الاحتياطي، حتى لو كانت الأرقام الحقيقية نصف الأرقام المذكورة أعلاه، فالمصيبة تظل ثقيلة، وفوق احتمال الضمائر.
ولا يمكن لبلد أن يواصل رحلته في أمان، أو أن يطمئن الضمير العام، وكل هذا العدد أو ما يقاربه في السجون وأماكن الاحتجاز، ولأسباب تتصل بالصراع السياسي، أو بالتعبير عن الرأي المخالف، فإن يفلت ألف مذنب خير من سجن مظلوم واحد، ولا جدال في وجود مظالم هائلة، غالبا بسبب حملات التوقيف العشوائي التي تلجأ إليها أجهزة الأمن، أو بسبب قوانين سيئة السمعة لاتزال تحكم في هذا البلد، ومن نوع قانون التظاهر الظالم، الذي يخالف نصوص الدستور الجديد في إفساح المجال واسعا للحريات العامة، وجعل التظاهر السلمي بالإخطار، بينما القانون سيئ الذكر، يجعل التظاهر بترخيص من وزارة الداخلية، ويكاد يتعامل مع التظاهر كأنه عمل إرهابي، ويضيع الحدود الفاصلة بين السياسة والإرهاب، فقد لا يكون لدينا ترف التسامح مع الإرهاب، ولا أحد يقبل به، ولا بديل وطني ولا إنساني، سوى أن تنتصر مصر على الإرهاب، وأن تجتث جماعاته، وأن تضمن الأمن كاملا لحياة المصريين، ولا أحد يماري في التضحيات البطولية لمئات تلو مئات من شهداء الجيش والشرطة والمواطنين العاديين، غير أن جلال التضحيات يلزمنا بدوام الحذر، وبالدقة الكاملة في التفرقة بين المعقول والمرذول، وفي ضمان التوازن الدقيق بين الأمن والحرية، فشهداء الحرب ضد الإرهاب عنوان كرامة، والكرامة الإنسانية لا تتجزأ بطبيعتها، تماما كحرمة دم المصريين التي لا تقبل التجزئة، وتماما ككرامة آدمية المصريين التي لا يصح التساهل فيها، فليس معنى أننا نقدر تضحيات وبسالة رجال الأمن، أن نغفل عن التجاوزات والانحرافات، أو أن نغض الطرف عن جرائم التعذيب وإهدار الآدمية في أماكن الاحتجاز وأقسام الشرطة، فهذه الجرائم الرسمية تصيب كرامة شهداء الأمن في مقتل، ثم أنها لا تتسق أبدا مع نصوص الدستور، ومع فرص ضمان الأمن في المجتمع، ومع حيوية المجتمع في الدفاع عن كرامته ضد التغول والقمع، ومع حساب الضمائر الذي يلزمنا بمراجعة ما يجري كله، وضرورة التفرقة الصريحة بين المتهمين بحوادث عنف وإرهاب مباشر، وهؤلاء نطلب فيهم القصاص بالمحاكمة العادلة، وبين عشرات الألوف من المحتجزين في السجون الآن، ولا يكاد المتهمون بالارهاب يشكلون بينهم سوى نسبة محدودة، بينما الغالبية العظمى من المحتجزين في وضع آخر، تطول فترات حبسهم الاحتياطي بلا مبرر قانوني معقول، أو تصدر ضدهم أحكام جائرة مغلظة طبقا لقوانين ظالمة مخالفة للدستور، والمحصلة مرعبة، فثمة آلاف من الرجال والشباب والشابات في السجون وأماكن الاحتجاز، وبلا جريرة إرهابية، بل بتهم تتعلق غالبا بالخلاف السياسي، وهؤلاء من موارد سياسية متنوعة، وبعضهم بلا انتساب سياسي على الإطلاق، ولم يرتكبوا جريمة، إلا أن وجدوا بالمصادفة على مسرح حوادث، أو عبروا عن رأيهم، أو خرجوا في مظاهرة مصرح بها أو غير مصرح بها، وبدون أن يقتلوا أحدا، أو أن يفجروا منشأة عامة أو خاصة، وهؤلاء هم من يتوجب إخلاء سبيلهم فورا، فهم في حكم سجناء الرأي أو سجناء الضمير، ولا يصح في بلد يتطلع إلى الحرية والعدالة والأمن، أن يبقى هؤلاء أسرى السلاسل، أو أسرى مظالم لا ترحم، وقد يتحول بعضهم ـ من فرط الظلم ـ إلى إرهابيين حقيقيين، نخسر مع ظلمهم المزيد من أمننا، والمزيد من يقظة الضمائر.
وقد طالبنا مرارا وتكرارا بضرورة التفرقة الدقيقة، وإحكام المواجهة ضد جماعات الإرهاب، بهدف عزلها وردع جرائمها، بالصحوة الأمنية البصيرة، وبالمحاكمات العادلة التي تقتص لكل دم شهيد، ولا تخلط أوراق الإرهاب مع أوراق السياسة، فليس مطلوبا ـ ولا هو ممكن ـ أن يتحول المجتمع إلى قطيع يهتف ويؤيد، والمعارضة ليست جريمة، وما من ضمانة لصحة النظام السياسي بغير المعارضة وحريات التعبير السلمي، وبضمانة نصوص الدستور التي هي عنوان الشرعية، فالنظم تأتي وتذهب، لكن أي نظام لا يطابق في معناه حدود البلد ولا حدود المجتمع، وهذا الوضع الصحي غير قائم الآن، فقد جرى دهس المجال العام، وسحق فكرة السياسة بدعوى الحرب ضد الإرهاب، والتعامل مع الشباب بغلظة أمنية مروعة، وسجن الآلاف منهم، وهو ما نبهنا مرارا إلى خطره، وإلى حجم الخطأ والخطيئة فيه، وطالبنا بتحرير الشباب المسيس ـ لا الإرهابي ـ من السجون، ووضع حد للمظالم التي اعترف بها الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه، وتعهد مرارا بالإفراج عن الشباب المظلوم، ثم لم ينفذ الوعد الرئاسي إلا قليلا، وعبر قرارات للنائب العام أخلت سبيل مئات، ثم بقرار عفو رئاسي أخير عن عشرات الشباب في مناسبة حلول شهر رمضان المعظم.
ولا نريد أن نغمط الرئيس السيسي حقه، ولا أن نتخلف عن واجب الإشادة بخطوة العفو الرئاسي المحدودة المدى والعدد، ونعرف أن قوائم طويلة وضعت أمام الرئيس بناء على طلبه، وبينها قوائم من المجلس القومي لحقوق الإنسان، وقوائم أخرى من مجموعات شبابية، ناقشت المشكلة مع الرئيس، وطلب منها إعداد قوائم بالشباب المظلوم، لكن القصة أكبر من مجرد قوائم تعد من هنا أو من هناك، ولدى الرئيس سلطته التي تكفل له معرفة حجم المظالم، فالإفراج عن مئات لا يحل مشكلة الآلاف، والأمر يتطلب استخدام الرئيس لسلطاته على نحو صحيح ومؤثر، فلدى الرئيس سلطة العفو وإسقاط الأحكام النهائية، ولدى الرئيس سلطة التشريع إلى أن يتم انتخاب برلمان جديد، ويملك الرئيس أن يصدر تعديلا تشريعيا لقانون التظاهر الظالم، وبما يوافق نص الدستور، وساعتها تسقط ثلاثة أرباع المظالم، ويجري إخلاء سبيل الآلاف من المتهمين بمخالفة قانون التظاهر، ويجرى إنهاء المحاكمات الجارية على أساس القانون الظالم، ويدخل الفرح المؤجل إلى بيوت عشرات آلاف الحزانى من أسر الشباب المظلوم، خصوصا لو توسع الرئيس في استخدام سلطة العفو الرئاسي، وبدأ بالإفراج عن كل النساء المحتجزات دفعة واحدة، وفي الطريق مناسبات وطنية ودينية كريمة، بينها ذكرى 30 يونيو، وعيد الفطر والعيد القومي في 23 يوليو المقبل، وهي مناسبات تزدهي بالفرح مع الإفراج عن المحتجزين المظلومين، فقد تحسنت الحالة الأمنية في البلد، وخطوات الإفراج المطلوبة تفكك جوانب من الاحتقان السياسي، وبما يضمن مزيدا من إشاعة الشعور بالأمن، ويركز الجهد والطاقة على حرب لا مناص منها ضد جماعات الإرهاب.
والتفرقة بين السياسة والإرهاب مطلوبة، لكنها لا تعني التمييز في السياسة، ولا اقتصار الإفراج المطلوب على الشباب غير الإخواني أو غير «الإسلامي» عموما، بل أن يشمل الإفراج أبناء وبنات الإخوان من غير المتهمين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، ودونما تمييز بين المحتجزين ولا تفرقة عنصرية بغيضة، فنحن شعب بلا طوائف، وتجانس مصر الثقافي والسكاني ميزة عظمى، وهو ما قد يصح أن ننتبه إليه في خطوات السياسة، وألا نحول الخلافات السياسية إلى شقاق اجتماعي تداعت نذره، فقد لا تكون من فرصة في المدى المنظور لمصالحة سياسية مع قيادة جماعة الإخوان، والجماعة منقسمة الآن على أي حال، وتعاني من انشقاقات في الروح، وربما من انشقاقات لاحقة في التنظيم، ومن تحول أصاب الكثير من ممارساتها بداء الإرهاب، وهيأ للبعض فكرة السير في طريق الضلال، وتصور إمكانية هزيمة الدولة المصرية برفع السلاح في وجهها، وهذا الطريق محكوم عليه بالخسران المبين، ولا يعود منه الذين يسلكونه في العادة، ولا أحد عاقلا يطالب الدولة المصرية بمواجهة سلاح الإرهاب بابتسامة أو بالورود، فلا طريق للتعامل مع الإرهاب سوى بهزيمته، وبكافة الطرق المشروعة، وهو ما يجعل فكرة المصالحة مع الإرهاب مستحيلة تماما، لكن العدالة تبقى فرض عين حتى لو غابت المصالحة، وأول طريق العدالة هو «تبييض» السجون من غير المتهمين في قضايا عنف وإرهاب مباشر، وسواء كانوا إخوانا أو غير إخوان، والخطوة الثانية هي ضمان المحاكمة العادلة للمتهمين بالإرهاب أو بإنشاء تنظيمات إرهابية، والخطوة الثالثة تلزم بها المادة (241) من الدستور، التي تنص على التزام الدولة بتعويضات الضحايا، وهنا قد نقترح أن يبادر الرئيس إلى إصدار قانون عاجل للعدالة الانتقالية، يلزم الدولة بتعميم برامج «جبر الضرر» لكافة ضحايا الصراع السياسي منذ 25 يناير 2011 حتى تاريخه، وبلا تمييز سياسي أو فئوي، فقد وقع آلاف الضحايا قبل 30 يونيو 2013 وبعده، ولم تجر محاكمات تشفى الصدور الموجوعة، وقد لا تقوم هذه المحاكمات أبدا، والحل الممكن هو اعتراف الدولة بمسؤوليتها القانونية عن الدم المهدور، أيا ما كانت عناوين القتل وظروفه، وتعويض أسر الضحايا، ووقف المظالم المضافة بالإفراج العاجل عن سجناء الضمير.
٭ كاتب مصري
عبد الحليم قنديل