الحرية والأمن وتوفر الخدمات الأساسية تجعل الإنسان أقل تعاسة: في 2020 سيكون الإكتئاب ثاني مرض بعد القلب يسبب الإعاقة عن العمل

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: تعرف السعادة في علم النفس بأنها الشعور بطريقة جيدة تمكننا من الاستمتاع بالحياة والرغبة في استمرار هذا الشعور. إلا أن مفهوم السعادة يختلف من شخص لآخر، فقد تكون السعادة للبعض في الحصول على فرصة عمل أو توفر الكهرباء أو تطوير التعليم أو الحصول على ماء صالح للشرب وقد تكون في الحصول على المال أو الدواء أو تحقيق حلم بالسفر أو في الحصول على رغيف خبز. تقرير منظمة الصحة العالمية يؤكد ان الدول العربية التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي هي أقل الدول سعادة في الشرق الأوسط والعالم .وهذا ما يفسر إنتشار مرض الكآبة الذي يعتبر مرض العصر وأحد أكثر الأمراض النفسية إنتشارا حول العالم. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مشاهد العنف والقتل والإرهاب وقساوة الدمار والخراب تدخل بيوتنا دون استئذان لتتسبب في زيادة التعاسة والحزن والكرب.
تجدر الإشارة إلى بادرة ذكية هي الأولى من نوعها عربيا وعالميا حين تم تعيين وزير للسعادة في دولة الإمارات وذلك بعد إعلان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الإمارات عن إستحداث منصب «وزير الدولة للسعادة» ليكون هذا المنصب الأول للسعادة في العالم أجمع. مؤكدا أن عنوان الحكومة الجديدة هو «المستقبل والشباب والسعادة وتطوير التعليم». ومن الجدير ذكره ان محمد بن راشد قال في تغريدة عبر تويتر أثارت اهتمام الشباب:» استحدثنا منصب وزير دولة للسعادة مهمته الأساسية مواءمة كافة خطط الدولة وبرامجها وسياساتها لتحقيق سعادة المجتمع».
ونتساءل كيف يستطيع المواطن العربي المطحون الوصول إلى السعادة والرضا وهل المال وحده يوفر السعادة أم أن هناك عوامل أخرى يجب توافرها لينعم الإنسان بالرفاه الاقتصادي والأمن الاجتماعي؟
في هذا الصدد قال د.وليد خالد عبدالحميد الأستاذ المشارك في جامعة لندن واستشاري الطب النفسي لـ»القدس العربي»:
قبل ان نتحدث عن السعادة يجب ان نفكر في دراسة الـمور التي تؤدي إلى السعادة ومعالجة المشاكل النفسية الناتجة عن التعاسة وانه لابد ان نعرف المعنى الصحيح للسعادة فهي تعني في علم النفس الشعور بطريقة جيدة تمكننا من الاستمتاع بالحياة والرغبة في استمرار هذا الشعور، السعادة هي الشيء الذي نرغب في استمراره بعكس التعاسة التي هي شعور سيء نرغب في تغييره بطريقة أو بأخرى.
مضيفا: في استبيانات أجراها علماء النفس هناك تقريبا 90 في المئة من الناس خصوصا في الغرب يقولون أنهم سعداء لكن هذه مشاعر تتغير باليوم أو الاسبوع وبمقاييس مختلفة.

«قيصر السعادة» السير ليارد

وحسب الدراسات التي أجراها بروفيسور ليارد الذي كان عضوا في حكومة سابقة في بريطانيا وكان وقتها وزير دولة ويلقب بقيصر السعادة هو وزير بدون وزارة عينته الحكومة حتى يحاول ان يزيد من سعادة الناس، ركزت أبحاثه على عوامل سبعة تساهم في سعادة المواطن ومنها الحرية التي تفتقد في الوطن العربي بسبب الأوضاع الأمنية والمخاض الذي تمر به تلك الدول، والحرية تتأثر بعوامل عديدة منها سلطة القانون الذي يكون في الدول الديمقراطية عادة أعلى من سلطات الملك أو الحاكم، ووجود الأمن وإنعدام العنف.
ويؤكد «قيصر السعادة» الذي هو واحد من أشهر علماء الاقتصاد في بريطانيا على الإعاقة الإنتاجية التي تسببها الأمراض النفسية حيث قال إذا تم توفير علاج للأمراض النفسية مبكرا فكل جنيه استرليني يرجع إلى الدولة بجنيهين والسبب التقليل من المرض فالإعاقة تقلل من الإنتاجية.
ويرى د.وليد عبدالحميد ان فكرة البروفيسور ليارد مهمة وضرورية وهي لا تهتم بالجانب الإنساني فقط بل حتى بالجانب الاقتصادي لأي بلد.
أما عن الدول العربية فيقول: للأسف بسبب المخاض الذي تشهده الدول العربية في الآونة الأخيرة فان نسبة التعاسة تفوق نسبة السعادة والأسباب عديدة هناك بطالة مرتفعة ونشكو من انعدام الحرية والخدمات الاجتماعية والصحية والتعليم والأمن، وان بعض الحكومات العربية عاجزة عن توفير هذه الخدمات لجميع مواطنيها.
وهو يؤكد وجوب اهتمام الدول العربية بالصحة النفسية بطريقة جدية أكثر فبالاضافة إلى أهميتها من الجانب الإنساني وهي سعادة المواطن أيضا هناك الجانب الإنتاجي الاقتصادي المهم أيضا حيث أثبتت الدراسات ان توفير العلاج النفسي المبكر يمكن ان يزيد إنتاجية الشخص ويمنحه فرصة أكبر في أداء عمله دون إعاقات.
وتابع: الفقر هو سبب التعاسة وعدم الاستقرار والخوف من الغد خصوصا إذا ترافق مع انعدام الحرية وعدم توفر فرص عمل كلها أمور تتسبب بالتعاسة التي تعتبر من أعراض مرض الإكتئاب.
ويضرب د.وليد عبدالحميد بعض الأمثلة التي قد تزيد من السعادة مشيرا إلى بعض الدراسات التي تؤكد ذلك فالنسبة للعلاقات الأسرية: الزواج يزيد السعادة لمدة سنة ومجيء مولود يزيد السعادة لمدة سنتين ومجيء مولود آخر يسبب ويزيد السعادة مرة أخرى لذلك هناك ميكانيكية ربانية لزيادة السعادة وهناك بحوث تؤكد ذلك.
ويشير إلى وجود أمور لا تتعلق بالمال وتؤدي إلى السعادة ففي تجربة «مملكة بوتان» في شمال الهند وهي مملكة صغيرة وفقيرة جدا لكن البحوث النفسية التي اجريت فيها اكتشفت ان معدل السعادة هناك أعلى منه في كثير من الدول الغربية المتقدمة والسبب وجود الحريات والخدمات الأساسية رغم الفقر، فملك بوتان كرس حياته لإسعاد شعبه وهذا أدى إلى نتائج إيجابية نشرت الشعور بالسعادة.
ويقول د.عبدالحميد: ان الصحة هي من الجوانب المهمة للسعادة وأثبتت البحوث النفسية ما مفاده ان المرض النفسي يهدد السعادة أكثر من المرض الجسمي والقلق، وفي الغرب أثبتت الدراسات أن كل واحد من بين أربعة مصابين بالاكتئاب وهي سبب مهم لإنعدام السعادة.
ويوضح طبيعة الاكتئاب بالقول انه مرض نفسي يتمثل في إنخفاض المزاج والطاقة وفقدان القدرة على الاستمتاع وإضطرابات النوم وفقدان الشهية بالإضافة إلى بعض الأفكار السوداوية التي قد تؤدي إلى الانتحار حسب درجة الإكتئاب ومستواها. وكل شخص ممكن ان يصاب بالاكتئاب إذا واجه عارضا حياتيا شديدا جدا، لكن تعرضه للمرض النفسي يعتمد على عوامل عديدة منها الوراثة وطريقة التربية في الطفولة، أو عدم العمل والعلاقات الاجتماعية.
وعن أهمية العلاج النفسي بسبب التغيرات الكيميائية في الدماغ وما يعرف بالإكتئاب يقول: العلاج السلوكي المعرفي يساعد المريض في مواجهة الصعوبات الحياتية فهو يقاوم الاكتئاب ويقي منه وهذا العلاج عبارة عن جلسات علاج من 6 إلى 12 جلسة وينصح به لأي شخص يكون تحت ضغط نفسي أو كرب تزداد عنده الأفكار السلبية حول نفسه وقد يؤدي ذلك إلى الاستدلال الاعتباطي والتعميم المفرط أي الوصول إلى استنتاجات خاطئة أو التضخيم والتصغير كالتقليل مثلا من السمات الايجابية والتضخيم من السلبيات وشخصنة التفكير. وهنا يأتي دورنا يقول د.وليد عبدالحميد نقوم بمحاولة دحض الأفكار السلبية باستخدام المنطق والبحث عن دلائل نساعد المريض على كتابة الأفكار خلال أسبوع وأسبوع بين الجلسات وخلال الجلسات نناقش مع الشخص بالإضافة إلى العلاجات الدوائية مثل مضادات الاكتئاب التي تساعد بشكل كبير في العلاج.
ويحذر د.وليد عبدالحميد من إهمال الصحة النفسية مشيرا إلى وجوب البحث عن العلاج سواء كان جسميا أو نفسيا مستعينا بقول الرسول الحبيب:»ما أنزل الله من داء إلا وأنزل له دواء».
وينهي كلامه بالقول: مكافحة الأمراض النفسية كانت جزءا من عاداتنا وهناك جملة ذكرت في كتاب الامام أبو حامد الغزالي «ميزان العمل»:
(إذا لم يشك الشخص لن ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقى في العمى والضلال نعوذ بالله من ذلك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم). وهذه المقولة تؤكد مبدأ العلاج السلوكي المعرفي وهناك باب في هذا الكتاب حول كيف نكتشف السعادة عن طريق العلم والعمل بالتالي لابد من العودة إلى تراثنا للبحث عن المنطق وللأسف السنين المظلمة قطعتنا عن الجانب المضيء لتاريخنا ونحتاج لأن نعود له للاسفادة منها من جديد.ويجب ان نهتم بالنوعية وليس بالكمية المهم أن نعيـــش سنين سعيدة لا أن نعيش سنين عديدة.
دراسات تؤكد:

• نصف الإعاقة في المجتمع سببه نفسي وليس جسمانيا.
• في سنة 2020 سيكون الاكتئاب ثاني مرض بعد أمراض القلب يسبب الإعاقة عن العمل.
• أثبتت دراسات بريطانية ان 50 في المئة فقط من المصابين بالإكتئاب يشخصون من قبل الطبيب العمومي، والسبب أن المريض يضخم من الأعراض الجسمية ويقلل من النفسية لذلك لا يشخص طبيب العائلة المرض النفسي وبالتالي لا يحول المريض إلى الطبيب النفسي فلا يعالج.
• وقد أثبت ان المرض النفسي أو الجسدي هو إبتلاء من رب العالمين يصيب المؤمن ويصيب غير المؤمن.
• السعادة تزيد من مناعة الجسم والتعاسة تقلل منها.
• الألم يزداد إذا كان الشخص يمر بحالة اكتئاب وأمراض مثل السكر والمفاصل تتضاعف أعراضها إذا كانت مصاحبة للإكتئاب.
• المرض النفسي يعكس نفسه على الاقتصاد حيث أظهرت دراسة بريطانية ان مرض الاكتئاب يكلف علاجه والوقاية منه ما يقدر بـ 107 جنيهات استرلينية.
• الخسارة الاقتصادية الناتجة عن قلة الإنتاج تقدر بـ 7.50 مليار جنيه استرليني أي ان العلاج هو 1 في المئة فقط من الكلفة الكلية للإكتئاب.
• الضحك والمزاح وروح النكتة تساعد على الوقاية من الأزمات النفسية وهناك دراسة عن الصدمات تقول إن روح النكتة يمكن أن تساعد الشخص على التغلب على حالات الكوارث والصدمات.

الحرية والأمن وتوفر الخدمات الأساسية تجعل الإنسان أقل تعاسة: في 2020 سيكون الإكتئاب ثاني مرض بعد القلب يسبب الإعاقة عن العمل

وجدان الربيعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية