تقف السينما المكسيكية في صيف 2015، متربعة على العديد من الجوائز العالمية، بأفلام تحمل حساسية جديدة تنعشها دماء مخرجين شباب يبحثون في مواضيع محلية صرفة، ولكنها تحمل أبعادا كونية وإنسانية. سينما تنهل من اليومي والمعاش ولكنها ترسم أفقا إنسانيا كلحظة تاريخية تجعل منها سينما قادرًة على البوح.
فقد أصبح مهرجان «كان» السينمائي يتلقف السينما المكسيكية بالأحضان، لأن هذه الأخيرة تجيد صياغة حكي قصصها بتلوينات مختلفة، ولها قدرة عجيبة على الاستفادة من تعاطف لجن الانتقاء والتحكيم. ففي سنة 2013 حصل مخرج شاب هو أمات أسكالنت بفيلمه «هيلي» على جائزة أحسن إخراج.
تتلمذ أمات سكالنت على يد المخرج الكبير كارلوس ريغادا، واشتغل معه في فيلم «معركة في السماء» سنة 2005، بعد ذلك انطلقت مسيرته السينمائية بفيلم «دم» 2005
و«الأوغاد» 2009 و»ثورة» 2010 و»الغارقون في المستنقع» « سنة 2002.
وتتوالى التتويجات للسينما المكسيكية ليتوج المخرج ميشيل فرنكو بجائزة (نظرة ما) بمهرجان كان السينمائي بفيلمه «بعد لوسيا» سنة 2012.
وفي سنة 2015 سيتم ترشيح فيلمه «يوميات» أو «المزمنة» (اختلاف في ترجمة عنوان الفيلم للغة العربية) للسعفة الذهبية في المهرجان نفسه، مع الممثل الأمريكي تيم روث، وتدور أحداث الفيلم حول ممرض مختص يساعد المرضى العاجزين والميؤوس من شفائهم ويستمر في العمل رغم علاقته المضطربة بعائلته، ويصنع المخرج مفارقات إنسانية بالغة الصعوبة رغم اقترابه من أشخاص على شفا الموت، إلا أن رقة ورهافة الأداء واللمسات الإنسانية جعلته أقرب إلى البهجة منه إلى الميلودراما.
يقول المخرج «أريد أن أحكي فيلما عن التعقيدات في هذه اللحظات من حياتنا، حينما توفيت جدتي سنة 2010 حاولت استبعاد فكرة التفكير في الموت، لكن هناك لحظات يمكن مواجهتها من سيئ إلى أحسن، وللعارفين أن السينما هي الفن الجيد لتعميق هذه الثيمة».
يمثل المخرج ميشيل فرنكو جيلا وحساسية جديدة في السينما المكسيكية، فهو من مواليد 1979 في المكسيك وله أفلام تتخذ من المرأة ثيمة محورية منها: «دانييل وآنا» 2009 و «بعد لوسيا» 2012. يردد المخرج مقولة أضحت لازمة معه «لن أدفع لأي أحد من أجل أن يقال إنني موهوب».
بدوره المخرج المكسيكي دافيد بابلوس تطرق لموضوع شائك وبنوع من الغوص في تابو جد معقد وهو المتاجرة الجنسية لأجساد الطفلات الصغيرات بعنوان «المختارات»، من خلال قصة حب لمجموعة من المراهقات. «ارتكزت على قصة لخوخي بولي، وكان عليّ أن أسافر إلى مدينتي لأنجز هذا الفيلم». يعلق المخرج.
حاول المخرج ألا يسقط في فخ السينما الاجتماعية بمفهومها التقليدي «لايعجبني الإيتكيت، لاتعجبني الرسائل، إنه عمل سينمائي محض، المهم أن أحكي قصــــة الفيـــلم من خلال الشخصيات». يستطرد دافيد بابلوس.
يظهر المخرج غاضبا في سفره الحي في هذا الفيلم «قمت بهذا السفر بحرية كبيرة، ولد هذا الفيلم منذ 2010، اللحظة التي حصلت فيها على جائزة أحسن فيلــــم روائي قصــــير أغنـــية الأطفال الموتى»، ويضيف «ظلت مدينة تيخوانا حاضرة في أعمالي، عشت هناك من الرابعة حتى الثامنة عشر من عمري، عايشت في هذه المدينة الحدودية مشكل الحدود مع كلا البلدين، لكن لا أحد يمكن أن يتهرب من مسؤولياته، أنا لا أظهر العنف ولكن أسمعه».
يقتحم المخرج دافيد بابلوس السينما بعد خوض تجربة طويلة في الأعمال التلفزيونية، أنجز فقط خلال سنة 2013 مجموعة من الأعمال: «عشرون وأكثر من أجل الفن» تضم 20 حلقة، «أوبرا الصلصا»، «بعد الحياة»، «بناء المسرح»، «الفن هو السياسة»، «قصائد تزوتزيل»، «لقاءات». وكلها تصب في خانة مناقشة الفن وعلاقته بالمجتمع.
تدخل السينما المكسيكية الشابة بهذه الحساسيات إلى السينما العالمية من بوابتها الكبرى، من خلال طرح ومناقشة مواضيع وتابوهات محرمة بلغة سينمائية تمتح من الإبداع تأصيلا لها.
ويبقى السؤال المعلق إلى أين تسير السينما المكسيكية؟
أتمنى أن تسير إلى مكان جيد، يؤكد المخرج دافيد بابلوس، من المؤكد أننا نُكوِّن جيلا يؤمن بالإختلاف وهذا أمر رائع.
٭ ناقد سينمائي مغربي
عبدالله الساورة