عن أي حساسية نتحدث؟ أي حديث اليوم عن الفن التشكيلي المغربي الحديث، يتوجّب بالضرورة الحديث عن الحساسية الجديدة داخل هذا الفن. هذه الحساسية ليست فكرة شكلية إنها كما يقول إدوارد الخراط، مرتبطة بالتطور الاجتماعي والتاريخي.
حينما نقول حساسية جديدة، فبالضرورة نحن نشير بشكل ضمني، أو نتبنى وجود حساسية قديمة، هذه الحساسية التي يُمكن أن نصطلح عليها بالتقليدية أو التقليدانية، إن أردنا أن نذهب إلى حد أبعد في الوصف. تقليدية أو تقليدانية لأنها لم تستطع الخروج عن نسقيتها الأكاديمية ومن تبعيتها للمدرسة التي تدعي الانتماء إليها. تقليدية لأنها تعتمد قواعد مجرّبة وموصوفة، وسائدة، في الإحالة على الواقع بشقيه الذاتي والاجتماعي، هي قواعد المحاكاة الأرسطية العريقة… (إ. الخراط). ولأنها ظلت حبيسة محاولة يائسة في نقل هذا الواقع، لا الانتصار عليه. فما غاية الفن اليوم، سوى التغلّب على هذا الواقع؟ التغلب عليه أي جعله ينساق داخل قالب يضعه الفنان لعمله، قالب بقدر ما يشتغل داخله يتمرد عليه. هنا يكمن الحديث عن الحساسية الجديدة، فهي بقدر ما تقفز على القديمة، لا تتجاوزها أو تتنكر لها. فهي اتجاه فلسفي وفكري وفني يبحث عن التجدد المستمر مستدرجا الماضي داخله، محاولا إعادة قولبته وتدويره وتغليفه. فالفنان ليس ابن جيل عرضي، فهو منتسب إلى الصيرورة التاريخية.
بعد انحسار الاشتراكية في العالم، وبداية القضاء على الايديولوجية الواحدة، ومحاولة قتل الأب والخروج عنه والتمرد عليه، وما عرفه العالم من أزمات وما شهده من حروب وحرب باردة، كانت تتلاعب بأعصاب العالم، وجد المثقف نفسه أمام ضرورة البحث عن التجدد والتقدم والتخلي عن القديم، والانزياح عن الواقع والتغلب عليه. بعد عقود من التقلبات في فلسفة والفن وتمثيل وفهم الواقع ومجابهته.
تشكيليا كان لكل تلك الحركات التي حاولت الحد والقطع مع التقليدانية، المساهمة لما يزيد عن ستة عقود من بداية القرن العشرين، بظهور ما نسميه اليوم بالحساسية الجديدة. فالفن المفاهيمي فتح الطريق، سنوات الستينيات من القرن الماضي، نحو القطع النهائي بين النشاط الفني والجمالي، صار العمل الفني غاية في ذاته بعيدا عن السند والحامل، عن اللوحة والإطار. مما أعطى لميشيل ديشون شرعية في خروجه عن المألوف والفهم التقليدي للفن.
أما في العالم العربي وبعد النكبات والنكسات وفشل القومية العربية، وسقوط أحلامها الوردية، أدّى الأمر بالفنان العربي إلى تبني الحداثة القائمة على الفردانية، كمحدد أولي لها وللتقدم، مما سمح له أن يتقبّل الجديد والغريب عنه. ما دفعه إلى البحث عن قوالب اشتغال جديدة باستمرار، والتمرد على الجماعة، الكابح لإبداع الفرد. ومن الحداثة إلى الحساسية الجديدة، هذه الحساسية التي أعطت استقلالية تامة للعمل الفني، وللفنان، إذ جعلته يبحث بشكل دائم عن أدوات اشتغال جديدة. فالحساسية الجديدة ليست هي الحداثة فقط، بل هي الناظم بين الحداثة وما بعدها، والقابل لتبني أي شكل تقدمي إنساني وكوني جديد.
في المغرب، اليوم، بتنا نشاهد أعمال فنانين تشكيليين، بقدر قطعهم مع التقليدانية يتجددون باستمرار. التجدد هنا عبر طرق الرؤى والاشتغال. إذ يتعدد لديهم السند (كارتون، ورق، خشب، صفائح الفولاذ والحديد…) والمواضيع، والمعنى واللامعنى، أسماء عديدة هي، لن نقدر على الوقوف عندها واحدا واحدا، فارتأينا في مقالنا هذا الوقوف عند اسمين بارزين في الساحة التشكيلية المغربية، بفضل إنتاجاتهما ومواضيع وطرق اشتغالهما. الحديث عن خالد نضيف وسعيد الراجي. قد يتبادر لذهن القارئ سؤال أي علاقة تجمع بينهما؟ نقول، لا ناظم بينهما سوى انتمائهما لهذه الحساسية والصباغة، كما عملهما في تدريس هذا الفن وتاريخه للأجيال المقبلة.
عوالم خالد نضيف: المرأة، الغياب الوحدة والانعزال
ينتمي الفنان التشكيلي خالد نضيف إلى جيل الحساسية الجديدة بالمغرب، إذ استطاع بحكم عمله الدؤوب والمتفرد أن يجعل لنفسه مكانة بارزة ولأعماله، في التاريخ التشكيلي المغربي.
خالد نضيف (1978) ابن مدينة الدار البيضاء والمتخرج من مدارسها، أستاذ الفن وتاريخه، له مسار فني طويل، يصعب اختزاله في أسطر أو نص، أو حتى كتاب. يشتغل منذ مدة حول ثيمة المرأة كسند موضوعاتي لأعماله.
ما يميّز هذا الفنان قدرته على جعل المتلقي يدخل إلى عوالم اللوحة الصباغية، العامرة بالمآسي، مآسي المرأة التي يجعلها في الغالب مرتدية للباس أحمر (رمزا للمعاناة)، وتحمل بيدها قناعا أزرق أو أحمر (رمزا للنفاق الاجتماعي الذي تحيا في ظله). كما يرسم باللون شخوصا بأعين فارغة، لا يُعلم إلى أين تنظر، كأني به يحاول القول باللون والرسم أكثر ما يجب أن يرى منه، أو كأن تلك الشخوص اكتفت من النظر في العالم.
العوالم النسائية الخاصة بالفنان التشكيلي خالد نضيف، تتداخل داخل عالم بصري من الألغاز. مما يجعلنا نقول عنها ونعنونها بـ»الغياب».
يعيد نضيف عبر أعماله الاعتبار للمرأة، من خلال اشتغال جوهري على نساء باردات الملامح والشكل ويائسات. بملابس حمراء وأقنعة زرقاء أو حمراء أيضا. وأعين فارغة من بؤبؤها أي من نظرها.. كما تحضر في الخلف في أغلب الرسومات، إشارات فنية للطابع المغربي والإسلامي، عبر أشكال هندسية عربية وإسلامية، تجسيدا وإشارة لكون المرأة المتحدث عنها صباغيا داخل العمل، هي في الغالب المرأة المغربية (أو العربية عامة). هذا الطابع المعماري- الهندسي الذي يحيل إلى فضاءات مغلقة (دور، منازل، حمامات….) حيث لا يمكن للمرأة، حسب الموروث الثقافي، أن تبيّن ملامحها وتكشف عن رأسها وتتجرّد من ملابسها تقريبا إلا هناك. فبقدر ما جسد المرأة مرغوب فيه ومقدّس، فهو عرضة للتعذيب والعنف والألم.
المرأة الحاضرة بأجساد نحيفة جدّا وأعناق طويلة نسبيا، مما يجعل البعض يرى أعمال خالد نظير تقترب من تلك الأعمال النسائية التي اشتغل عليها بابلو بيكاسو، ويذهب آخرون إلى اعتبارها تقترب إلى التجريدية أكثر. بين تشخيصية بيكاسو والاتجاه التجريدي يجد نظيف لنفسه مسلكا مغايرا، وطابع اشتغال مستقلا، عبر مزج تقنيات صباغية متنوعة، من خطوط وأسطر وأبعاد ثنائية وأخرى ثلاثية، والكتل والاشتغال على الضوء (بتقلباته)…إلخ. والجمع بين التشخيصية والتجريدية، عبر حسن اشتغال يهادن اللون ويُطاوعه بلطخات متقنة الدقة والرسم. ليصل إلى مفاجأة المتلقي، فلا يتركه يضيع في العمل بل يجعله يعيش داخله تلك القصة القصيرة المحكاة على القماش أو السند باختلافه، ليصير جزءا من اللوحة. وهذا هو هدف الفن الحديث (أو الحساسية الجديدة) من حيث استدراج المتلقي.
فبقدر ما يوظف خالد نظيف المرأة داخل عمل كموضوع وثيمة وموتيف، فهو يحاول نقل تلك الحالات الانعزالية للمرأة وتوتراتها العاطفية والنفسية الثقيلة والمؤلمة. مما يجعلنا، إلى جانب «الغياب»، نعنون أيضا أعمال هذا الفنان بـ»الوحدة والانعزال».
في إحدى تجارب الفنان الصباغية، نلاحظ تميّزا برسم رأس المرأة بلا شعر، كأني به يجسد، تلك المعاناة الكبرى والألم الذي تعاني منه المرأة، معاناة خفية وصامتة، جعل لها أن تصل عبر رسم ملامح الوجه باردة والفم مقفل أو بلا فم.
خامات سعيد الراجي: التجريدية والكولاج
ماذا يمكن القول عن أعمال الفنان التشكيلي المغربي سعيد الراجي، أكثر من أنها جمع بصيغة المفرد، تجربة تتوالد داخلها تجارب متعددة. ولعب طفولي راشد بالألوان.
أعمال الراجي، تندرج ضمن التجريدية المحضة، البعيدة عن أي تشخيصية أو واقعية، فيكون بالتالي قد خطّ لنفسه مسارا واضح الاشتغال والمعالم، من حيث الاعتماد على اللون والرمز المُبهم كجزء استيتيقي داخل العمل. إلا أنه بقدر ما يبتعد عن أي تشخيصية فهو يقترب من إحدى إنتاجاتها، التي جاءت على يد فنانَيْن عالمييْن. الحديث هنا عن تقنية الكولاج (اللصق) التي يوظفها الفنان سعيد الراجي، مستوحيا إياها من المدرسة التكعيبية التي وظفتها منذ سنة 1912 على يد كل من الرسامين، جورج براك (1882-1963) وبابلو بيكاسو، فيكون بهذا الفنان سعيد الراجي يشترك وخالد نضيف، في التأثر ولو جزئيا بأعمال وتقنيات بابلو بيكاسو. ما يهمنا هنا عند سعيد الراجي ليس تأثره أو انتماءه لمدرسة، بل تلك اللمسة الفنية والجمالية التي يعتمدها الفنان داخل أعماله.
يحتل الكولاج (قطع الجرائد، والكارتون، والورق… إلخ)، جزءا هاما داخل اللوحة، ليس مساحةً بل حلولا (بالمعنى الصوفي) إذ تصير القطعة المضافة والملصّقة على السند جزءا لا يُمكن فصله عن اللوحة، إتحادا وحلولا. فوضع الأشياء الطبيعية على لوحته، من قصاصات الجرائد وغيرها… ورصها على سطح اللوحة يجعل المشاهد يحس برغبة لتلمسها. مما يمكننا أن نقول عنه كما أسلفنا القول عن أعمال خالد نضيف، أنها محاولة ناجحة في استدراج المتلقي، وجعله ينغمس في اللوحة.
اللوحة التشكيلية عند سعيد الراجي، أستاذ الفن وتاريخه، مسرح من الخطوط والكتل الصباغية، والرموز التي تحضر في الغالب عبر أرقام في تسلسلات أو أعداد. بينما تتعدد تقنيات التلوين عنده، من الخلط، والأكريليك، واستعمال الفحم، وأكسيد الرصاص الأصفر… وغيرها كثير من التقنيات والأدوات الصباغية. فأعمال هذا لا تتوقف عن التجدد المستمر، يوما عن يوم، داخل مرسمه. إلى جانب الكولاج فهو يشتغل على تجريب تقنيات متعددة، من توظيف صفائح الفولاذ أو النحاس، أو المتلاشيات، في محاولة لإعادة إحيائها، ونفخ الروح فيها.
وما يمكن ملاحظته بقوة على أعماله المتعددة، أنها اشتغال فني حول ثيمة الجدار، الذي حاول عدة فنانين الاشتغال عليه كثيمة لما يتيحه من حرية، وبقدر هذه الحرية فلا يمكن أن نقول أنه سهلٌ العمل عليه، فيحتاج الفنان إلى انفتاح واسع على تاريخ الفن ومحاولة الإتيان بجديد.. وهذا هو الملاحظ عند سعيد الراجي، الذي يعتمد في أعماله الاشتغال حول الشقوق أو التقشرات الصباغية أو الخربشات الطفولية على الجدار. يقول عن هذا في إحدى حواراته: «الاشتغال على الحائط كموضوع يعود بالأساس إلى اعتباره يشكل أول سند اشتغلت عليه في طفولتي، فهو بمثابة مكان لتدوين كل ما يقع طيلة اليوم. وارتباطي بالحائط، هو ارتباط بالطفولة البريئة والذكريات الجميلة والموشومة بالحي الذي تربيت فيه وارتبطت به طفولتي. فالحائط يجسد لي كل الأشكال والرموز والأفكار.. التي ارتبطت بواقعي الاجتماعي خلال هذه الفترة».
أما عن تقنية الكولاج فيقول: «اشتغالي على تقنية الكولاج أو التقنيات المختلطة، راجع إلى الحرية التي تمنحها هذه التقنيات لكل الأعمال التشكيلية التي أنجزها والتي تعطي قوة إضافية للعمل لدى المتلقي».
عزالدين بوركة