الحسم الميداني قبل البحث في نظام سوريا السياسي؟

حجم الخط
1

■ لغط كثير أثاره تصريحٌ حول خيار الفدرالية منسوب إلى نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف.
التصريح جاء رداً على سؤال متبوعاً بتأكيد أن الفدرالية او أي خيار آخر سيكون نتيجةً لمحادثات ومناقشات بين السوريين أنفسهم، حول شكل نظام الدولة السورية في المستقبل، مع الحرص على وحدة البلاد واستقلالها وعلمانية دولتها.
بعض الأوساط الكردية في محافظة الحسكة السورية، كما في كردستان العراق، بَنَت على تصريح المسؤول الروسي توقعات ومخططات فيها الكثير من الخيال. بعضها الآخر كان أكثر رصانة، بتأكيده على أن أكراد سوريا جزء من الشعب السوري الذي يؤمن بوحدة سوريا ومركزية دولتها وتحصين حال التعايش بين مختلف فئات شعبها.
إزاء اتساع اللغط حول تصريح ريابكوف، أوضحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، «أن بناء الدولة السورية يقرره السوريون انفسهم من خلال الحوار». هذا التوضيح يؤكد موقفاً قديماً لموسكو حرصت على ترجمته دائماً في قرارات مجلس الامن الدولي، بأن مستقبل سوريا يقرره السوريون أنفسهم. دمشق بدَت متأكدة من ثبات موقف روسيا في هذا المجال. فصحيفة «الأخبار» نسبت إلى مصدر سوري رفيع قوله «إن تحليلات ما بعد تصريح ريابكوف هي محاولات لتخريب العلاقات السورية – الروسية، وأن لا حل خارج الحفاظ على كامل الأراضي السورية».
حتى لو كان الروس جادين في طرح الفدرالية في الوقت الحاضر، فإن أي بحث جدّي في شكل نظام الدولة في المستقبل لا يعقل أن يبدأ قبل حسم الصراع في الميدان. ذلك أن تنظيميّ «داعش» و»النصرة» ما زالا يسيطران على مساحات شاسعة من البلاد ولا سبيل، تالياً، إلى تنفيذ ما قد يتفق عليه السوريون في ما بينهم قبل تحريرها من محتليها. كما لا يغيب عن أذهان أطراف الصراع جميعاً أن قرار مجلس الامن الدولي 2268 والاتفاق الثنائي الامريكي- الروسي ينصّان على استثناء «داعش» و»النصرة» من قرار وقف الأعمال العدائية.
سوريا،اذن، مستمرة في حربها الدفاعية على جميع تنظيمات الإرهاب في أراضيها ايّاً كانت الأطراف الدولية أو الإقليمية التي تمولها وتسلحها وتؤازرها. ولا سبيل، تالياً، إلى انخراط حكومتها في محادثات جدية حول شكل نظام الدولة قبل انتهاء الحرب، أي قبل هزيمة التنظيمات الإرهابية وتحرير جميع المناطق التي تسيطر عليها.غير أن أولوية الحسم الميداني لا تحجب حقيقة بازغة هي صعوبة نجاح الجيش السوري في استئصال «داعش» و»النصرة» وأمثالهما من دون دعم عسكري وازن من روسيا، وتنسيق فاعل مع العراق الذي يواجه مع سوريا عدواً مشتركاً. فهل ثمة تحفظ روسي في توفير الدعم المطلوب للجيش السوري؟
ظاهرُ الحال يشير إلى أن موسكو جادة في توفير الدعم السياسي والعسكري لدمشق، ولاسيما في مجلس الأمن الدولي وفي السلاح والعتاد والقصف الجوي لمواقع الإرهابيين. مع ذلك، ثمة مصالح واعتبارات مهمة تضعها موسكو في الحسبان ومن الطبيعي أن تراعيها في تعاونها مع سوريا ضد الاعداء المشتركين. هذا من جهة، ومن جهة اخرى فإن لروسيا مصالح واعتبارات تحرص على مراعاتها مع الولايات المتحدة ومن شأنها أن تترك هي الاخرى تأثيراً في تحديد اشكال الدعم العسكري الروسي على الارض.
لذلك، يُستحسن في هذه الآونة طرح اسئلة استيضاحية:
هل ثمة اتفاق ضمني امريكي- روسي على إقامة كيان حكم ذاتي للاكراد السوريين في شمال شرق سوريا؟
اذا كان الجواب ايجابياً، هـــل ينطوي الاتفاق على الحؤول دون وصول «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية إلى المناطق الحدودية في غرب سوريا، أي إلى منطقة عفرين؟
هل ثمة ضغوط امريكية على روسيا للحؤول دون قيام الجيش السوري بعمليات عسكرية شرق نهر الفرات، أي في محافظتيّ الرقة ودير الزور، ضد تنظيم «داعش» الذي تستخدمه الولايات المتحدة ظرفياً في إطار مخططها الرامي إلى إقامة كيان حكم ذاتي للعراقيين من اهل السنّة في محافظتيّ نينوى والأنبار المحاذيتين لمحافظتيّ الرقة ودير الزور السوريتين؟
هل تستأخر دمشق تحرير محافظتيّ الرقة ودير الزور إلى ما بعد تحرير محافظة ادلب من «النصرة» ومن ثم تركّز على مقاتلة «داعش» شرق نهـــــر الفرات بالتنسيق مع العراق وبالتزامن مع هجوم جيشه المرتقب لتحرير مدينة الموصل؟
هل تسعى تركيا إلى مشاغلة الجيش السوري على حدود محافظة ادلب، ومشاغلة «وحدات حماية الشعب» الكردية في مناطق اعزاز وجرابلس الحدودية إلى حين الانتهاء من الانتخابات الرئاسية الامريكية املاً في فوز الجمهوريين بالرئاسة وما يمكن أن يجرّه ذلك من تغيير في سياسة الولايات المتحدة يجعلها أكثر تشدداً مع سوريا وايران؟
من الصعب توفير أجوبة مفيدة في الوقت الحاضر عن كل هذه الاسئلة، لأن حكومات الدول المعنية، ولاسيما إدارة أوباما، حريصة على عدم كشف أوراقها قبل أشهر معدودة من اجراء انتخابات الرئاسة واحتمال انتقال السلطة في الولايات المتحدة إلى الجمهوريين الاكثر تشدداً.
ماذا عن سوريا؟
الأكيد انها حريصة، بالدرجة الاولى، على تحرير كامل اراضيها المحتلة من «داعش» وأمثاله قبل الخوض في اي بحث حول شكل نظام الدولة في المستقبل.

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية