منذ نيسان/ابريل 2003 ومع إطاحة الولايات المتحدة الأمريكية بنظام صدام حسين ولحد الآن والشارع العراقي يشهد ظاهرة انتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية الأمنية والعسكرية. كما يشهد ولادة مجموعات شبه عسكرية، ميليشياوية تولد وتندمج وتتفكك وتتحول إلى مسميات أخرى في سيرورة دائمة الحركة. لذلك كثيرا ما يجد الباحث في الشأن العراقي صعوبة في رصد وتوصيف المشهد من هذه الناحية.
فالمسميات كثيرة وأعداد أعضاء التنظيمات المعلنة كثيرا ما شابها المبالغة للحصول على المكانة والسمعة والدعم من الجهات التي تقف وراء هذه المجاميع.
في 10 حزيران/يونيو 2014 سقطت مدينة الموصل عاصمة محافظة نينوى ثاني أكبر مدن العراق بيد تنظيم الدولة الإسلامية، ولقي مقاتلو التنظيم دعما من مقاتلي ما عرف حينها بـ «ثوار العشائر» وبعض التنظيمات الصغيرة التي كانت تشن حرب عصابات ضد الحكومة المركزية في المحافظات ذات الأغلبية السنية. تنظيمات كان قوامها أفراد من الجيش العراقي السابق المنحل ومن بعض التيارات السياسية التي أقصيت من خريطة العمل السياسي مثل بعث العراق بشقيه (انقسم بعث العراق إلى ماعرف بجناح عزت الدوري وجناح يونس الاحمد) وبعض الحركات المقربة منهم مثل جيش رجال الطريقة النقشبندية وجيش محمد وغيرها من الحركات الصغيرة التي ربما كان وجودها مقتصرا على شبكة الانترنت وعشرات المقاتلين.
أمام انهيار قوات الجيش العراقي في الموصل وما تبعه من المدن الأخرى، أصدر المرجع الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني فتواه التي عرفت بفتوى (الجهاد الكفائي) يوم الجمعة 13 حزيران/يونيو 2014 التي توجب على القادرين على حمل السلاح ويستطيعون المشاركة في قتال عصابات تنظيم الدولة التوجه إلى المعركة. فظهر وبشكل مفاجئ حشد من المقاتلين في مؤسسة شبه عسكرية ذات حجم كبير يكاد يوازي القوات الرسمية، واطلق على هذه المؤسسة اسم «الحشد الشعبي» وما لبثت بعض وسائل إعلام الأحزاب المشاركة في الحكومة ان أضافت للاسم صفة المقدس، ليصبح بحسب هذه الوسائل «الحشد الشعبي المقدس» في إشارة مرسلة إلى بعض الساسة من مكونات سنية أو كردية تنبههم إلى عدم المساس بالمؤسسة الجديدة. وقد أظهر مقاتلو الحشد مهارات ممتازة في حرب العصابات التي خاضوها ضد عصابات تنظيم الدولة واستطاعوا ان يحققوا انتصارات في بعض المدن الصغيرة مثل جرف الصخر وامرلي وقرى ديالى، مما أكسب الحشد سمعة جيدة في الشارع العراقي وأسبغ عليه صفة المنقذ والبديل للجيش الرسمي المنهار والمنخور بالفساد.
وهنا لابد من التوقف عند مفهوم الفتوى والمرور بعجالة على سلطة المرجعية. من المعروف اليوم ان هنالك مدرستين في الفقه الشيعي المعاصر فيما يخص سلطات المرجع، الاولى المعروفة بالولاية العامة للفقيه التي يحوز فيها المرجع الأعلى سلطات الإمام الغائب، عبر ما بات يعرف بالولي الفقيه، وهي مدرسة كانت موجودة بشكل محدود تاريخيا وتم تطويرها وتطبيقها من الإمام الخميني بعد الثورة الإيرانية، حيث بات الولي الفقيه صاحب سلطات غير محددة، أعلى من رئيس الجمهورية والبرلمان وأي جهة تشريعية أو تنفيذية في الدولة. وقد باتت الحوزة العلمية في مدينة قم الإيرانية مركزا لهذه المدرسة. أما المدرسة الثانية في الفقه الشيعي فهي ما تعرف بالولاية الخاصة، التي يتمتع فيها الفقيه بسلطات محدودة تتعلق عادة بالأمور الدينية وبعض الاستفتاءات الحياتية فيما يعرف بالمعاملات، وعرف عن هذه المدرسة محدودية تدخل فقهائها في الشأن السياسي، وفصل الشأن الديني عن الشأن السياسي. وقد أصبحت الحوزة العلمية في مدينة النجف في العراق مركزا لهذه المدرسة الفقهية. ولكن يجب الإشارة إلى انه في المدرستين يجب شرعا على الشيعي البالغ ان يقلد مرجعا يعود له في اسئلته واستفساراته الدينية والدنيوية، والمرجع هو الفقيه الذي وصل إلى درجة الاجتهاد وطرح نفسه مرجعا للتقليد، وبالتالي سواء في حوزة قم أو حوزة النجف لا يوجد ما يوجب أو يفرض على شخص ما تقليد فقيه معين، إذ ان هنالك مئات مراجع التقليد المنتشرون في العالم. من كل ذلك نستطيع الوصول إلى نقطة مهمة هي ان من يقلد مرجعا يكون غير ملزم بفتاوى المراجع الآخرين، وان فتوى المرجع لا تملك السلطة في فرض تنفيذها إلا قناعة المقلد. فسلطة المراجع هي سلطة بدون قوة، تتولد من القناعة لا من الإجبار ولا توجد جهات رسمية تجبر الناس على تطبيق الفتاوى. إذا، لماذا حظيت فتوى السيستاني بكل هذه الأهمية؟ وهل كل من التحق بالحشد الشعبي من مقلدي آية الله السيستاني؟ وماذا عن المتطوعين من بقية طوائف المجتمع العراقي سواء من المسلمين السنة أو المسيحيين؟
ما لبث مكتب السيد السيستاني ان أصدر بعد يومين من صدور فتوى الجهاد الكفائي توضيحا لآلية العمل بهذه الفتوى كي لا يتحول الأمر إلى فوضى، أشار إلى وجوب القتال من خلال الانضمام إلى مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، ونتيجة لصعوبة تطبيق ذلك على الأرض وعدم إمكانية إحتواء مجاميع قتالية كانت موجودة أصلا على الأرض في المؤسسات الرسمية، لجأت حكومة بغداد إلى حل قانوني أسبغته على المكون الجديد عبر جعله «هيئة الحشد الشعبي» وربطته بمؤسسات الدولة، فأصبح حيدر العبادي، القائد العام للقوات المسلحة هو «القائد الأعلى لهيئة لحشد الشعبي». كما أصبح فالح الفياض «رئيس هيئة الحشد الشعبي» وابو مهدي المهندس «(نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي». لكن هل غير ذلك من الأمور على الأرض؟ أي هل يمتلك السيد العبادي السلطة على مكونات الحشد الشعبي؟ بالتأكد كلا، لان الفصائل المشاركة لا تتلقى أوامرها الا من قادتها الميدانيين وتتبع قادتها الروحيين كما سنرى في تفصيل هذه المجاميع، لكنها بالتأكيد تنسق جهودها مع بعضها البعض عبر آليات ما تزال غير واضحة المعالم.
لقد تشكل الحشد الشعبي من مجموعات شبه عسكرية كانت موجودة على الأرض فعليا مثل قوات بدر، التي كانت أصلا فيلق بدر، الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي كان يقوده آية الله محمد باقر الحكيم، وكان قائد فيلق بدر عبد العزيزالحكيم يعاونه هادي العامري، وقد أعلن المجلس الأعلى تغيير هوية الفيلق المقاتل بعد اسقاط نظام صدام لانتهاء المهمة العسكرية بعد اسقاط النظام، وتحوله إلى منظمة سياسية باسم منظمة بدر للتنمية، يقودها هادي العامري، وأصبحت من مكونات الائتلاف الشيعي المشارك بفعالية في الحياة السياسية. وبرغم العديد من الاتهامات التي وجهت لهذه المنظمة بقتل وتصفية الخصوم السياسيين إبان الاحتراب الطائفي الذي مر به العراق بعد 2006 والاشارات المتعددة من خصوم منظمة بدر السياسيين إلى ارتباطها الوثيق بالمخابرات الإيرانية «إطلاعات» التي لم يتم اثباتها قانونيا وبقي الامر مجرد اتهامات تتبادلها الأطراف السياسية، وقد كان قائد منظمة بدر هادي العامري، نائبا في البرلمان ووزيرا في الحكومة، فترك كل هذه المهام وتحول ليقود المجاميع المقاتلة في مواجهة تنظيم الدولة.
اما المكون الآخر فهو ما يعرف بـ»المقاومة الإسلامية – عصائب أهل الحق» بقيادة الشيخ قيس الخزعلي، وهي من التشكيلات شبه العسكرية المنشقة عن «جيش المهدي» ميليشيا التيار الصدري، الذي جمدت نشاطاته بعد عمليات فرض القانون في بغداد وصولة الفرسان في البصرة عام 2008 فقد جمد مقتدى الصدر نشاطات «جيش المهدي» وعزم على تحويله إلى منظمة سياسية تعنى بالاعمار والخدمات كما هو الحال مع منظمة بدر، لكن بعض مساعدي الصدر رفضوا الانصياع للأمر واستمروا في قتال الحكومة المركزية وضرب القوات الأمريكية التي كانت موجودة في معسكراتها في مدن العراق، وكان من بين هذه القيادات الشيخ قيس الخزعلي وأكرم الكعبي، وقد ألقي القبض على الخزعلي وتم اعتقاله حتى عام 2010 وعندما أطلق سراحه عاد للعمل بفعالية على الأرض في مواجهة القوات الأمريكية التي انسحبت من العراق أواخر عام 2011 بناء على الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، ما دفع بنشاط هذه الميليشيا إلى الساحة السورية عام 2012 في دعم نظام الرئيس الأسد والقتال مع حزب الله اللبناني، ما أكسب مقاتلو هذا التنظيم الخبرات القتالية والدعم اللوجستي من إيران ومن حزب الله، والمعروف ان «عصائب أهل الحق» يقلدون آية الله الخامنئي كما يعلن ذلك موقعهم الرسمي على شبكة الانترنت.
اما المكون الآخر فهو «سرايا السلام» وهي ميليشيا جديدة كأسم وقديمة كوجود فعلي، لانها ولدت من رحم «جيش المهدي». فقد أعلن مقتدى الصدر، الإسم الجديد في 11 حزيران/يونيو 2014 قبل صدور فتوى السيستاني بيومين. وتعدّ سرايا السلام الميليشيا الشيعية الأكبر، لكنها أعلنت مرارا ان مهمتها حماية المراقد الشيعية في مدينة سامراء، ومقاتلو هذه المجموعة يقلدون المرجع آية الله كاظم الحائري العراقي المقيم في حوزة قم. وكما يرى بعض المراقبين فان مقاتلي «سرايا السلام» يمتازون بتنظيمهم الصارم وبولائهم الصدري، فأمرهم يأتي مباشرة من السيد مقتدى، دون تأثير رسمي عراقي أو حتى إيراني عليهم. وتلعب الشخصيات المرتبطة بالبيئة الصدرية من تجار ورجال أعمال الدور الأساسي في تمويل هذه المجموعة.
والمجموعة الأخرى هي «كتائب حزب الله – العراق» ويلف عملها الكثير من السرية وعدم الكشف عن قادتها أو تشكيلاتها خصوصا بعد تصفية زعيمها واثق البطاط في كانون الاول/ديسمبر عام 2014 في عملية أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عنها. والبطاط شخصية سجالية وغامضة تنقل بين أغلب الأحزاب والميليشيات الشيعية منذ كان معارضا لنظام صدام حسين في تسعينيات القرن الماضي والقي عليه القبض أكثر من مرة وحكم بالإعدام إلا انه خرج من السجن بعفو عام، وانشق عن بعض الميليشيات التي كان يقاتل معها وأسس ما عرف بجيش المختار الذي تحول إلى «كتائب حزب الله – العراق» وقاتل هذا التنظيم مع حزب الله اللبناني في سوريا واكتسب مقاتلوه خبرات جيدة في حرب العصابات. وبعد اغتيال البطاط لم يعلن التنظيم عن هيكلته أو قياداته التي أصبحت سرية. يقلد أفراد هذا التنظيم آية الله الخامنئي ويحظى بدعم إيراني ودعم حزب الله اللبناني ماليا ولوجستيا بكل ما يتعلق بالمعدات والتدريب، إلا انه مستقل تنظيميا وليست له علاقة مباشرة بقيادات حزب الله اللبناني.
ومن المجاميع شبه العسكرية المكونة للحشد الشعبي أيضا «حركة حزب الله – النجباء» وهي حركة كانت قد انشقت عن «عصائب أهل الحق» سنة 2013 ويقودها الشيخ أكرم الكعبي الذي كان نائب الأمين العام للعصائب، ويقود لواء عمار بن ياسر التابع للعصائب في سوريا، ويمتاز أفرادها، وعددهم بضعة آلاف، بتدينهم الشديد وبولائهم للسيد الخامنئي. وقد شاركوا بفعالية في معارك النباعي والضابطية وسامراء بسلاحهم الخفيف والمتوسط مع تغطية نارية من الجيش العراقي بالأسلحة الثقيلة. ويمتلكون مصانع صواريخ «الأشتر» ويستخدمونها بكثافة.
كما توجد بعض المجاميع الصغيرة مثل سرايا عاشوراء وسرايا أنصار العقيدة وسرايا الجهاد، وكلها مجاميع قتالية تعمل تحت راية المجلس الأعلى بقيادة عمار الحكيم، وقد انضمت مجاميع من عشائر محافظة صلاح الدين السنية إلى مجاميع الحشد في معارك تحرير تكريت، كما تشكلت ميليشيا مسيحية هي»كتائب بابليون» التي يقودها الشيخ ريان الكلداني ومهمتها القتال ضد تنظيم الدولة وتحرير مناطق تواجد المسيحيين في سهل نينوى.
مما سبق يتضح تعدد الفصائل المشاركة في الحشد الشعبي، ويعزو المراقبون كثرة عدد الفصائل إلى الرغبة في الحصول على امتيازات سلطوية وعسكرية، فكل شخص تجتمع لديه المؤهلات الشخصية مع التغطية العشائرية العددية والتمويل، يعدّ نفسه القائد الذي على الإيرانيين والجيش العراقي التنسيق معه مباشرة. ويمكن القول إن فصائل الحشد الشعبي الأساسية تأسست قبل فتوى الجهاد الكفائي وعدم تقليد أغلب مقاتليها لآية الله السيستاني، الذي استخدمت فتواه سببا سياسيا للتنافس على الأرض والنفوذ والدعم، لكن ذلك لا يقلل من أهمية هذه الفصائل العقائدية التي واجهت مقاتلي تنظيم الدولة بايديولوجيتهم نفسها وحققت نتائج ملموسة على الأرض عجز الجيش النظامي عن تحقيقها. أما باقي الفصائل فهي انشقاقات عن الأصل.
صادق الطائي