انطلقت عملية «كسر الإرهاب» حسب التسمية الرسمية، الرابعة من فجر 23 أيار/مايو بعد ست ساعات من إعلان القائد العام للقوات المسلحة العراقية، حيدر العبادي، عن بدء عملية عسكرية لفتح ممرات آمنة لخروج المدنيين وشن عمليات عسكرية لـ «تحرير الفلوجة». وأطلق ناشطون تسمية «معركة الفلوجة الثالثة» تذكيرا بمعركتي الفلوجة الأولى والثانية التي قاتل فيها أبناء المدينة وفصائل مسلحة القوات الأمريكية في العام 2004.
جاء إعلان العبادي خلافا للرغبة الأمريكية التي تفضل عملية عسكرية لاستعادة الموصل بعد تمكن القوات الأمنية من استعادة مدينة الرمادي نهاية العام 2015. كما ان الإعلان يأتي بعد أيام قليلة فقط من تصريحات منسوبة لقائد الجناح العسكري المسلح لمنظمة بدر، هادي العامري، حدد فيها ان المعركة المقبلة ستكون في الفلوجة وليس الموصل، في دلالة واضحة على سيطرة قيادات الجيش الشعبي على القرار العسكري في العراق.
وأعلنت قيادة العمليات المشتركة انطلاق عملية «كسر الإرهاب» لاستعادة مدينة الفلوجة بالهجوم عليها من ثلاثة محاور، من الشمال والشرق والجنوب على مراحل ثلاث لإحكام الحصار على المدينة في المرحلة الأولى والتقدم نحو أهداف محددة لتضييق الخناق وصولا إلى أطراف المدينة في المرحلة الثانية، التي تمهد لاقتحام مركز المدينة في المرحلة الثالثة والأخيرة التي أعلن عنها في الأول من حزيران/يونيو.
وبدأت العملية العسكرية بمشاركة جهاز مكافحة الإرهاب والجيش والأفواج الخاصة وطوارئ شرطة محافظة الأنبار ووحدات الحشد العشائري التابعة للمحافظة، فيما تشارك وحدات الحشد الشعبي في عمليات قتالية أو إسناد القوات الأمنية في محيط الفلوجة فقط.
تشير تقديرات عسكرية أمريكية إلى تواجد ما بين 500 و1000 مقاتل من تنظيم الدولة في مركز مدينة الفلوجة في مواجهة نحو 30000 من الجيش العراقي والحشد الشعبي ومقاتلي العشائر السُنّية وقوة مكافحة الإرهاب وأفواج طوارئ شرطة الأنبار.
وتشكل فصائل الحشد الشعبي العدد الأكبر من تلك القوات التي تقدر بنحو 10000 مقاتل، حسب تقديرات غير رسمية، لكن تقديرات أخرى من قيادات مقربة من الحشد قالت ان عدة آلاف يشاركون في عملية «كسر الإرهاب» ينتمون إلى عدة فصائل من بينها، «لواء أنصار المرجعية» و«لواء علي الأكبر» و«منظمة بدر» و«سرايا عاشوراء» و«سرايا العقيدة» و«لواء المنتظر» و«كتائب سيد الشهداء» و«حــركة النجباء» و«حركة الرساليون» وعشرات غيرها.
أما الجيش العراقي فتشارك منه وحدات متعددة من خمس فرق عسكرية، حسب مصدر خاص من قيادة عمليات الأنبار، إضافة إلى جهاز مكافحة الإرهاب الذي تمثله «الفرقة الذهبية» المدربة على يد القوات الأمريكية الخاصة منذ تأسيسها نهاية العام 2003 حيث تتلقى تدريبات بشكل مستمر على العمليات القتالية وحرب المدن، وهي الحرب الأهم في العراق اليوم.
وبالإضافة إلى القوات المذكورة، يشارك في المعركة حوالي 20 ألف مقاتل، تساندهم آليات مدرعة وكتائب مدفعية، يتمركزون على مشارف الفلوجة استعدادا لاقتحامها، كما نقلت وسائل إعلام عن قائد الشرطة الاتحادية في العراق الفريق رائد شاكر جودت، الذي لم يحدد هوية المقاتلين.
وتشارك قوة مؤلفة من حوالي 4000 مقاتل من أبناء العشائر السُنّية، حسب الناطق باسم قوات التحالف الدولي الكولونيل ستيف وارت «لإسناد القطعات العسكرية ومسك الأرض بعد تحريرها». ويطلق على المقاتلين السُنّة تسمية «الحشد العشائري»، وهم قوة من مقاتلي العشائر السُنّية تلقت تدريباتها ضمن البرنامج الأمريكي لتدريب المقاتلين السُنّة الذي سيشمل أكثر من عشرة آلاف مقاتل من أبناء عشائر الأنبار.
بعد استعادة قوات الحشد الشعبي ناحية الكرمة من تنظيم الدولة في 17 أيار/مايو، تعرض عشرات المدنيين للاعتقال والتصفيات الجسدية، كما تعرضت البنى التحتية للمدينة إلى دمار كبير تمثل بتفكيك ونقل منظومات مشاريع الماء والكهرباء، إضافة إلى إحراق عشرات المنازل وتدمير عدد من مساجد المدينة ونهب محتويات المحال التجارية والمنشآت الصناعية الصغيرة العائدة ملكيتها للمواطنين؛ الأمر الذي أثار اعتراضات من الحشد العشائري خلال اجتماع مع قيادات عسكرية محلية وقيادات أمريكية عبرت عن امتعاضها من انتهاكات الحشد الشعبي. وكانت وسائل إعلامية نقلت عن مصادر من الحشد العشائري تقاتل داخل مدينة الكرمة «ان ميليشيا رساليون اختطفت 73 رجلا بعد عزلهم عن عائلاتهم وقامت بنقلهم إلى منطقة الرشاد شمال شرق المدينة»، وهو سبب مضاف إلى القصف العشوائي لمدينة الفلوجة دعا الحشد العشائري للانسحاب من المدينة إلى ناحية عامرية الفلوجة.
وعلى الرغم من اعتراضات الحشد العشائري، إلاّ ان الحشد الشعبي واصل قيادته للعمليات القتالية في محيط المدينة وتعهد الجانب الأمريكي بعدم السماح لهم بدخول الفلوجة بعد استعادتها، حسب تصريحات نسبتها وسائل إعلام محلية إلى ما اسمته مصدر عسكري في قيادة عمليات الأنبار؛ وهو ما أكده أمين عام منظمة بدر، هادي العامري، الذي قال في تصريحات خاصة بالتلفزيون الرسمي العراقي «أن الحشد الشعبي سيترك للجيش العراقي عملية اقتحام المدينة، في حين سيشارك الحشد في عمليات التطويق، ولن يدخل المدينة إلا إذا فشل هجوم الجيش».
كانت المشاركة الإيرانية بشكل معلن ولافت في عملية «كسر الإرهاب» من خلال تواجد قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، في مقر قيادة عمليات تحرير الفلوجة إلى جانب القياديين في الحشد الشعبي، هادي العامري وأبو مهدي المهندس، في رسالة صريحة تؤكد على تبعية الحشد الشعبي لإيران بشكل مباشر، وسيطرة الحشد على القرار العسكري بشكل يوحي بغياب القرار لدى المؤسسة العسكرية إلى حد ما.
لا تخفي وزارة الدفاع العراقية مشاركة الحشد الشعبي في المعركة بدور يتعدى دور الإسناد للقطعات في محيط المدينة، فقد نشرت تقريرا رسميا يتضمن تصريحات تؤكد مشاركة «كتائب حزب الله» المعروفة ببيعتها وتبعيتها للمرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، وهو الأمر الذي يستفز مشاعر أبناء الفلوجة الذين يتحسسون من الغرباء عموما، والإيرانيين خصوصا.
لأسباب تتعلق بالنفوذ الإيراني في العراق ورعايته للحشد الشعبي، وأسباب أخرى تتعلق بضعف أداء القوات الأمنية ومقاتلي العشائر السنية، لجأت الحكومة إلى الاعتماد بشكل ما على الحشد الشعبي الذي اعترضت الولايات المتحدة على مشاركته لضلوعه بانتهاكات وثقتها منظمات دولية خلال عمليات استعادة مدن سُنّية مثل جرف الصخر وتكريت وغيرهما، ومع ذلك كان اعتراض الولايات المتحدة على مشاركة الحشد الشعبي في معركة الفلوجة خجولا إلى حد بعيد لم يقف حائلا دون تقديم ما يكفي من الإسناد الجوي لتلك الفصائل التي تدرك الولايات المتحدة أنها تخضع بالدرجة الأساسية لقيادة قاسم سليماني.
رائد الحامد